تونس وطن كليم صَبٌّ إلى فضيلة العدالة

إيمان بوقردغة
2019 / 9 / 26

تعتبر العدالة واحدة من الفضائل السياسية الأساسية وعلى الرغم من أن ما يشكل العدالة قد يختلف باختلاف الثقافة أو السياق التاريخي، فإن جميع أشكال العدالة مبنية على أساس افتراضات أخلاقية تتضمن أفكارا عن الأخلاق والإنصاف والقانون.
.فالواجب على من يروم نيل نوائل إيقاظ النفس حتى يلقى أمرا محمودا و و هَديا مأثورا أن يمشي على صراط العدالة المستقيم .
وتعني العدالة في نظر أفلاطون وأرسطو الخير والاستعداد لطاعة القوانين حيث يظل القانون حصن الرعية وقرّة عين الكمال في العلاقات الإنسانية حتى أنه ينبغي أن يتحول إلى صحيفة فردية يومية يتصفحها المواطنون في "الجمهورية "فذخيرة القانون أحب الذخائر إلى العلوم السياسية المعاصرة التي تم بناؤها على الانشغال بسيادة القانون وخاصة في البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية دقيقة على غرار تونس فأحد أهم الأدبيات السياسية التي أنتجها علماء السياسة هو الاعتقاد بأن القوانين ليست مستقلة عن المجال الاجتماعي و السياسي ولا ريب في أن فهمنا للنظام القانوني والمؤسسات المسؤولة عنه يمكن أن يحقق تقدمًا كبيرًا إذا أجرينا تحليلا لمفهوم العدالة
وينخرط مفهوم سيادة القانون في المطالبة بتغطية قانونية كاملة للمجتمع السياسي انقيادا إلى العدالة المنتصِبة حبلا نعتلقه عصاما من الجور فالعدالة في الفلسفة الأخلاقية القديمة هي الفضيلة الأساسية وهي "أم الفضائل" عند أفلاطون الذي أقرّ بأن "فضيلة العدالة هي الفضيلة التي يحقق بها الإنسان غرضه الأخلاقي"
أما أرسطو فلديه تمييز أساسي بين جانبين من مفهوم العدالة: العدالة النسبية و الفردية والعدالة العالمية .فالجانب الأول من المفهوم فضيلة. والجانب الثاني يتعلق بالقوانين والدستور السياسي ويستند إلى العقل و من الناحية المثالية ، تصبح العدالة سياسية. فيقول أرسطو عن العدالة "إنها الترتيب الموضوعي للمجتمع السياسي"
ونقيض العدالة هو الظلم الذي يعتبره الفلاسفة "انهيارا للنظام الطبيعي للعالم أو تجاوزا له" وتعصف رياح الظلم على الشعب التونسي منذ عهود فتهطل عليه مزنة البلاء وينسكب على النفوس همر الغضب الذي تغذيه جرائم التعذيب و التمييز "على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني أو غيره "
و إن الصراع بين الجناة والمجني عليهم على ردود الفعل إزاء أحداث غير عادلة يمكن أن يسمى "ديناميكيات الغضب" ويمكن للرؤى حول سيكولوجية ديناميكيات الغضب أن تدر على الناشطين المعارضين للظلم بإبريز دراسة الأسس النفسية التي تقوم عليها ردود الفعل الشعبية إزاء الأحداث أو المواقف التي ينظر إليها باعتبارها غير عادلة أي أننا سنسعى إلى فهم نفسي له صلة بالممارسة السياسية.
وفي هذا المثوى فقد تأمل المؤرخ الاجتماعي Barrington Moore, Jr الذي يدرس مجموعة واسعة من الثقافات، الظلم بعين لبه ليخلص إلى أن هناك فلسفات أخلاقية متكررة تخضع لطارق منيات الظلم فعلى سبيل المثال، في عقد اجتماعي ضمني، يمنح الناس بعض السلطات للحكام مع توقع أن الحكام سوف يوفرون الحماية لهم ودرجة ما من العدالة. فحين ينتهك الحكام التوقعات المشتركة من خلال فرض عقوبات مفرطة و عبر التمييز بين المواطنين فروع دوحة الدولة الواحدة فإن هذا سوف ينظر إليه باعتباره ظلما ويتسبب في ردة فعل عكسية.و لقد عرض Moore ملاحظة اجتماعية مفادها أن التصورات عن الظلم تشكل أهمية مركزية في عمل المجتمعات.
ومن الممكن التوصل إلى نهج أوثق في التعامل مع ديناميكيات الغضب من خلال النظر في الهجمات العنيفة على المحتجين السلميين. وفي هذا المقام فقد لاحظ Gene Sharp، كبير الباحثين في مجال عدم العنف في العالم، أنه عندما يتم مهاجمة المتظاهرين السلميين بعنف، فإن هذا يسبب الغضب بشكل منتظم ويذكر على سبيل المثال، قتل المتظاهرين في روسيا عام 1905، أو ما يسمى "الأحد الدامي"، وهي المناسبة التي تسببت في زيادة كبيرة في معارضة القيصر. ومن بين الأمثلة الأخرى إطلاق الشرطة البيضاء النار على المتظاهرين السود في شاربيفيل بجنوب أفريقيا في عام 1960، وهو عمل ظالم أدى إلى زيادة كبيرة في المعارضة الدولية للتمييز العنصري.
وردود الأفعال العكسية على الهجمات على المحتجين السلميين قد أعطاها Sharp اسم "جيوجيتسو السياسية"، بالقياس على رياضة جيوجيتسو التي تستخدم فيها قوة الخصم ضدهم.
وإن كانت الأبحاث النفسية شحيحة فيما يعرف بجيوجيتسو السياسية أو ردود الأفعال فإن الأقوات الغاذية لمشارب الأفكار هي النتائج المأخوذة من دراسات قام بها أستاذ علم النفس Bob Altemeyer لطلاب الجامعات يسألهم فيها كيف سيتصرفون إزاء قمع الحكومة للاحتجاجات العنيفة وغير العنيفة فأشارت ردود الطلاب إلى رد فعل أقوى ضد الحكومة عندما كانت الاحتجاجات غير عنيفة. واختتم Altemeyer حديثه قائلا: "عندما تحاول الحكومات قمع الحركات الاحتجاجية السلمية بالقوة، يبدو أنها تثير ردود أفعال عنيفة ضد نفسها. قد يسمى هذا "مصيدة غاندي".
"When governments try to suppress peaceful protest movements with force, they appear to trigger a backlash against themselves. This might be called the Gandhi trap
فقد أضلّ الجناة لؤلؤة تتقد فيها أنوار الهدايات بما حصل به انثلام بنيان الدولة التونسية بأفول شموس أهل العدل و انقطاع مسالك الأوامر و النواهي مع انعكاس وجوه القوم إلى القفاء وفي هذا المرتع يطبّق عالم النفس الكندي Bandura آليات نظرية فك الارتباط الأخلاقي على الجناة
و تقع معظم هذه الآليات ضمن أساليب خفض القيمة وإعادة التفسير. وعلى سبيل المثال، يعتبر التجريد من الإنسانية شكلا من أشكال خفض القيمة، ويعد وصف التعابير التافهة شكلا من أشكال إعادة التفسيربما يحصل به السقوط في مهاوي الثبوروهو أمر استبان غيه في تونس عبر التحقير من قيمة النفس البشرية نبيلة المغرس طيبة الأرومة من خلال الإستهانة بكبائر و جرائم القتل و قمع الإحتجاجات المدنية السلمية و التمييز بين مواطني الدولة الواحدة و سلالة الشعب الواحد بما يحصل به انصرام حبل الإرتباط بالأخلاق وهي لعمري من مقاليد النجاة من الظلم منبت الغوائل ونبعة الإنتفاضات و الثورات.
فمن يتلمس سفور وجه الصلاح فإن العدل فلك قطبه الإيمان بعالم عادل تعذوذب فيه مشارب الحياة فيندب النهل من ركيّات الدراسات التي توسع فرضية العالم العادل والتي وإن كانت تقترح أن الناس يختلفون في مدى اعتقادهم بأن العالم عادل وفي التزامهم بهذه النظرة العالمية ، فإنها تعترف بأن الإيمان بالعدالة من الجلائل و الكمالات فمن آمن بها لاح له وجه الصواب فتمسك بعروة "القسطاس المستقيم "وعلى العكس من ذلك فإن الإنحراف عن جادة الإنصاف ينصب أشراك الظلم بما يستوجب قلع تلك الشجرة الملعونة عن بساتين الدولة التونسية الكليمة حتى لا ينهال على وجه الشعب اللطام "فلأن الشئ لا يثمر إلا نوعه" فلن يثمر عنف الجناة إلا ردود فعل عنيفة وسيعلم الذين ظلموا أي "منقلب ينقلبون فإن الله يذل كل جبار ويهين كل مختال" وهو للظالمين بالمرصاد أعوان الأثمة وأخلال الظلمة فلا ينفد عدله إذا نفد القرطاس.