يجب اسناد كل ادعاء بتشريع نيابي يا حلبوسي !

سعد السعيدي
2019 / 9 / 25

في حزيران الماضي أصدر الحلبوسي رئيس مجلس النواب ما وصفه بالتوضيح في ما تعلق بما اثير حول منح أعضاء البرلمان امتيازات جديدة خلال الدورة البرلمانية الحالية. وقال في بيان أصدره مكتبه الإعلامي بان ليس لدى رئيس مجلس النواب ولا اي من اعضائه سواء في الدورة الانتخابية الحالية او السابقة من امتيازات تقاعدية (1).

وقد أضاف بانه لم تخصص سيارات وغيرها من الامتيازات المادية الى النواب. وان الدورة الانتخابية الماضية قد شهدت تخفيضا لرواتب اصحاب الدرجات الخاصة بمن فيهم اعضاء المجلس الى دون النصف ، اتساقا مع سياسة الدولة بالتقشف وضغط النفقات. كما تم تخفيض اعداد حمايات النواب الى النصف ايضا، وان النواب ما زالوا مرحبين بهذا التوجه. وبين بان التسهيلات والامكانات المتوفرة لدى اعضاء مجالس المحافظات ، وحتى رؤساء الوحدات الإدارية تفوق تلك التي تمنح الى اعضاء مجلس النواب. ويشمل ذلك الحمايات الشخصية وسيارات الاستخدام.

وإذ اشكر الحلبوسي على مبادرته للتوضيح هذه ، إلا اني اراه ناقصا وغير كامل حيث لا ادري إن كان رئيس المجلس قد وقع في سهو ام انه قد فعل هذا لضرورات الاستغفال. ففي اشارته الى الرواتب لم يرد الحلبوسي ان يفصّل في تحديد الجهة التي قامت بتخفيضها ولا كيف. فتعمد التعميم والإبهام بحيث يتصور المتابع بان مجلس النواب هو من بادر الى هذا التخفيض. لذلك اضيف التوضيح اللازم مما وجدت من خلال البحث والتقصي. هذه الجهة لم تكن إلا العبادي نفسه. فهذا كان قد اصدر في تموز العام 2015 قرارا بالرقم (282) امر فيه بتخفيض مخصصات الرئاسات الثلاث ونوابهم وأصحاب الدرجات العليا وموظفيهم جميعا من ضمن ما اراد الايحاء بكونه سياسة التقشف وقتها. التفاصيل في الرابط (2).

واضيف تفصيلا آخر في ما لم ولن يوضحه لا الحلبوسي حول تفاصيل هذا التخفيض ولا اي مسؤول آخر نيابي كان ام حكومي. وهو ان مجلس النواب غير الموقر لم يلتزم بنسب التخفيض التي حددها قرار العبادي. فبينما قد حدد القرار تلك النسب بمقدار 50% نجد ان المجلس قد تجاهلها حيث لم يقم بالتخفيض إلا جزئيا. وهو ما يستنتج من مقادير الرواتب المعلنة في تصريحات النائب احمد الحاج رشيد عن قائمة الجماعة الاسلامية الكردستانية تأكدت لاحقا بتصريح منفصل من النائب رائد فهمي عن الحزب الشيوعي (3). اما الارقام الاخرى عن نسب التخفيض الحقيقية للحمايات ولباقي الامتيازات المالية التي لم تتوفر لي فاترك امر تدقيقها للمتابعين من الناشطين والمهتمين. هذه الامتيازات والرواتب هي كثيرة وعالية حد السرقة والنهب وهي مما لا يجوز الاستمرار به. ولا ادري من الذي خول مجلس النواب اللصوصي غير الموقر ان يمنح نفسه مثل هذه الامتيازات الباذخة.

ايضا تعمد الحلبوسي بادعاءاته التوضيحية المبهمة عدم تفسير كيف ان التسهيلات والامكانات المتوفرة لدى اعضاء مجالس المحافظات ورؤساء الوحدات الإدارية تفوق تلك الممنوحة لاعضاء مجلس النواب. فلم يرد ان يقول من ضمن واجبه الرقابي بان هذا التفوق قد حدث بسبب تعمد العبادي عدم شمول المومأ اليهم بقراره آنف الذكر. بيد ان هذا لن يثير العجب إن علمنا الغاية من هذا الاستثناء في المعاملة. هذه الغاية كانت تتمثل في رغبة العبادي الذي كان يريد وسيلة يغري بها المومأ اليهم ومعهم المحافظين واعضاء احزابهم في تلك المجالس للانضمام الى حزبه الذي كان مشغولا بانشائه.

بقاء هذا القرار الحكومي بصورته هذه بعد صدوره دون ان يسنده تشريع نيابي حول موضوعه رواتب النواب كما يقول الدستور يشي بكونه قد جرى طرحه عمدا وبعجالة رغما عن انف المجلس. وهو ما يعرضه الى خطر التراجع عنه في اية لحظة. وواضح بان الامر كان يندرج في سياق الصراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية الذي كان قائما وقتها ، لا في سياق الاصلاح. والقرار بشكله هذا يعتبر تلاعبا واستغلالا للوظيفة العامة. وهو ما يصنفه القانون بكونه محاباة ويعاقب عليه لكونه فسادا. وليكن بعلم الحلبوسي بان كل تقاعس وتأخير من لدن المجلس في تحويل قرار العبادي اعلاه الى قانون مشرع (وتوسيعه ليشمل باقي السلطات مما ذكره القرار) يؤدي الى ثلم مصداقية المجلس اكثر ومصداقيته هو بالذات.

ولابد ان استمرار تطبيق هذا القرار كما هو وبنواقصه كان بسبب حيازته على تأييد شعبي كبير خصوصا وانه قد ظهر لحظة انطلاق التظاهرات صيف العام 2015 مما اجبر مجلس النواب على الانصياع له دون اعتراض.

وحول قرارات المحكمة الاتحادية التي ذكرها الحلبوسي ايضا في توضيحه والتي ابطلت بنودا غير قانونية وغير دستورية في قانون مجلس النواب مثل تلك المتعلقة بتقاعد اعضائه ، يكون هذا القانون النيابي قد اصبح في ذلك الجزء بالنتيجة ناقصا. وقرارات المحكمة العليا هي ليست إلا احكام قضائية. فلا يمكن الاستمرار بمعية هذه القرارات فقط بسبب من كونها قوانين غير صادرة من مجلس النواب. فلا بد إذن ان يقوم هذا المجلس باكمال التشريع ببنود تحل محل الاجزاء التي نقضت لتكون منسجمة مع قرارات المحكمة العليا والقوانين النافذة والدستور. ووسط هذه الاجواء التي يتظاهر فيها الجميع بالبلاهة كان يتوجب على المحكمة الاتحادية المبادرة بتقديم التوضيح حول هذا التفصيل بنفسها بعد نطقها بقرارها كيلا يستغل مجلس النواب الامر ويتقاعس عن القيام بما يلزم كما نرى هذه الايام... إلا اذا كانت المحكمة هي الاخرى تتظاهر اسوة بالباقين بالبلاهة.

وطبعا سيكون الامر رائعا لو جرى توسيع المبادرة لتعديل هذا القانون النيابي لتشمل الامتيازات الاخرى غير المشروعة المذكورة فيه من مثل تلك المتعلقة بالجوازات الدبلوماسية ، لتحذف منه وتلغى وتسترجع كامل الاموال والثروات المتحصلة بواسطته. حيث انه لا يوجد ادنى شك من ان من بين من رشح نفسه لعضوية مجلس النواب من كان يروم الانضمام الى نادي اصحاب الملايين باستغلاله لهذا الامتياز الاستفزازي غير المشروع. وحيث قد التزم النائب رائد فهمي الصمت عندما سألته على الفيسبوك إن كان تحالفهم سيطلق مبادرة نيابية لإلغاء هذا الامتياز.

ننتظر إذن ان يتوقف الحلبوسي عن محاولات استغفالنا وان يسند اقواله بتشريع نيابي.

روابط المقالة :
(1) الحلبوسي يصدر توضيحًا جديدًا بشأن امتيازات النواب.. (فيديو)
https://baghdadtoday.news/ar/news/88268/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D8%A8%D9%88%D8%B3%D9%8A-%D9%8A%D8%B5%D8%AF%D8%B1-%D8%AA%D9%88%D8%B6%D9%8A%D8%AD%D8%A7-%D8%AC%D8%AF%D9%8A

(2) الأمانة العامة لمجلس الوزراء ترسل قرار تخويل رئيس المجلس اصدار التعليمات بشأن موضوع تخفيض المخصصات الى مكتبه
http://www.cabinet.iq/ArticleShow.aspx?ID=6379

(3) نائب يكشف عن امتيازات البرلمانيين المادية
https://www.nrttv.com/AR/News.aspx?id=5119&MapID=2

رائد فهمي يحدد موقفه من بدلات ايجار النواب ويكشف عن رواتب اعضاء البرلمان
https://baghdadtoday.news/news/65492/%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%AF-%D9%81%D9%87%D9%85%D9%8A-%D9%8A%D8%AD%D8%AF%D8%AF-%D9%85%D9%88%D9%82%D9%81%D9%87-%D9%85%D9%86