لبنان اليوم، مجتمع الأعمال ومجتمع السياسة والأعمال

سعيد عيسى
2019 / 9 / 23

تركت أوهام السّلام وأرباحها المتخيّلة في شرق المتوسّط آثارها على اللبنانيين، فناتوا ذات يومٍ على آمال لم تكن سوى أضغاث أحلام، في ظلّ حلول النّفعية والمنتفعين من الدولة، من رأس الهرم حتى قاعدته، مترافقًا مع فقدان تامّ لرجال الدّولة المتنورين والمتبصّرين.
ما يحصل في لبنان اليوم من الناحية الاقتصاديّة، هو تراجع في دخول العملات الصعبة إليه، مقابل خروج أكثر منها، وتراجع المبادلات التّجاريّة البينيّة نتيجة الصّراعات المستحكمة في منطقة الشرق الأوسط، ومحاولة كلّ طرفٍ من أطراف النّزاع إقحام لبنان فيها، وهو في كل الحالات مقحَمٌ، من خلال الاصطفاف الواضح للعيان الذي تبلور منذ أكثر من عقدين من الزمن.
وما زاد الطين بِلّة، هو تخفيض الرّسوم الجمركيّة من ٤٣٪ إلى ١٠٪، تحت عنوان الدّخول اتّفاقيّة التجارة الحرّة، ما انعكس تراجعًا في الصّناعة اللبنانيّة لمصلحة الاستيراد، فبعدما كانت الصّناعة ترفد لبنان بعملات صعبة وترخي توازنًا في ميزانه التّجاري، بات الاستيراد الحالّ مكان الصناعة المتراجعة يستنزف رصيد لبنان المجمّع من العملات فتترك آثاره عجزًا في ميزانه التّجاريّ.
بتنا اليوم امام معضلة كهرباء لا حلّ لها سوى وعود، ترحّل من وزارة متشكّلة إلى أخرى، محمولة على ٤٠٪ من الدّين العام المتراكم طوال ما يزيد على ربع قرن، دون أن يعلم اللبنانيون ما الذي حصل في هذا القطاع، ومن استثمر فيه، وكيف حصل وأين ذهب هذا الاستثمار، ومن هو المستثمر في الفيول، الذي يزوّد معامل الكهرباء، ومن يدير المولّدات في الخفاء، ومن هم أصحاب المصلحة في ذلك، ولماذا تمّ التشريع لهم، وجعلهم شركاء مضاربين، حلّوا مكان وزارة الطاقة، يتقاضون أكثر منها، يربحون، في حين هي تخسَر، وتستنزف الخزينة، وصولا إلى طرحها مع عددٍ من المؤسّسات للخصخصة، بهدف التّخلّص منها، ومن ديونها.
يضاف إلى ما تقدّم، المحاصصة، التي طبعت الحُكم منذ بداية التسعينات ولا تزال، مترافقة مع مشاحنات وتعطيل للحكم حين الاختلاف على الحصص، وتوافق حين الاتّفاق، والخصخصة التي تقدّم ذكرها، في ظلّ منظومة الحكم المتّبعة، كيف يمكن الاطمئنان إلى معاييرها، وضوابطها، وشفافيتها، وطبيعيّ ستكون على الطّريقة اللبنانيّة إن حصلت، وستًبدّد أموالها كما بدّدت الأموال التي تدفّقت على لبنان خلال السنين المنصَرمة، ومن بدّد الأموال سابقًا، وحوّلها لمصلحته الخاصّة، لن يتوانى اليوم، أو غدًا، من تحويل المال الآتي من الخصخصة لجيوبه.
لبنان اليوم فيه مجتمعين للأعمال، أحدهما اقتصاديّ صرف، والأخر سياسيّ – اقتصاديّ في آنٍ معًا، لا مونة للأوّل على الثاني إلا بمقدارٍ قليل، يتوافقان أحيانًا، لكن مصالحهما متباعدة كثيرًا، هما متناقضان أساسًا، ودائمًا الغلبة للثاني، لأنّه قابض على السياسة والنّاس معًا، يعرف إدارة اللعبة لمصلحته باستمرار، لكن إلى متى؟