تكرار فجوة الخطاب الأيديولوجي مع الحراك الاجتماعي

حاتم الجوهرى
2019 / 9 / 21

إذا كان البعض يعلن ضرورة استفادة المستقبل السياسي لمصر من دروس ثورة 25 يناير بموجاتها المتتابعة، خاصة في ظل الحراك الأخير والتدافع المجتمعي الذي أثارته الحلقات المصورة للممثل ورجل المقاولات "محمد على" في الشارع المصري، فدعوني أقارب تلك الدروس من زاوية أخرى وهى بحث الخطاب الأيديولوجي السائد وبوادر أزمته تجاه الحراك الشعبي البادي، وذلك بعد أن بلغ الحراك مرحلة جديدة أمس الجمعة بنزول البعض للميادين تلبية للدعوة التي وجهها محمد على..
أولا ماذا أقصد بكلمة خطاب؟ في تصوري إن أبسط صياغة لتقريب معناها للناس أنها مفهوم أو كلمة تجمع بين المحتوى والمتن لفكرة معينة، وبين اللغة المستخدمة للتعبير عنه، فمثلا هناك الفكر السياسي والمذاهب والتيارات والعقائد أو الأيديولوجيات السياسية الكلاسيكية المعروفة في العالم أجمع، وهناك الخطاب أو الأسلوب الذي يستخدمه هؤلاء شفاهة أو كتابة في التعبير عن تلك المذاهب والدعوة لها.
ثانيا ماذا أقصد بكلمة أيديولوجيا؟ الأيديولوجيا في تبسيطها تعني الأفكار والتصورات السياسية التي تحولت إلى أسس ثابتة جامدة لا تقبل المغاير تنفي ما سواها وترى في صحة طريقها وحده للمجتمع، ويتخذها البعض عقيدة سياسية له تجاه المجتمع والدولة التي يعيش بها. مثل التصورات المادية النفعية الجامدة للحياة والمجتمع التي تبلورت في الأيديولوجيا الماركسية، والتصورات الاجتماعية الإنسانية والتكافلية التي تبلورت في الأيديولوجيا الاشتراكية، وتصورات حكم الناس باسم المقدس الديني وتكفير المخالف في أيديولجيا فرق الدين السياسي، وهناك أشكال أخرى للأيديولوجيا أكثر تخففا أو تشددا ليس مجال ذكرها الآن.
بعد تعريف الخطاب والأيديولوجيا بشكل مبسط، ما هي إذن أزمة الخطاب الأيديولوجي المصري الراهن أو المعاصر تجاه الحراك الثوري الجديد؟ وهل تغير شكل ذلك الخطاب منذ أحداث الثورة الأولى في 25 يناير 2011 أم مازال على نهجه القديم؟ إذا كنا نبحث عن الدروس المستفادة أو النقد الذاتي.
أرى أن الفجوة مازالت قائمة وتتكرر بالشكل ذاته، بين منطق الخطاب الأيديولوجي المصري وبين منطق الحراك الاجتماعي/الثوري في الشارع المصري؛ يتكرر الخطاب نفسه الذي خرج فما بعد 25 يناير مباشرة عن التعالي والسخرية وتهافت المآلات، ومحاولة فرض المسارات الجاهرة على الناس وفق أيديولوجيا كل فصيل سياسي.
في ظني الأزمة مردها فكرة الأيديولوجيا ذاتها، وأن مصر تعاملت مع المنتج النهائي الجاهز للفكر السياسي (الوافد من الغرب) المتمثل في العقائد السياسية، دون أن تتعامل مع أو تنتج ماكينة إنتاج أفكار خاصة بها، أو أن تلك المحاولات لإنتاج أفكار خاصة بمصر تعرضت دائما لغياب الظرف المواتي والسياق الحاضن لها، فلم تكتمل أو لم تتقابل مع ظهير شعبي/ اجتماعي لها بشكل مقصود منعته تركيبة البنية السياسية المصرية المعاصرة، مما جعل المشهد السياسي المصري في حالة تشوه وابتسار وإعادة تدوير لذاته القديمة باستمرار.
فتحولت الأبنية أو الأحزاب والجماعات العاملة في السياسة إلى حالة الجمود والعجز عن إنتاج خطابات جديدة أو أفكار وعقائد سياسية جديدة، وبالتالي كلما أصبحت هناك فرصة او ظرفا تاريخيا ما له سياقه الخاص الممكن من خلاله أن تعبر مصر للمستقبل، حاول هؤلاء لي عنق السياق وتشويهه ليصبح مناسبا لعقائدهم الأيدولوجيا الجاهزة والمحفورة في بنيتهم النفسية ككتاب مقدس!
لأبسط المشكلة أكثر؛ سأقول إن خطاب النخب الأيديولوجية في مصر تجاه الوضع الراهن سيكرر مأساة 25 يناير، عن القطيعة والفجوة بينهم وبين الحراك الشعبي/الاجتماعي/ الثوري، بسبب عجزهم عن مغادرة القصور والضيعات الأيديولوجية التي يعيشون فيها، في ظل دفء وحماية الشعارات التاريخية والصداقات المتراكمة، والمكانة الاجتماعية النفسية التي تكونت عبر عشرات السنين، واستسهال العيش في كنف وغواية الاعترافات المتبادلة بين بعضهم البعض بالنضال والتفوق، والمباهاة برفع الصوت بالاعتراض من داخل مبادئ الحظيرة الأيديولوجية المستقرة، هم يمارسون الحياة داخل "شرنقة" خاصة أو عقيدة خاصة بهم، ولا خلاص عندهم أو نجاة للمجتمع المصري سوى عبر الثورة من المسار الذي حفظوه وشعاراته.
إن المشكلة في المداخل والمخارج الاجتماعية بين الطرفين؛ مهما قدم المجتمع المصري من مخرجات ثورية ومنتجات فكرية جديدة، أزمتهم ستظل في المداخل! أن شباب الثورة ونخبتهم لم يدخلوا من العتبات الأيديولوجية المقدسة الخاصة بهم، وبالتالي فهم لن يعترفوا بهم، وسيحاولون تكرار الحديث بعدم الفهم وعدم قبول منطلقات ما يحدث والسخرية من مآلاتها والتعالي عليها.
هو التعالي نفسه الذي وظفه ممثلو دولة ما بعد الاستقلال بقلبها العسكري بعد ثورة 25 يناير تجاه ممثلي الخطاب الأيديولوجي يمينا ويسارا، ليخلقوا التناقضات ويديروها في المرحلة الأولى مع اليمين الديني والتحالف مع الإخوان، وفي المرحلة الثانية بالتحالف مع اليسار والليبرالية لإزاحة الإخوان!
لهذا أقول أن النموذج الأمثل لإدارة مصر حاليا؛ يتمثل في إعطاء الفرصة للظرف التاريخي لبنتج ماكينة فكرية خاصة بمصر ومعبرة عن حالتها، الخطاب الأيديولجي القديم مستلب في عمومه.. الخطاب اليساري مستلب تماما للغرب ولا يرى العالم سوى عبر إعادة إنتاج لتجربة النهضة الأوربية، والخطاب اليميني مستلب تماما للتعميم ورد فعل للصراع مع التيار الأول ويميل للتكفير ولا يملك تصورا لإنتاج تجربة سياسية واضحة لإدارة دولة..
إذن مصر في حاجة لنخب جديدة، شرطها الفهم والتعبير عن مكونات "مستودع الهوية" المصري، وأزمته التاريخية المتمثلة في منظومة قيم "التكيف" نتيجة لعقود الاحتلال والقهر الطويل عبر التاريخ، تستطيع تفعيل مكونات "الحاضنة الجغرافية" المصرية وبث الحياة فيها، بقيم تعتمد على العدل وإعادة توظيف روح "المخزون الحضاري"، ومواجهة "السلب الوجودي" الذي تعرض له المصريون عبر تاريخهم الطويل..
أو بلغة خطاب أكثر بساطة الآن؛ مصر في حاجة لنخب جديدة تتجاوز الصراع التاريخي ونخبه بين قلب دولة ما بعد الاستقلال العسكري، وبين اليمين واليسار، تتسم تلك النخب بالصفاء الذهني والثقافة المتكاملة والخبرة السياسية الكافية، لتنتج مشروعا سياسيا يحمل البلاد للمستقبل.
من اشتراطات هذا المشروع؛ وجود أفكار فلسفية وفكرية كبري تتسق مع الحالة المصرية، مثل الانطلاق من الظرفية التاريخية الآنية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، الفهم لطبيعة الشعب المصري التاريخية ورغبته في التحرر الذاتي من قيم "التكيف" والقهر، تفعيل دور مصر التاريخي في حاضنتها الجغرافية الأوسع بالمنطقة العربية، شق معادلة طويلة الآجل للتدافع الحضاري مع المشروع الصهيوني وسبل استعادة المبادرة الحضارية منه، تجاوز وتقدير الدور التاريخي لدولة ما بعد الاستقلال، تجاوز سياقات وتدافعات الماضي بين اليمين واليسار المصري.
ثم سيكون هناك تمثلات سياسية وحزبية لهذا المشروع المصري الجديد، عليها أن تختبر نفسها عن طريق الفرز والتجربة والخطأ، لتطور لنا عقائد سياسية جديدة خاصة بها لكنها ستكون هذه المرة منتج ذاتي التصنيع، يمكن للماكينة التي أنتجته أن تتفهم دوره التاريخي وبالتالي في مرحلة ما يمكنها أن تتجاوز هذه العقائد، وتنسلخ عنها إذا تجاوزها ظرف تاريخي ما..
وهذا هو ملخص أزمة خطاب الأيديولوحيا المصري (وتمثلاته الأدبية والأكاديمية والثقافية أيضا)! أن كتالوج أو "كتاب الإرشادات" الخاص بتصنيعه لم يتضمن دورة حياة، لم يمنحهم سر الصنعة، لم يخبرهم بالهدف والغرض من المنتج ومدى صلاحيته، ومناسبته للظرف أو للمستهلك الخاص به.