الإنتخابات الرئاسية في تونس: تطلعات الشعب المكلوم إلى إرساء دولة القانون

إيمان بوقردغة
2019 / 9 / 18

تأسّس مفهوم الديمقراطية من لبنات البناء الفكري للنظريات الديمقراطية التي شادها المنظرون الديمقراطيون لرَقْش معالم السياسة المعاصرة وترتيبا على ذلك فإن نبذ مصطلح "الديمقراطية" ليس واقعيا ولا مأمولا. فهو أمر غير واقعي من ناحية لأن الديمقراطية أصبحت شكلا من أشكال الحكم الواسعة الإنتشار و المرتقَبة مواكبةً للتطور السريع والتعقيد الذي يتسم به المجتمع الحديث. كما أنه أمر غير مأمول من ناحية ثانية لأن المعنى الأساسي للديمقراطية ينخرط في مفهوم الطموح للعيش المشترك في مجتمع يحترم مبادئ المساواة بين المواطنين وحقهم في تقرير مصيرهم السياسي ويظل المعنى الأساسي "للديمقراطية" هو حكم الشعب خاصة وأن المجتمعات السياسية اتّصفت بسيطرة الأقلية على الموارد الاقتصادية مما يجعلها قادرة على الهيمنة على عملية صنع القرار السياسي.
فصار انتخاب نموذج ديمقراطي في الحياة السياسية المعاصرة أمرا لاَ مُمَاحَكَةَ ولا مشاحّة فيه. و يشير "نموذج الديمقراطية" إلى "بناء نظري يهدف إلى كشف وتفسير العناصر الرئيسية لشكل ديمقراطي وهيكله الأساسي للعلاقات" وهذا يعني أن النموذج الديمقراطي يشتمل على عدة عناصر وهي ما يترتب على مفهوم "الديمقراطية"من آثار و"البنية الأساسية للعلاقات" والظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المحيطة التي تدعم بناء المثل الديمقراطية فتوجّب السير إلى المسالك البحثية من منازل النفس للوصول إلى أفق الحق المبين تحقيقا بالبراهين لا أخذا بالظن لنتبيّن أن الديمقراطية تعبر عن المبادئ والمثل العليا أي المبادئ التي يرغب المؤمنون بالديمقراطية في أن يعبروا عنها عمليا في شكل قوانين ومؤسسات المجتمع؛ والمثل العليا هي التي توفر أهدافا ينبغي أن يطمح إليها الإنسان استكمالا للنفس البشرية بمعرفة الحقائق للوقوف عند مصب عرج التقدم ليرفل الوطن بأبراد نور الرقي في عالم اليوم المعولم.
ويُلمع مفهوم الديمقراطية تتمّة للمثل العليا إلى النظام السياسي و المؤسسات.ولذلك ينبغي أن يكون التركيز أولا على توضيح المبادئ الأساسية للديمقراطية، ثم تكييف الديمقراطية مع السياقات المختلفة والمتغيرة. وبعبارة أخرى، ينبغي للمنظرين الديمقراطيين أن يواصلوا ابتكار"طرق جديدة لضمان وصول المواطنين وممثليهم إلى جميع أنواع المؤسسات على قدم المساواة والانفتاح.
وعلى جدّ آخر فإن أحد الجوانب الرئيسية للثقافة الديمقراطية هو مفهوم المعارضة
ويعني المصطلح في جوهره أن جميع الأطراف و الأطياف السياسية في الديمقراطية تشترك في التزام مشترك بقيمها الأساسية بمعنى أنه قد يختلف المتنافسون لكن يتوجّب انتقاش النفوس بنقوش التسامح لتحرير الكلام في المصلحة الوطنية السامقة و المجادلة في تحصيل المرام من العمل السياسي وهو بناء دولة القانون
وحتى نفيض في المقصود مستعينين بالحق المعبود فإنه يجب الإعتراف بالدور الشرعي والمهم الذي يقوم به كل طيف سياسي ما لم يكن مورّطا في أعمال إرهابية أو إجرامية لأن دولة القانون لا تتأسس بأي حال من الأحوال على خرق القانون وعلى ضفة أخرى فإن تكافؤ الفرص السياسية أمام الجميع ورفض الامتيازات السياسية والنخبوية و الطبقية الموروثة يعد لمعة من لمعات نور المجتمع الديمقراطي وجلوة من جلوات الإنسانية المشتركة التي تفرض المشاركة في نفس المقياس المعنوي و الجوهري ومن ثم، ينبغي أن تتاح أمام جميع المواطنين فرص المشاركة في الحياة العامة
وإن الحديث عن حكم القانون في الدولة هو الحكم الذي يعمل على أساس قواعد السلوك العادلة والمنصفة التي سبق سنها فتكون سيادة القانون هي التي سيتم تكريسها ، بشكل لا لبس فيه لصالح كل مواطن في الدولة " فإن سيادة القانون ليست مجرد خيال ولا وجهة نظر للعقل. من الواضح أن حكم القانون يقوم على ثقافة الاحتفال بالقيم الجوهرية للمواطنين والمشاركة وليس الإقصاء الذي يستلزم الكثير من المشاعر والتمييز الأعمى".
وإن سيادة القانون تعبّر عن الدولة الخاضعة للقانون ، أي التي تخضع في عملها إلى قواعد القانون التي تنتجها. "فتنتمي القوة المعيارية إلى الدولة التي ، في الديمقراطية ، تحد من نفسها لأن دورها هو في نفس الوقت "إنشاء قانون"
ومن ناحية ثانية فإن سيادة القانون هي وضع قانوني يخضع فيه الجميع لاحترام القانون ، من الفرد إلى السلطة العامة و ترتبط ارتباطًا وثيقًا باحترام التسلسل الهرمي للقواعد القانونية والفصل بين السلطات والحقوق الأساسية.
وحكم القانون هو الذي يلتزم فيه الممثلون السياسيون المنتخبون في الديمقراطية بالقانون الذي تم سنه. وفي الواقع ، فإن الدولة التي تحترم سيادة القانون هي "دولة يتم فيها ترتيب القواعد القانونية بحيث تكون سلطتها محدودة".
وفي الأساس ، تعني سيادة القانون أنه يتعين على السلطات العامة أداء واجباتها وفقًا للمبادئ التوجيهية من خلال مجموعة من القواعد القانونية. وبالتالي ، فإن سيادة القانون تستند إلى شروط متكافئة بشكل أساسي. ويمكن أيضًا تلخيص حكم القانون على النحو التالي: "لا يوجد أحد فوق القانون". وبشكل أعم ، يجمع هذا الأمر مجموعة من القواعد القانونية التي تحمي المواطنين من الأشكال التعسفية للسلطة (التنفيذية). من أجل تكريس سيادة القانون ، ويجب أن تكون الالتزامات الناشئة عن الدولة رسمية وغير شخصية وضرورية ويعاقب عليها. وبعبارة أخرى ، يجب أن تكون القوانين معروفة ، ولا يمكن لأحد أن يفلت منها ، بل يجب أن تطبق حقًا ، ويجب أن يؤدي انتهاك القانون إلى فرض عقوبات.
ويبدو أن هذه الرغبة في إرساء دولة القانون التي يتشوّف إليها الشعب التونسي بعد أن اصطلى بشواظ جمرات دولة الإرهاب والمافيا التي تأسست على أنقاض "الإنتفاضة الشعبية" هي التي مثلت محركا ديناميكيا لتوجّهه مبدئيا نحو انتخاب رجل قانون "فأهل مكة أدرى بشعابها"
وتكريس سيادة القانون هو مطلب أساسي للمجتمع الديمقراطي المستقرفالتركيز على سيادة القانون كجزء من المبادرات الإنمائية ينبع من اعتقاد واسع النطاق بأن سيادة القانون شرط مسبق للتنمية الاقتصادية.