لعنة الاستيراد

سعيد عيسى
2019 / 9 / 16

تعاني البلدان الضعيفة التصنيع من نزيفٍ دائم ومستمر في مواردها من العملات الصعبة، أو من عجزٍ متنامٍ في ميزانها التجاري، إذ تستحوذ الصادرات على كمّ كبير من عملاتها الصّعبة، نتيجة الحاجة إلى سدّ ثغرات الطّلب على المنتوجات المصنّعة خارجها، وهي (أي البلدان) في غالب الأوقات بلدان مستوردة ومستهلكة، أكثر منها بلدان منتجة ومصدّرة.
كما تعاني البلدان المذكورة من أزمة مديونيّة عالية، وتنوء تحت أثقالها، وتخضع في الوقت عينه، لإملاءات ووصفات مؤسّسات الإنقاذ العالميّة، مثل البنك الدوليّ، وصندوق النّقد الدولي، الداعيان لتحرير الاقتصاد، وتركه يدير نفسه بنفسه، بناء على محدّدات السوق، وقاعدة العرض والطّلب، دون تدخّل من الدول المنكوبة.
تلجأ الدول لحلّ النكبات التي أوقعت نفسها فيها، عن وعيٍ منها، أو لا وعي، إلى استيفاء رسوم جمركيّة، أو فرض ضرائب مباشرة أو غير مباشرة على الاستيراد، معلّلة النّفس بانّ الاستيراد يجلب لها المنفعة، تحت مسمّى إيرادات للخزينة، وأنّه كلما ارتفعت المستوردات، ارتفعت معها الضريبة، وبالتالي الإيرادات، وهذه جلّها منفعة (من وجهة نظرها)، ما يحول دون انتباهها إلا متأخّرة، على تنامي تراجع حيازتها من العملة الصّعبة، التي سرعان من تنفلت أسعارها من عقالها، راخيةً أحمالها على السكّان، فيستعر الأنين متبوعًا بالاضطرابات على أنواعها وأشكالها.
يقع اليوم على عاتق الدول المصابة بلعنة الاستيراد والريوع، أن تعود إلى عقالها، تشجّع الزراعة والصناعة المحليّتين، فتسندهما، وتنمّيهما، وتعينهما على فتح الأسواق الخارجيّة امامهما، وجذب الاستثمارات الخارجيّة إليهما، لأنّ في ذلك حلّ للعنة الاستيراد، ولعجز الموازين التجاريّة، وللعملة الصّعبة المستَنفذة، والأهمّ من ذلك كلّه، حلّ لآزمة التشغيل والبطالة.
إنّ لعنة الاستيراد التي حطّت رحالها في البلدان التي لم تسعَ يوما إلى تشجيع التصنيع بمعناه الواسع، واكتفت منه بالقليل، لا بل بأقلّ القليل، وعظّمت من التجارة والخدمات والريوع، على حساب التصنيع، لا بدّ لها من ان تدفّع شعوبها أثمانًا باهظة، أقلّها الفقر والتهميش والجهالة وسوء المصير، فهل حان الوقت للإقلاع عن تلك البدَع؟