حوار مع زيغموند باومان حول دور وأهمية المواقع الاجتماعية

خالد الصلعي
2019 / 9 / 14

العالم المعاصر أصبح أكثر تعقيدا بالنسبة لجميع علماء العلوم الانسانية ، من علماء النفس الى علماء الاجتماع ، وبينهما اختصاصيو وسائل التواصل الاجتماعي الذي أصبح يشكل نمطا حياتيا معاصرا لا يمكن التغافل عنه ، بل ان تاثيراته أصبحت تشكل أهم تأثيرات العالم الجديد .
فلربما كان باومان يصدر عن نزعة أخلاقية مسيحية ، تؤمن بالفضيلة كأفق انساني منشود ، وهو يشير الى أن عالم الانترنيت مجرد فخ ، يسعد الانسان في الوقوع به . وهذا ما قد يوافقه عليه كثير . لكن دعونا نختبر الأمر من وجهة نظر المقموعين والمهمشين والمقصيين في عالم متخلف كعالمنا العربي ، او كبلد يشبه المغرب .
ربما كان باومان يجهل مثلا قضية هاجر الريسوني ، وربما كان يجهل ثورات الربيع العربي عموما . وربما كان يجهل وضعية كاتب وفنان عانى من القمع والحجب ما لم يعانه كاتب وفنان آخر ، وصيغة المفرد لا تنفي صيغة الجمع.
هذه الوقائع البسيطة يمكن أن تسلط الضوء على الطيقة أو الجهة التي لم ينظر منها مفكر بقامة زيغموند باومان .
اذا كان باومان قد ركز على الفيسبوك كموقع تواصل رائد ومؤثر وذي أرباح فلكية جد عالية ، واعتبره مرآة تنعكس بها صفحات الوجوه وتتردد به أصداء ما تود النفس سماعه . فان هذا لايلغي الحجم الكبير من المرضى الذين يلجون موقع التواصل "فيسبوك" باسماء مستعارة وبصور غير صوررهم الشخصية . وذلك الجيش الهائل من التافهين الذين يقضون به ساعاتهم من اجل الهروب فقط من واقع محبط وفاشل . بل ان منهم من ينخرط في سلوكات مرضية خطيرة تهلك مستقبلهم وحياتهم .
في حين نجد عددا هائلا استطاعوا ان ياخذوا موقعهم ضمن نخبة المجتمع من خلال الفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى ، ما كانوا ليحظوا بهذه المواقع دونها. ومنهم من ياخذ العلم والمعرفة دون تكلف ، بل وبتوسع كبير . وهو الى ذلك نوع من الترويح عن النفس ، وفضاء للتعارف لا يتيحه الواقع الحقيقي . فالانسان كتوم بطبعه امام الأشخاص الحقيقيين ، لكنه يجد فسحة للتعبير عن نفسه وهو مختبئ وراء شاشة الكامبيوتر . من هنا يمكن أن يتحول الموقع الاجتماعي الى اداة استشفاء .
ان دراسة أثر المواقع الاجتماعية ، لم يدرس في الحقيقة بشكل واف ومتسع ومتشعب . فالواقع الافتراضي أصبح يشكل واقعا موازيا للواقع الحقيقي . وهو بذلك يفرض نفسه على الباحثين المهتمين باعطائه نفس القدر من الأهمية . مع علمنا البالغ أن جهات متعددة ومنها الاستخبارات العالمية تشتغل عليه وتتوكأ عليه وتعتمد عليه أكثر من اعتمادها على الواقع ، كما أن مؤسسات كبرى تربح منه ، كما حدث مع شركة كامبردج أناليتيكا .
قد تتدخل مواقع التواصل الاجتماعي في خصوصيتنا . لكنني شخصيا لست من أنصار التعميم . ولربما يوافقني في ذلك زيغموند باومان نفسه . ذلك لأني أكشف مثلا ما أود الكشف عنه . فممارستي الطويلة في هذا العالم علمتني الكثير ، ولست من مناصري "المؤامرة " ، لأننا في الحقيقة في صراع وجودي وأزلي من أجل اثبات الذات والتفوق ، لكن هناك طرق عديدة لاثبات الذات وللتفوق . ثم ان الوعي بالشيئ تجاوز له . وبفضل التجاوز يتحقق الانتصار على الذات نفسها وليس على الآخر فقط .
ومن قال أننا نظهر نفسنا بّأليق صورة ، تلك عادة الشكلانيين والنرجسيين . شخصيا أفضل اظهار نفسي في صورة مختلفة عما أنا عليه في الجوهر والحقيقة . وهنا أختلف جذريا مع زيغموند باومان ، فلا نرجسية تقودني نحو المشاركة في المواقع الاجتماعية ولا حب الظهور . بل هو نزعة أخرى تماما . وأعرف الكثير من الأصدقاء الذين لا يحتفون كثيرا بصورهم ، ويكتبون عكس ما يسرون ويريدون . انه عالم آخر ، احتفالية باذخة باقنعة جد متخفية .
طبعا هي ثقافة سائلة ، وهذا يدخل في المنظور العام المتحكم في منهج باومان المعرفي . وهي حقيقة تحسب له ، فقد كشف بنفاذ عن حقيقة ما كشفه مثلا ألتوسير عن تحريفية انجلز لماركس ، او ما أثاره نيتشه من غبار حول الثقافة المسحية المدججة بالنفاق والدجل ، وهو ما عشناه نحن أيضا في ثقافتنا الاسلامية من ازدواجية المعايير والتحريف العظيم لمبادي الاسلام الصحيح وقيمه الانسانية العالية .
ربما كنا ندور هنا حول مأزق المعرفة ككل . لكن ضمن هذا الدوران يمكن احداث طفرات ابستيمية كما انتبه الى ذلك جاستون باشلار ذات زمن .