عامل القوة في العلاقات الدولية

مروان هائل عبدالمولى
2019 / 9 / 11


شهد القرن العشرين حربين عالميتين دمويتين غيرت جذريا ميزان القوى العالمية على الصعيدين العسكري والسياسي في ذلك الوقت وإلى اندلاع حرب باردة (1946-1989) و تقسيم العالم إلى نظامين اجتماعيين سياسيين متعارضين ، أي قيام نظام عالمي جيوسياسي جديد - العالم الثنائي القطب، كما أن بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حدثت تغييرات كبيرة في نظام العلاقات الدولية ، كان أهمها إنشاء منظمة الأمم المتحدة ، التي كان أحد أهدافها الرئيسية الحفاظ على السلام والأمن الدوليين على وجه الخصوص من خلال اتخاذ تدابير جماعية فعالة لمنع وإزالة التهديدات التي يتعرض لها السلام والتصدي لأعمال العدوان أو غيرها من الانتهاكات في العالم.

حدد ميثاق الأمم المتحدة المبادئ الأساسية للقانون الدولي وأهمها مبادئ عدم استخدام القوة وحرمة الحدود والسلامة الإقليمية و تنظم مبادئ القانون الدولي أهم جوانب العلاقات والقوانين الدولية ، التي تمثل المعايير الأساسية المعترف بها عالميًا والتي تتمتع بأعلى قوة قانونية وهي عالمية بطبيعته ، ولكن انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة ادى إلى تغيير كبير حتى في ميزان قوى العلاقات الدولية و مالت الكفة بعد ذلك إلى حل القضايا المثيرة للجدل من خلال استخدام القوة وهذا كان مؤشر للحديث عن ضعف تأثير القانون في العلاقات الدولية.
ينص الإعلان بشأن مبادئ القانون الدولي فيما يتعلق بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقًا لميثاق الأمم المتحدة ، على أن كل دولة ملزمة بالامتناع في علاقاتها الدولية عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية و إن مثل هذا التهديد باستخدام القوة أو استخدامها يمثل انتهاكًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ولا ينبغي أبدا استخدامها كوسيلة لحل المشاكل الدولية ، كما أن مبدأ حظر استخدام القوة يعني فرض حظر على أعمال العنف ضد الأشخاص الذين يكافحون من أجل التحرر من القمع الاستعماري ، من وجهة النظر هذه ، فإن أتباع نهج لحركات التحرير الوطنية أمر مثير للاهتمام ، ففي السابق كانت هذه النزاعات تعتبر محلية وتغير الوضع مع اعتماد البروتوكول الإضافي رقم 1 لعام 1977 لاتفاقيات جنيف لعام 1949 ، إذ مدد البروتوكول أحكام الاتفاقية ليشمل النزاعات المسلحة التي تحارب فيها الشعوب السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية في ممارسة حقها في تقرير المصير ، المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة وفي إعلان مبادئ القانون الدولي بشأن العلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة.
في القرن الماضي كانت الحروب ضد الحكم الاستعماري سمة من سمات فترة ما بعد الحرب لإنهاء الاستعمار وشنتها شعوب المستعمرات ضد الدول الحضرية ، كان حق الشعوب في تقرير المصير في شكل إنشاء دول مستقلة ينطبق على الأراضي الاستعمارية ، كما أن إعلان هذا الحق موجهًا في المقام الأول ضد الاستعمار وكان يهدف إلى تحرير المستعمرات من الاضطهاد الأجنبي. مع ضمان الحق في تقرير المصير .
إن تشكيل نظام حديث للعلاقات الدولية ، على الرغم من تعدد الاتجاهات العالمية لا يعني بأي حال من الأحوال الدخول النهائي لاستقرار السياسة العالمية ، فقد ظهرت قوى واتجاهات جديدة مزعزعة للاستقرار ، نشأت صراعات "الجيل الجديد" القديمة وأصبحت هذه التهديدات الكلاسيكية للأمن الدولي تهديدات جديدة في سياق العولمة أجبرت العالم والقانون الدولي إلى إجازة استخدام القوة ، لكن في الوقت نفسه لا يمكن التنبؤ بنتيجة استخدام "القوة " ولا تؤدي دائمًا إلى النتائج المتوقعة ، وربما هذا هو السبب في أن السياسة العالمية الحديثة تعمل بشكل متزايد على تأسيس اتجاه لصالح "القوة الناعمة" ، والتي تُعرَّف بأنها قدرة الدولة (الاتحاد ، التحالف) على تحقيق النتائج المرجوة في الشؤون الدولية من خلال الإقناع بدلاً من القوة عن طريق حث الآخرين على إتباع بعض قواعد سلوك الدولي في الساحة العالمية ، التي تقود إلى تحقيق النتيجة المرجوة تقريبًا دون إكراه او استخدام للقوة .