ماعت التي ما ماعت ... في صالوني

فاطمة ناعوت
2019 / 9 / 11


قُبيل صالون أغسطس، وكان يتحدث عن (الأخلاق)، نشرتُ على صفحتي صورة "ماعت" وكتبتُ تحتها "دستور أمي ماعِت". فوجدتُ من يسألني من القراء.
- من صاحبة الصورة؟ وكيف ماعت أمك؟
- البوست واضح وشارح يا عزيزي. اقرأ قليلا في "المصريات"، علم أجدادك.
- يا أستاذة أنا أعرف إن (ماعت) يعنى (انحرفت)….
هكذا قرأ السائلُ (الاسمَ) (فعلا): (ماع يميع ميوعةً، فهو مائع). والمعنى المعجمي الفيزيائي هو: ( تحويل الجامد إلى سائل)، والمعنى الاصطلاحي الشعبي معروف في الدارجة المصرية. وكان السائلُ يريد أن يعرف كيف (ماعت أمي)!
ولم أدرِ هل أضحك من التباس الاسم مع فعل، أم أحزن على جهل رجل بتاريخ بلاده، أم أغضب للتطاول على أمي. كظمتُ غيظي وأجبتُه.
- لا يا عزيزي. "ماعِت": اسم، عَلَم، وليست الفعل الماضي: "ماعَت". وهي ربّة العدالة في الميثولوجيا المصرية. وهي المحفورة على كل محاكم العالم معصوبة العينين تحمل ميزانها وتقفُ في سموّ وحزم، كنايةً عن (العدل المرجو). ماعِت جدتك وجدتي؛ إن كنت مصريا مثلي.
- أشكرك جدًا على الرد يا أستاذة. أنا عمري 26 سنة. وأول مرة أسمع الكلام ده. ياريت لو مفهاش تعب تتكلمي أكثر عن الموضوع ده لأني حابب أعرفه جدا.
هنا تذكّرتُ حكمة الشاعر الإغريقي سيمونيدس حين قال في مرثيات ذكرى المحاربين اليونانيين الذين سقطوا في معركة ثرموبيلاي: (هزمناهم، ليس حين غزَوناهم، بل حين أنسيناهم تاريخَهم.)
الفصل 125 من (كتاب الخروج إلى النهار)، الشهير بـ (كتاب الموتى)، وهو أقدم كتاب في التاريخ، ويضمُّ مجموعة من الوثائق الدينية والنصوص الجنائزية لتكون دليلاً للميت في رحلته إلى العالم الآخر، ولا تزال نسخة منه محفوظة في المتحف البريطاني، ذكر "ماعت" ربَّةُ الحقيقة والعدالة والنظام والانسجام في الكون. وكانت على هيئة امرأة جميلة تضعُ ريشة على رأسها: ريشة الضمير. يقفُ المتوفّى يُقرُّ باثنين وأربعين اعترافًا إيجابيًّا: (كنتُ - فعلتُ)، واثنين وأربعين اعترافًا سلبيًّا: (لم أكن - لم أفعل). نبدأ بالسلبي:

1. لم اقتل، ولم أُحرّض أيَّ أحدٍ على القتل.
2. لم أرتكب خطيئتيْ الزنا أو الاغتصاب.
3. لم أنتقم لنفسي.
4. لم أتسبب في الإرهاب.
5. لم اعتدِ على أي إنسان، ولا كنتُ سببًا في ألم إنسان.
6. لم أكن سببًا في بؤس إنسان أو شقائه.
7. لم أتسبّب في عذاب حيوان، ولا في شقاء نبات بأن نسيت أن أسقيه.
8. لم أتسبب في دموع إنسان.
9. لم أظلم ولم أضمر نيةً في أي شر.
10. لم أسرق.
11. لم آخذ من بلادي أكثر من حصتى العادلة في الطعام.
12. لم أُتلِف المحاصيل والحقول، ولم أقطع الأشجار.
13. لم أحرم إنسانًا من حقّ له.
14. لم استدعِ شاهد زور، ولم أتوسّل ادعاءات كاذبة.
15. لم أكذب، ولم أجرح شخص آخر بالكلمات.
16. لم أستخدم الكلمات الحماسية من أجل إثارة الصراعات.
17. لم أتحدث بمكر، ولا تصرفت على نحو مخادع من أجل إيذاء الآخرين.
18. لم أتكلم بازدراء عن أحد.
19. لم أتنصّت على أي إنسان.
20. لم أتجاهل الحقيقة ولم أجاوز الصواب في كلامي.
21. لم أحكم على أي إنسان في تعجّل أو بقسوة.
22. لم أدنّس الأماكن المقدسة.
23. لم أكن سببًا فى أي خطأ يتعيّن إصلاحُه جهدُ عمّال أو سجناء.
24. لم أغضب دون سبب وجيه للغضب.
25. أنا لم أعرقل تدفق المياه الجارية في النهر.
26. أنا لم أهدر المياه الجارية.
27. لم ألوّث مياه النهر أو تراب الأرض.
28. لم اتخذ اسم الله هزوًا.
29. لم احتقر الآلهة ولا اغضبتُها.
30. لم أسرق من الله.
31. لم أُمنح عطايا أكثر ولا أقل مما هو مُستحق لي.
32. لم أطمع في ممتلكات جاري.
33. لم اسرق من الموتى ولم أزدرهم .
34. لم أنس ولم أغفل عما هو مشار إليه في الأيام المقدسة.
35. لم أمنع القرابين الموجهة إلى الآلهة.
36. لم أتدخل في الشعائر المقدسة.
37. لم أذبح بقصد الشر ولم أعذّب أي حيوان.
38. لم أتصرف بمكر أو وقاحة.
39. لم أكن فخورًا أو مغرورًا على نحو لا يليق، ولا تصرفت بغطرسة.
40. لم أُضخّم نفسي.
41. لم أُخلّ بالتزاماتي اليومية.
42. أطعتُ القانون ولم أرتكب الخيانة.
في مقال (الخميس القادم)، نتكلم عن (الاعترافات الإيجابية) ولماذا عددها 42 أيضًا، ونتحدث عن (كا)، و(با) في أدبيات أجدادنا المصريين: السلف الصالح. "الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن”.
***