من الأدب الأمريكى المعاصر

أبوالحسن محمد على
2019 / 9 / 11

الخال جيم اتصل
دافيد رابى
ترجمة /أبوالحسن محمد على
يوم الخميس الماضى منذ اسبوع اتصل خالى جيم و عندما التقطت السماعة و قلت "مرحبا " رد قائلا "مرحبا" و رغم ان الصوت قد كان مألوفا بالنسبة لى الا اننى لم أعرف من المتحدث فقلت " من المتحدث؟"
فجاء الرد"جيم " " خالك جيم"
فقلت فى دهشة شديدة " ماذا؟" فقد كنت اظن ان خالى جيم قد وافته المنية فقلت وقد أصبح لدى رغبة حقيقية فى معرفة من المتحدث " من معى على الهاتف؟"
" لقد أخبرتك توا اننى جيم . أنا هنا مع هانك. هل والدتك بالبيت؟"
"لا" . بحسب علمى فان خالى جيم توفى منذ سنوات.
أما "هانك" الذى أشار اليه تواً فانه على الأرجح أخوه الأكبر و أمى هى أختهم "مارجى" والموضوع – بل الموضوع المحير فى ذلك هو انهم بحسب علمى جميعا موتى. فقلت متسائلا " هل هذه مزحة ما؟"
فقال" نحن لا نمزح؟"
" اسمع. لقد كنت منهمك فى القيام بشئ ما هنا ."
"آه حقا؟ ماذا كنت تفعل؟"
" طيب. كنت أطهو العشاء."
" ماذا ؟ أتراه قد حان الان وقت العشاء؟"
"بلى"
" ماذا تطهو؟"
"تقلية صينية. خضروات مقلية فى قدر الطهى الصينى"
"لطالما كنت مشغولا عنا . ألم يكن هذا دائما ديدنك؟
كان هذا صوتاً جديداً . صوتاً مختلف. "هانك؟"
"بلى"
" لست واثق من اننى أفهم ما تقصده بقولك هذا"
"بل أنت تفهم ما اقصده تماما"
و قد كان على حق فقد كنت أفهم ما يرمى اليه.
"على كل حال يا جلين " قال خالى جيم عائدا للكلام مرة أخرى و ناطقا باسمى و كأنما هو كوة تنفذ الى عيوب لا حصر لها فى دخيلة نفسى . و كأنه يكشف عن جوهر ضعفى و فظاظتى , و كأنما هو اسم أحمق
تخيلتهما فى مكان ما يناول كل منهما التليفون للأخر .
"حسنا يا جلين لقد كنا نأمل أن نستطيع محادثةمارجى لو لم يكن فى الأمر عناء"
فقلت " اسمعا . لا أعرف ماذا تحسبان أنكما فاعلين و لكن ----"
" لقد أخبرتك توا يا جلين . نحن نبحث عن مارجى هذا هو ما نفعله"
" توقفا عن قول هذا فقط توقفا."
" نتوقف عن قول ماذا ؟ أين مارجى؟"
" لا . اسمى . توقفا عن قول اسمى بهذه الطريقة."
"اية طريقة؟"
" الطريقة التى تقولانه بها."
" يبدو انه لا يعجبك هاه"
"لا لا يعجبنى"
" لاتعجبك طريقة لفظه"
" قلت لا يعجبنى فحسب"
"أم ترانا نحن الذين لا نعجبك ؟
" نحن لحمك و دمك . عصبك و ذوى رحمك."
" اذاً لماذا لا تريدنا أن نجد مارجى ؟"
" أنها أختنا."
"أنها متوفاة جميعكم موتى"
" و ليكن؟"
بدا أنهما يعرفان شيئاً لا أعرفه و أن هناك خطأ ما يكمن فيم قلته فقلت متسائلاً " أين أنتما؟
" ماذا"
"أين أنتما؟"
" لماذا؟"
فقلت" أريد أن أعرف فحسب"
" انه يريد ان يعرف أين نحن" قال أحدهما الذى أعتقد أنه جيم للاّخر الذى أعتقد انه هانك رغم ان الامر لا يستبعد ان يكون العكس أياً يكن المتحدث منهما فان نقله السؤال للاخر جعل كلاهما يستغرقان فى الضحك حيث انهما وجدا الامر طريف للغاية .
نظرت من النافذة و أنا أكاد أتوقع رؤيتهما يجوسان فى الشارع يتنسمان هواء شهر أكتوبر. كان الضباب على وشك التكاثف و التحول الى جليد و كأنه يلوح تحت وطأة تيارات الهواء المتقاطعة.
كانت الأنوار المصطفة تحدد كنه المبانى و كانت ليلة حالكة مدلهمة تكاد تطمس نجومهاالتى التمعت فى وهن و كأنها فلول شئ ما .
لم يكن الأمر أننى لم أتفهم غرابة مكالمتهم و أنا اسير فى البهو المؤدى الى المطبخ . بل اننى كنت اتفهمها . انما لم اكن اعرف ماذا ينبغى على أن افعل حيالها أو كيف أفكر فيها. كما أننى كنت أتضور جوعا و نفسى تتوق لتناول الخضروات التى كنت تركتها على الموقد غارقة فى قدر من الزيت و أنا فى منتصف طريقى فى البهو توجست ألا أكون قد أطفأت النار تحت القدر التى على الموقد عندما ذهبت الى الحمام ثم ما لبثت ان انشغلت بمكالمة أخوالى و لكن عندما وصلت وجدت النار مطفأة و المطبخ آمن.

فى تلك اللليلة رأيتهما فى التلفاز حيث أننى كنت ساهراً مسهدا ًوحدى حيث أن زوجتى و ابنتى كانتا قد ذهبتا الى كاليفورنيا للاحتفال بعيد ميلاد حماتى. كنت اجلس و الى جوارى زجاجة سكوتش وكأس اصب فيه من الزجاجة و أرتشف و أنا أقلب بين القنوات. لم أكن أعرف عماذا أبحث لأننى دائما ما لا اعرف عن ماذا ابحث و إذا بى أفاجأ بهما . لقد مرت صورتهما بسرعة و أنا أقلب القناة فعدت اليهما مجدداً. كانايجلسان الى طاولة المطبخ و معهما فنجانى قهوة و قد مالا الى بعضهما البعض و أقعيا و بدا عليهما الجد و الاستغراق فيما يتحدثان فيه . كان صوتهما منخفض و تعذر على تتبعه فحبست انفاسى محاولًا الاصغاء و لكن دون جدوى حيث أننى لم أستطع أن أفهم كلمة او بالاحرى لم افهم إلا كلمات متناثرة هنا و هناك راوغنى الحصول منها على أى معنى كانت هيئة جلوسهما تدل عللى أنهما يناقشان أمرا جلل كانت تساورنى فيه الشكوك فاقتربت اكثر من جهاز التلفاز و أملت نفسى ووضعت جسدى فى وضع يسمح لى بأن أضع أذنى على سماعة التلفاز و لكن كل ذلك لم يؤدى الى اى تحسن فى جودة الصوت.
كان من الواضح أنه يجب على رفع صوت التلفاز لأسمعهما و لكن هذا الخيار كان ينطوى على ما يقلقنى حيث انه كان سيبدو بمثابة تنبيه لهما بتنصتى عليهما و هما يجلسان خلسة فضغطت برفق على السهم الصغير الذى على جهاز التحكم عن بعد و لكن ما نتج عن هذا الاجراء لم يكن إلا همهمة زادت صوتيهما ابهاماً كان الامر و كأنهما يجلسان فى مكان الاشارة فيه ضعيفة و لا تكاد تصل الى وكانت جودة الصورة و كأننا فى أوائل عصر التلفاز حيث تبحث الاشارة عن الاريال المثبت فوق أسطح المنازل.

كان هانك و توم يجلسان فى مطبخ جدى و جدتى فأنا أعرف المكان تماما فكثيراً ما ذهبت الى هناك و جلست فى نفس تلك المقاعد أرقب شيئا ما أو أنتظر شيئا ما لربما كانت جدتى تطهو أو أمى و جدتى كانتا تتجاذبان أطراف الحديث أثناء الطهى . كان هناك أوقات أجلس فيها إلى طاولة المطبخ بينما كان الكبار –جيم و هانك و أمى و أختهم أمبر و أبى ماتى و زوجتا جيم و هانك كايت و جايل و زوج أمبر الثانى هارولد و زوجها الأول آرنى _ يلعبون بأوراق اللعب على طاولة حجرة الطعام التى لم تكن تبعد الا ثلاثة أقدام عن المطبخ و التى كانت تبدو للناظر من باب المطبخ المفتوح و كانت الغرف صغيرة و الأسقف منخفضة و كل شئ يبدو صغير هناك كانت المنازل محشورة فى بعضها البعض فى عمارات صغيرة مربعة تحدها الشوارع الضيقة كما لو أنه لا توجد اميال من الأرض المكشوفة و الأرض الزراعية و الأرض التى تكسوها الأشجار من كل جانب
و أحيانا ما كانوا يلعبون البوكر و يتراهنون على عملات معدنية صغيرة يدفعون بها الى منتصف الطاولة فى المكان المخصص لتجميع النقود و كانوا يتحدثون الى أوراق اللعب يطلبون الجيد منها و تصدر عنهم أصوات مكتومة حينما يدير لهم الحظ ظهره فى حين تتعالى أصواتهم بالضجيج فى سعادة حينما يتبسم لهم الحظ و يقع من نصيبهم الأوراق الرابحة التى يبغون فيشعرون كانما البركة حلت عليهم أو كأنما شئ ما فى مكان ما يحدوهم بعنايته و هاهو لوهلة يريهم آية عنايته بهم .
و لكنهم لم يكونوا يفعلون ذلك الآن لم يكونوا يلعبون بأوراق اللعب . لم يكن هناك سوى جيم و هانك يجلسان الى بعضهما البعض و يتهامسان و كأنهما يتوجسان فى نفسيهما خيفة أن يظن أنهما يحيكان شيئا ما سواء اكانا حقا يفعلان ذلك أم لا . لذا كان عليهما الحيطة.
التشوش أو ما كان يشبه ندف الجليد تكاثف فى شاشة التلفاز ثم تبدد ثم ما لبثت أن رأيتهما بوضوح . جيم و هانك بوجهيهما المتميزان , وجهيهما اللذان ليس لهما مثيل ,وجهيهما اللذان يحملان نفس الملامح :ملامح الاخوة.ربما أنهما كانا قلقين على الأخرين أو ربما أنهما كانا يتساءلان أين ذهب الجميع :مارجى و ماتى و أمبر و آرنى و هارولد و كايت و جايل و معهم امهم و أبيهم ،جدى سام و جدتى دوروثى. أو لربما كان يساورهم القلق من أن يمسك بهم أحد فى هذا المنزل فيطردهم خارجه حيث أن هذا المنزل ملك شخص أخرالآن. انه ملك الغرباء الذين اشتروه فقد بيع المنزل منذ زمن طويل . تماما عقب وفاة جدتى حيث أن جدى توفى قبلها و قد كان ذلك قبل وفاة جيم و هانك نفسيهما بسنوات طويلة.
بدا من المهم أن اسمع ما يقولان . فجربت أن أعلى الصوت مرة أخرى متلمسا جهاز التحكم عن بعد خلسة بأصابع كالريشة و أناملى تربت على الجهاز فى وجل و رقة . أحد أخوالى كان يهز رأسه ولكن التشوش الذى كان فى التلفاز كان قد تكاثف فلم أعرف أيهما . ملامحهما كانت متباينة على ما فيها من تشابه و لكن تكاثف التشوش الذى كان قد أصبح كندف الثلج التى تزداد حجما و تتقاذف فى جميع الإتجاهات من أعلى و أسفل و يمنة و شمالا حجب رؤية كل شئ : الطاولة و النافذة و جيم و هانك أيضا و كأنما عاصفة ثلجية قد ابتلعت كل شئ بينما أصوات الهمهمة تصاعدت و ازدادت حدة و بدأت تصبح تهتهة كما فى الظاهرة العلمية المعروفة بتأثير دوبلر وما فتئت نبرة التردد تتعالى و خيل الى أننى سمعت كلمة ما إلا أننى لم أكن متيقن ثم مالبثت أن سمعتعها مرة أخرى . النبر الصوتى أفسح المجال لطنين متذبذب توقف ذلك الطنين للحظة سمعت خلالها عبارة " هو يراقبنا"
"كلا انه لا يراقبنا"
"بل أظن أنه يفعل ذلك"
"إنه لا يبالى كما أنه لايهتم . هو طوال حياته لم يهتم"
ما تلى ذلك كان فحيح لم يلبث أن تحول الى طنين احتوى صوتيهما و دمجهما و حورهما فبديا و كأنهما يصرخان. الشعور المفاجئ الذى انتابنى كان هائلا فى حجمه مشحونا بطاقة ألم جعلتنى أفصل التلفاز على الفور. لقد كانت ردة فعلى تلقائية فقد ألمنى ما ظننت أنهما قد قالاه لقد تصرفت باندفاع دونما تفكير و لو للحظة واحدة فيما كنت أقوم به. السكون بدا مفاجئا و صادما فقد كنت أجلس على الأريكة و شاشة التلفاز معتمة و هما قد ذهبا. كانت شقتى معتمة و كنت أسمع صوت الريح فى الخارج تعوى فى الدهاليز السامقة التى تكونت فى الطرقات من الأشكال الهندسية للمدينة التى كنت أعيش فيها.
و لخشيتى من ان أجد ان جيم و هانك قد انصرفا عندما اعيد تشغيل التلفاز فاننى مكثت فى الظلام لفترة طويلة متسائلا دون ان أجرؤ على اختبار صحة نظريتى و حيثما كنت أجلس كنت أستطيع أن أرى الباب المفضى الى شقتى والذى كان يليه ردهة صغيرة مستقيمة بها مقعد طويل من الحديد المطاوع ملاصق للحائط و مواجه لباب المصعد بحيث يستطيع المجهد أن يستريح عليه اثناء انتظار المصعد الذى يأتى محدثا صليلا و أنينا او ليتوقف قليلا ريثما يقرر ماذا يفعل بعد ذلك هل يوقظنى بطرق الباب أم برن الجرس. زوار جارى الذى يواجه باب شقته باب شقتى تماما لديهم نفس الخيارات. تخيلت جيم و هانك جالسان بالخارج على المقعد , كلاهما و سيم و أنيق , يحاولان تحديد خطوتهما التالية و يتساءلان إذا ما كنت سوف أسمح لهما بالدخول إذا ما طرقا الباب, إذا ما كنت سوف أسير إلى الباب و أدير المقبض و أشد الباب و أفتحه و أقف أمامهما. و عندما أعدت تشغيل التلفاز فإن ما ظهر فيه بدا عادى للغاية فقد ظهرت فيه سيدة ذات ابتسامة براقة و أسلوب جاد مثير جنسيا على نحو مبهم وهى تشير لخريطة لتوضح بها الأحوال الجوية وقد بدا عليها الإثارة. الصورة كانت واضحة إلا ان أحوال الطقس لم تكن مبشرة . كل كلماتها كانت واضحة جلية إلا أننى لم ألبث ان أغلقت التلفاز.

وأنا أرقد فى السرير تلك الليلة حاولت أن أتناسى ما حدث , فالأمر قد انتهى و لم يكن هناك ما يسعنى أن أفعله ولكن محاولة نسيان شيئا ما هو أمر عبثى لا طائل منه لأن نسيان ما تريد أن تنساه ينطوى على تذكره. شيش نافذة منزلى كان مفتوح وكان منه يطل البدر كبيرا مبثراً ساطعاً.إلا انه بدا ناقما ساخطا ينظر أسفله دون أن يبصر وقد تقطعت به السبل بشكل ما فى عليائه المعتمة حيث يلاقى احباطا من شئ لا يدرك كنهه و لكن ليس هناك بد من مماراته. كان شيئا يضغط عليه ضغطا محيرا و بشكل متواصل دون ان ئؤثر ذلك على ثباته أو على عناده المتعجرف الذى لا ينفذ الى غوره شئ
كان لدى احساس ان جيم و هانك كانا فى حانة فى مكان ما قريب لطالما كانا يحبان تناول الشراب و ظننت أنه ربما يجدر بى الذهاب للبحث عنهما فشكواهما منى كانت بشكل أو بآخر مألوفة بالنسبة لى بمعنى اننى كنت أدرك ماهيتها بمعنى أنه كان من السهل على تخمينها بنفس الطريقة التى يستطيع به الشخص أن يخمن بتيقن او بمعنى آخر ان يعرف بالبداهة أراء الآخرين فيه-اتجاهاتهم وانطباعاتهم – رغم أن هذه الأراء فى الأغلب الأعم تبقى طى الكتمان ولا يتم البوح بها إلا اذا خرج الشخص عن طوره و دخل فى مواجهة فجة . إن الأشخاص الأخرين الذين لديهم أراء مماثلة كتلك الاراء التى لدى جيم و هانك عنى قد يتحدثون إلى بعضهم البعض على انفراد فيقولون ملاحظات قد تؤكد ما يرونه من مثالب أو يتذكرون طرائف تدعم بشكل واضح رأيا يتعلق بنقيصة معينة.
رغم كل هذا لماذا اتصلا و ماذا أرادا . لقد كانا يبحثان عن مارجى ,أمى ,أختهما.ذلك كان هدفهما الظاهر وليس هناك سبب لأن لا أصدقهما . قد يكون من الغريب أنهم معا و لا يعرفان أين هى و لكن ليس من المستغرب قلقهما عليها أو بحثهما عنها . لقد كانوا مجموعة أشقاء شغوفين ببعضهم البعض ويربطهم معا اطار خيالى سامى يجيش بالمشاعر والتوقعات والاحباطات والتنافسات. و لكن لو أنهم جميعا موتى فلم هم ليس جميعا معا ؟ أو على الأقل يعرفون مكان بعضهم البعض؟ ذلك جعلنى أتوجس ولم تكن تلك الغرابة البادية هى الجانب الوحيد لهذه الليلة الذى جعلنى يصدر منى مثل هذه الاستجابة . بالطبع انا كنت على دراية ان هناك بواعث أدعى للقلق ,بواعث منافية للعقل لا يمكن اختزالها .لقد أدركت هذه البواعث على حقيقتها فهى كما قلت تنافى العقل و لا يمكن اختزالها كما أنها تبدو غريبة على نحو خرافى يستلفت الإنتباه. و لكن هذه المعرفة لم تكن معينا لى على الفهم. لماذا اتصل أخوالى؟ و لماذا ظنا أننى أعرف أين تكون مارجى ؟إن قلقهما عليها جعلنى أنا أيضا أقلق.أهذا ما أراداه؟أن يجعلانى أفكر فيها؟ أقلق عليها؟

فى الصباح و أنا أرتشف قهوتى إعترتنى دهشة من اننى استطعت النوم فى الأساس . نعم لقد نمت ,تارة أغفو و تارة أستيقظ حتى هببت مستيقظا على صوت رنين التليفون ولتيقنى أن المحتدث جيم أو هانك فقد التقطت السماعة على الفور فحيانى صوت لحوح وكأنه يخرج من فم آلى لعرض تسويقى عبر الهاتف استغرق منى برهة حتى أدركت أنه صوت آلى مسجل فوضعت السماعة مصدرا أنة مكتومة حانقة.
كنت أشعر أننى بحاجة ملحة للحديث إلى شخص ما فدخلت على الشبكة العنكبوتية أبحث عن المساعدة , لربما كانت هذه المساعدة من معالج ما كمحلل نفسى أفضى اليه و أقيم معه علاقة مهنية فالحدود المهنية مفيدة فى حالتى هذه و بالفعل فاننى بدأت أشخبط فى عجالة أسماء و أرقام تليفونات و عناوين وعندما وضعت قائمة من عشر أسماء بدأت العمل علي اختيار اسم منها و لكأننى كنت أنتظر أن تصدر عن الاسماء إشارة أو ذبذبة دقيقة توجهنى إلى اختيار الإسم الصحيح و استنادا إلى احاسيس دقيقة غير محددة شعرت بها خلف أذنى و فسرتها على انها قبول أو عدم قبول , و قد كانت هذه الاحاسيس تمثل بصورة أساسية عدم قبول, شرعت فى شطب الاسماء التى فى القائمة أطاحت خطوط قلمى السوداء و كأنها سيف بتار بالأسماء التى فى القائمة واحدا تلو الأخر حتى انتهى بى الامر و قد شطبت جميع الأسماء التى فى القائمة . عندما غادرت شقتى بعد ذللك كنت قد عقدت العزم على الاستعانة بمتحر خاص .

قادنى مصعد بنايتى الى اسفل حيث أخذت سيارة أجرة و بعدها أخذت المصعد فى بناية المحقق عندما انفتح باب المصعد لتخرج منه فتاة ذات ابتسامة بلهاء ترتدى بيريه فى أحد الطوابق و ليخرج شيخ مسن أحدب الظهر تعلو كتفيه قشرة الشعر و تفوح منه رائحة بول خفيفة فى طابق ثانى رأيت ردهات رثة فى حالة من التهالك و رأيت اسم طبيب أسنان محفور على الزجاج الذى علاه الصقيع فى المرة الاولى ورأيت اسم محام فى المرة الثانية وقد كان اسم أجنبى طويل ليس به إلا حروف ساكنة. أصدر باب المصعد صريرا عاليا عندما أغلق, وكأنه جريح يصرخ ألما ,أما الردهات الرثة التى تركتها خلفى و المصعد يرتقى بى فى سلسلة متتابعة من الإرتجاجات فقد تردد فى جنباتها صوت فرح جزل.

كانت سكرتيرة المحقق قد أخبرتنى فى التليفون أن أحد مواعيده قد ألغى و أننى يمكننى مقابلته على الفور لو أسرعت فى الحضور. واتضح بعد ذلك أنها صدقتنى القول و لكن ما أن وقعت عيناى عليه حتى أدركت ما بدر منى من خطل كان شعره قد صفف بطريقة أنيقة و كان يرتدى حلة بها صفان من الأزرار وقد زررت أزرارها وقد بدا لى أن كل هذا خطأ , ما هو إلا نوع من الخداع المحكم للإيحاء بخبرة أسطورية و كفاءة مبهمة . عندما صافحته وجدت يده منفرة و راحته طرية تنز عرقا و أنامله ملساء و كانت تفوح منه رائحة كريم حلاقة فتفرض رائحته بطريقة عدائية مختلطة برائحة زهور و كان شخص ما قد قام بقص شعر أنفه فهززت رأسى

بادرنى قائلا " تفضل بالجلوس"
فهززت رأسى مرة أخرى.
"لما؟ أحدث شئ؟"
استحثنى لكى أخبره تفاصيل سبب حضورى هنا إلا أننى لم استطع أن أتذكر ما قلته للسكرتيرة على الهاتف فبدأت أعدد الحقائق فى ذاكرتى كمن يقوم بتجربة أداء مسرحى و أديرهم فى عقلى جهد طاقتى و كأنما لأجد الترتيب الأكثر نفعا لهم و أخذت أجرب العبارات إلا أنها أحجمت عن الخروج من فمى فشئ ما داخلى كان أدرى منى ولم يسمح لى بالكلام . فهززت رأسى
" و لكنك أتيت كل هذه المسافة؟"
كنت أود أن أتحدث إلى شخص ما , أن أفضفض و أزيح الحمل عن صدرى . و لكن لماذا؟ لماذا أريد هذا؟ ذلك ما لم استطع له فهما.
رن هاتفه فرد عليه و ما فتئ يتحدث
قلت له" من المتحدث؟" فابتسم. ثم لماذا أنا هنا فى مثل هذه الغرفة مع رجل بهذه الهيئة, هذا الشعر و هذه الجوارب وهذه الإدعاءات. "إلى من تتحدث؟"
رفع يده ليهدأ من روعى ثم ما لبثت راحة يده التى تشى بالإعتذار ان تحولت الى اشارة باصبع الإبهام تعنى امهلنى لحظة واحدة.
فقلت "كلا"
"ماذا؟" "تمهل!"
هممت بالخروج و كان بامكانه ان يقول "تمهل" هى كل ما كان يريد قوله.
خرجت من الباب فنظرت السكرتيرة إلى باسمة فهززت رأسى.
قلت لها " إنه رجل بشع . كيف يمكنك العمل لدى شخص مثله؟"
قالت باسمة و قد افتر ثغرها عن ابتسامة تنم عن براءة مبهمة" ماذا فعل؟ هل بدر منه شئ؟"
كان الضوء المنبعث من شاشة الحاسوب التى أمامها كضباب يكتنفها فلا تكاد تُرى , و لكن الامر كان ينطوى على أكثر من هذا , أكثر من تأثير ضوء الغرفة عليها: إن اعتيادها الغش والخداع جعلها تبدو مبهمة الملامح,ذلك الغش الذى تبدى بشكل سافر فى قناعتها انها لا تعرف شيئا كريهاً ممجوجاً عن رب عملها
عندما خرجت بدأت أقلق من أن سلوكى كان له مردود عكسى . أنا لا أقول أن تصرفاتى كانت خاطئة بل هى بالاحرى لم يكن فيها القدر الكافى من الدهاء . فبواعث قلقى كانت واضحة جلية فى حين أنها كانت يجب أن تكون خفية مستترة. هذا الموقف بأسره كان ينال منى ففى حين أننى كنت أظن أنه بامكانى استجلاء كنهه أدركت أننى عاجز عن ذلك ,على الأقل الاّن أو ربما للأبد

عندما غادرت سيارة الأجرة أمام بنايتى كان المطر ينهمر فى صمت. كان البواب ينظر و هو يحتمى من المطر فى الردهة و كان لا يحبنى فلما دخلت نظر إلىّ شزراً و هز رأسه بايماءة تحية و رغم أنها كانت وظيفته إلا أنه لم يكن يخفى تأففه منها فقد كان ينحدر من احدى تلك الدول السلافية و كان و سيماً حاد الملامح أفطس الأنف يبدو وكأنه جسد بلا حياة. و بينما أنا أقف فى انتظار المصعد إذ به يدلف مقتربا منى ثم يضع راحته على الحائط ليستند اليه وهو يرمقنى بنظراته. كان أخوه مشرف على المبنى و كان له أخ آخر أكبر سناً و أضخم حجماً و أكثر جهامةً يتناوب معه القيام بعمل البواب.
قال" أتى رجلان لرؤيتك."
"ماذا؟"
"رجلان أتيا للبحث عنك . ذكرا اسمك."
"ماذا أرادا ؟"
" لم يقولا"
"كيف بدا شكلهما؟"
"أكبر. أكبر منك . أكبر منى . كلاهما كبيران و ملابسهما بسيطة عادية يبدو أنهما من مدينة أخرى"
وصفت له جيم وهانك فأحدهما داكن الشعر أما الأخر فشعره أشقر و كلاهما يميلان الى الصلع أو على الأقل هكذا بديا فى اخر مرة رأيتهما فيها .كلاهما كانا لايزالان بصحة جيدة و قد وخط الشيب فوديهما و برز لكل منهما كرش صغير , كرش كتلك الكروش التى تظهر لدى من دخلوا مرحلة الكهولة و تغضن الجلد المحيط بعينيهما عندما كانا يرنوان اليك بابتسامتهما شديدة التألق .حدجنى البواب بنظراته و لسان حاله يقول أنه لم يعى كلمة مما قلت.
"هل طلبا منك أن تبلغنى شىء؟"
"لا . لقد ضحكوا عندما أطنبت فى إخبارهم أنك لست بالبيت و هزوا رءوسهم و لكأنهم كانوا يعرفون أن هذا ما سوف يحدث. أنهم سوف يأتون هنا و لن يجدوك بالبيت "
"و ماذا حدث بعد ذلك؟"
" انصرفوا . خرجوا من الباب . ماذا يمكن أن يحدث خلاف ذلك؟ لا أعلم اى اتجاه سلكوه و بعدها بدأ يهطل المطر؟"
بذهابى للبحث عنهم أو بالأحرى بالعثور على شخص أخر للبحث عنهم واستخدام أكثر الطرق التفافا لإيجادهم و بمكابرتى فى اظهار اشتياقى اليهم أضعتهم
بمجرد دخولى شقتى شغلت التلفاز و ما لبثت أتنقل بين القنوات مجاهدا نفسى للتحلى بالهدؤ فما هى إلا يام قليلة و تعود زوجتى و ابنتى. أدركت أن هذا ما سوف يكون عليه الحال و أن على تقبل ذلك و اعتياده و مواصلة حياتى و قد فعلت أو على الأقل حاولت أن أفعل. كان الاخرون يبذلون قصارى جهدهم فى محاولة تبادل المجاملات و التحيات عندما كنا نتقابل.
دلف كل من زوجتى و ابنتى من باب الشقة وسرعان ما بديا يطفوان فى أرجاءها فتارة تمران من أمامى و تارة تتواثبان فى الردهة أو تجلسان على المقاعد و تارة أخرى تحلقان بالقرب من النوافذ و كأنهما كرتى هليوم
فى دخولنا و خروجنا كنا نتجاذب أطراف الحديث و كنت أعمل على تلبية كل ما تطلبه ابنتى وكنت ايضا حريص على قضاء كل حاجات زوجتى سواء صرحت بها أو ألمحت إلماحاً دون تصريح .
" إنك لطيف جدا هذه الأيام " قالت زوجتى.
" والله؟ طيب كويس."
كل حين و أخر كنت أرى جيم و هانك . تارة ينعطفان فى أحد الشوارع أو يصعدان الإتوبيس أو يستقلان سيارة أجرة أو يطلان من نافذة شخص لا أعرفه . أنا لا أقول انهما قد بدا منهما ما يؤكد صحة حدسى بانهما فعلا أخوالى جيم و هانك و ألح على التفكير فى أمى و اين يمكن أن تكون وأبى أيضا فلا يصح أن أفكر فى أحدهما دون الأخر ولكن فى ذلك الوقت لم تبد الأمور صحيحة ولا كان إحساسى بها فى نصابه الصحيح.

ثم فى احدى الليالى كنت أجلس إلى مائدة المطبخ أرقب حركة حشرةً ما لا أعرف كنهها . كانت الحشرة تزحف أعلى سطح المنضدة الخشبية و منها تزحف على صحيفة ملقاة على المنضدة و قد بدت تغضناتها و ثنياتها للحشرة و كأنها سفح جبل شديد الإنحدار . كانت الحشرة بنية تتدلى منها ست أرجل دقيقة كالخيوط و يخرج من رأسها مجسات تتلمس الهواء فى غلظة. كان جسد الحشرة الذى يشبه جسد الدبور و كأنه يتحدى الجاذبية فقد كانت الحشرة معلقة بالمقلوب على ورق الصحيفة الأبيض المنحدر وقد انثنت رجلاها الخلقيتان و كأنهما مرفقين معكوسين بينما تراقصت أرجلها الأربعة الأخرى و ما انفكت مجساتها تستكشف بحثاً عن شئ تقتات عليه.و رغم أنها لم تكن عنكبوتا إلا أننى خشيت أن تلدغنى كما يلدغ العنكبوت –أعنى ذلك العنكبوت بنى الجسد الذى يسمونه ,على ما أظن, العنكبوت الناسك أو العنكبوت المعتكف الذى يقال أن لدغته مؤلمة. وعندما رن الهاتف سارعت بالرد عليه.
قال جيم" أنا جيم . خالك جيم ! ممكن لحظة ؟"
" و أنا هنا أيضا " قال هانك " أنا على خط التليفون الفرعى"
" لدينا بعض الأسئلة يا جلين و نحن بحاجة الى بعض الإجابات"
كنت أعلم ما هواَت و هو ما كنت أنتظره و بدأت أصف الحدث الذى كانا يسألان عنه و الذى كان قد وقع منذ سنوات طوال فى احدى المدن الصناعية الكبرى بالغرب الأوسط الأمريكى حيث كان تجمعنا لما سميناه " اعادة لم شمل العائلة"
ذكر هانك اسم المدينة لكى يدفعنى للتخلى عن احجامى
فقلت " حسناً ! لقد كان ذلك فى مدينة جراند رابيدز." و بدأت اسرد تفاصيل "لم شمل العائلة" وكيف أننا سافرنا من شتى المدن المتناثرة على الخريطة منها ما هو كبير و منها ما هو صغير . كانت مجموعة من الدوافع الغير معترف بها أو المنسية قد فرقتنا على هذا النحو على مر السنين ودفعت بنا بعيداً عن بعضنا البعض كما تبتعد التموجات التى تحدث فى الماء الساكن إذا ما ألقى فيه بحجر.أبقينا على توازن ما بيننا من أسباب الشد و الجذب و الإقدام و الإحجام رغم المسافات التى كانت بيننا ورغم أن أغلبنا بقى فى منطقة الغرب الوسطى إلا أن تعقيدات الأجيال المتزايدة جعلت البعض منا يبعد فيمعن فى البعد حتى أن البعض استقر به المقام ,مثلما الحال معى, فى منطقة الساحل الشرقى.
قال هانك: " استخدمنا سائر أنواع المواصلات التى يعرفها البشر لنجمع شملنا:الطائرات والقطارات و السيارات و الحافلات"
و أردف جيم قائلا " بعضنا استقل وسيلة مواصلات أو أخرى أما معظمنا فقد اضطررنا أن نستخدم وسيلتى مواصلات أو أكثر . انا بالأصالة عن نفسى قد فعلت هذا و قد كلفنى ذلك الجلد والسقط.
قال هانك:" أما الطعام !يا سلام ! سجق حار على الشواية و برجر و سلطة بطاطس و ذرة مشوية."
جيم: "ولا الأغانى ! طبعا فاكرها"
"نعم" كانوا يعشقون الغناء .هم الأربعة جيم و هانك و أمبر و مارجى و كانوا بارعين فيه فقد كان غنائهم متجانس وكانوا يجيدون العزف على اَلات موسيقية شتى .
و إذ بهم الاَن يستحثوننى على تذكر شئ اَخر .
"هل تتذكر عندما كنا نحن الأربعة فى نيويورك"
"التفاحة الكبيرة"
" و نحن معاً تحت لافتة شارع برودواى و مصباح عمود الإنارة فوقناكأنما يضعنا فىى بقعة ضوء على المسرح"
لم أكن أريد أن أتذكر أياَ من هذا بل بالأحرى أننى كنت أريد أن أنسى ما شعرت به من حرج من حميمية احتضانهم لبعضهم البعض و قد إلتفت أيديهم حول خاصرات بعضهم البعض و فوق الأكتاف وعلت أصواتهم فى أداء متجانس لأغنية "بلغ تحياتى لبرودواى و سلامى لميدان هيرالد" أمام السابلة و لليل و النجوم
قال هانك" لماذا لم تنضم إلينا؟ لقد تنحيت جانباَ و رمقتنا بنظراتك."
"لقد كنت تحدق بنا و تفصم نفسك عنا"
" هذا هو ما نريد أن نعرفه"
" هذا هو تساؤلنا"
" لقد كنت تبدو و كأنك لا تريد أن ترى معنا"
" لقد كنا نريدك أن تغنى معنا و لكنك لم ترد ذلك."
قال هانك" لم يكن هناك عيب فيما كنا نفعله . كنا نغنى . نمرح . ليخيل للمرء أننا كنا نرتكب جرماَ"
قال جيم " وأى جرم ! جرم فاحش خسيس"
قال هانك" و هناك شئ اَخر . هذا الشئ يؤرقنى منذ زمن بعيد.لقد كنا معا فى "اعادة لم الشمل " بمدينة جراند رابيدز ؟ طبعا أنت تذكر ذلك."
قال جيم " كنا نتحدث عن ذلك منذ قليل "
قلت " نعم"
هانك" كان ذلك فى غرفة المعيشة"
أنا : "نعم"
" أنا ووالدك كنا نتحدث و أنت كنت هناك . كنت تنأى بنفسك عنا مجدداَ . دائما ما تنأى بنفسك عنا."
كان أبى قد أمضى معظم وقت لم الشمل فى القبو الذى كنا قد حولناه إلى غرفة للترفيه حيث كنا جميعاَ فى حقيقة الأمرننام على أسرة مخصصة لعطلة نهاية الأسبوع لذا لم يكن من المستغرب وجوده هناك ولكنه كان يمضى هناك الكثير من الوقت ولم يكن يصعد لأعلى إلا للعب بإوراق اللعب.كما أنه كان يصعد لأعلى لتناول الطعام بالطبع .كنا جميعاً نأكل معاً و كنا نقبل على الطعام بشهية مفتوحة. ومن حين لاَخر كانت تتعالى الأصوات صادحة بالغناء الذى يصحبه عزف الاًلات الموسيقية بالأعلى فى غرفة المعيشة. أمبر ,مالكة المنزل, كان لديها ألة أرغن تعزف عليها بحركات من يدها الكبيرة المتوردة و تعلو شفتيها ابتسامة كبيرة هانك كان ينفخ البوق و جيم كان يعزف على القيثارة أما أمى فكانت مساهمتها الأساسية تكون بالغناء و أحياناَ ما كانت تعزف على الكمان. كانوا يغنون و يسجلون ذلك على شريط و لكن هذا التسجيل كان بطئ بشكل ما فعندما كانوا يشغلونه كان كل شئ يمتد بشكل بطئ و يطول أمد الكلمات و تمتط بطبقة ثانوية كئيبة و كأنها صادرة عن جوقة من الأشباح , أشباح هائمة فى فيلم اجنبى جميل
قال هانك" لقد كان فى منتهى الغباء , أغبى شئ سمعته فى حياتى"
و أضاف جيم " لقد كان مضيعة لشريط جيد"
استجمعت شجاعتى لأقول لهم " بل لقد كان جميلا , سريالياً"
"ذلك ظنك " قال هانك بتلك النبرة المليئة بالإحتقار التى كنت أكرهها و التى كانت تمثل طريقته فى تذكيرى بما جاءوا من أجل الحديث عنه. لقد كان السؤال الذى أراد أن يسأله لأبى أثناء لم الشمل عندما اختلى ثلاثتنا , هانك و أبى و أنا , فى غرفة المعيشة حيث كان هانك يجرب النفخ فى بوقه الصامت. كان الضوء يتسرب من فُرج الستائر المسدلة و لم يكن هناك سوى أباجورة واحدة مضاءة. كان ورق الحائط مزخرف بأشكال زهور و كان هناك ما يشبه سجادة قطيفة داكنة . ربما أننا كنا فى وقت الأصيل و كان الجميع قد انصرفوا استعداداً لتناول الطعام. نفخ هانك البصاق من صمام اطلاق النغمات فى انبوب البوق و ابتسم لأبى الذى بدا و كأنه فى حلم يقظة
" أتحب الموسيقى؟
" آه , بلى بالتأكيد أحبها"
قال هانك" نعم أنا أحبها جداً . إنها ممتعة"
" أحب الموسيقى الكلاسيكية."
"آه نعم . ولكنها ليست ممتعة كالأنواع الأخرى من الموسيقى على ما أظن"
" انها ممتعة . ممتعة حقا . هذا شئ مؤكد لا مراء فى ذلك"
" انها لا تسمى كلاسيكية من فراغ بل لأنها تبقى و قد بقيت حتى الاَن لذلك هى كلاسيكية"
"لن أجادلك فى هذا الشأن. إذاً ماذا تحب أن تفعل للتسرية عن نفسك؟"
" التسرية عن نفسى؟"
" بلى "
" حسناً. أنا أحب أن أقرأ عن الموت الأسود . لقد قضى على القسم الأكبر من أوربا . الطاعون . لقد كاد أن يفنى الحضارة الغربية. لقد كان شيئاً مرعباً . ما من أحد كان يعرف السبيل لإيقافه . لقد كان ينتشر كالنار فى الهشيم و كانت الجثث مكومة فى الشوارع . و هتلر أيضاً . أحب أن أقرأ عن هتلر . المعسكرات."
تمطيت للخلف ملتصقاً بمقعدى و لكأن الإنزواء فى الظلال كان ليمنحنى فكاكاً من المكان الذى كنت فيه و شاهدت الصدمة تحل محل الحيرة على وجه هانك. كان من المفهوم بالنسبة لى أن ينزعج هانك رغم أنه حاول عدم إظهار ذلك" اَه بالتأكيد . ذلك مثير للإهتمام . فأنا كما تعلم شاركت فى معركة الثُغرة * . لقد كان الألمان ولاد هرمة أشداء و كانت الجثث مكومة. الوحل,
*حدثت هذه المعركة فى نهايات الحرب العالمية الثانية وهى تعد اخر هجوم ألمانى قوى على قوات التحالف و كانت اكثر المعارك التى خاضها الأمريكيون دموية و هى تعرف أيضا باسم معركة الأردين "The Ardenne Offensive" (المترجم :أ. م. ع)



الجليد , كانت الطائرات فى السماء تنبعث منها أشرطة طويلة من القنابل و لكنهم كانوا ولاد
هرمة أولئك الألمان . صدقنى."
قلت "لقد كان معلم تاريخ. تذكر هذا يا هانك"
لأنهم لم يفعلوا . أبداً لم يتذكروا هذه الحقيقة عنه. كل ما كانوا يأبهون به أنه قد انتهى به المطاف عاملا بمصنع "جون دير" ليسد رمقه مثله مثل جيم. رجائى كان هنا أن ألتمس العذر لأبى ,أن أبرئه من وصمة تفكيره المهموم و أردت من هانك أن يتكلم أو أن يضحك معترفا بذلك أو لربما أن يوافقنى الرأى و لكن لم يكن رده سوى الصمت. انتظرت فترة قبل أن أقول " هانك؟ أما زلت معى على الهاتف؟جيم؟"
أنزلت الهاتف و نظرت إليه و كأن ذلك سوف يجعلنى أعرف سبب عدم سماعى صوتهما. فوقوق فى وجهى بذلك الصوت المتقطع المنذر بانقطاع المكالمة و أمرنى صوت اَلى صارم يشى بالعقاب بأن أضع الهاتف فأطعت صاغراً و اكتشفت أننى أجلس الى مائدة حجرة الطعام فى منزلى. كانت النافذة المجاورة تنفتح على شقق مضاءة فى صفوف متراصة يخطها ايحاءات بقمر متوارٍ فى مكانٍ ما. كان الأمر ينطوى على أكثر من ذلك ,هذا ما كنا جميعاً نعلمه –هانك و أنا و حتى أبى- أكثر مما كان ينطوى عليه الماضى بصروفه المبهمة.
المرة التالية التى رن فيها الهاتف كانت فى منتصف الليل و قد كنت وقتها مسهداً قلقاً وقد كانت هذه حالى لعدة أيام أنام فى عزلة غريبة عميقة و أصحو على يدٍ تدهمنى غير ذات وجود كانت زوجتى تتنفس نائمة إلى جوارى فحاولت النوم إلى أن نجحت فى ذلك إلا أننى لم ألبث أن وثبت مستيقظاً منزعجاً . فى تلك الليلة بالذات استيقظت و تبولت و دلفت من الصالة الى حجرة الجلوس لأرشف قليلاً من الخمر إلا أن البدر هالنى ببريق غير طبيعى و كأنه ملأ الغرفة ثلجاً و جليداً. صببت لنفسى كأساً من النبيذ و جلست مولياً ظهرى للنوافذ . كان رنين الهاتف غريباً و كانت هوية الطالب مجموعة من الرموز و الحروف أشبه بصيغة علمية أو شفرة وليست مجرد رقم تليفون عادى . عندما أجبت الهاتف و قربت السماعة فى بطء من أذنى جاء صوت التشوش المتشكى مجرد من أى شئ آدمى و لكننى كنت اعرف و توصلت من خلال التأنى فى الإنصات والصبر و الجهد الى سماع صيحات خافتة من الهمس كصيحات الغرقى فى الأعماق السحيقة ثم ساد الصمت على سائر الأشياء إلى أن قطعه صوت جرس الباب . بدا الصوت هادئاً عن المعتاد و كأنه يراعى هذه الساعة المتأخرة . عندما نظرت من عين الباب السحرية رأيت البواب عابساً متجهماً و عندما فتحت الباب بادرنى قائلا " لقد كانا هنا مجدداً"
فسألته"أين؟"
" فى الردهة ثم الخارج وعنندما سألت إذا ما كانا يريدان منى أن اصعد و أحضرك قالا لا و عندئذ تذكرت ما كنت قد قلته لى"
"هسس" قلت له حيث ظننت أنى قد سمعت اصوات صادرة من غرفة النوم
"آسف" قال و جسمه ممتعض فى ندم ثم هز رأسه فى شقاء و كأنما يتلقى صفعات من يد غير مرئية. أجلت بصرى فى أرجاء الشقة إلا أنى لم أر شئ يتحرك أو أحدٌ قادم . كان لا يزال يهزرأسه و الندم يكاد يشل حركته و عندما حدقت فيه بادرنى قائلاً " لقد أمرتنى أن أخبرك عند مجيئهما و قد تذكرت هذا فصعدت لأخبرك"
" أين هما الآن؟"
" كانا بالخارج عندما أخذت المصعد . بالقرب من الرصيف . أحدهما كان يضع قدمه فى مزراب الماء و القدم الأخرى على الرصيف أما الآخر فقد كان يقف فى الشارع و لربما أنهما يعرفان أنى صعدت لأخبرك"
أخذت معطفى فى عجالة و نزلنا إلى أسفل بالمصعد و بمجرد انفتاح باب المصعد رأيتهما من زجاج باب الردهة وأشارا باتجاهى حيث أنهما و لا شك رأيانى ثم انصرفا . شكرت البواب و خرجت مسرعاً و رأيتهما أو على الأقل رأيت أحدهما ينعطف فى أحد الشوارع , أعتقد أنه هانك الذى كان يتأخر قليلاً.
بعد أن اجتزت عدة بنايات و أنا أسرع فى أثرهما أصبحت على مقربة منهما بحيث أنى استطعت رؤيتهما بين حشد السابلة . رأيتهما يتحادثان و ينظران إلىّ قبل أن يتواريا فى أحد البارات. كنت متأكد أننى سوف أجدهما يجلسان إلى أحد الموائد أو ربما على البار و لكن نظرة سريعة فى المكان تركتنى وجلاً وحيداً. انفتح باب الحمام لكن الرجل الذى خرج منه كان غريباً عنى . لم يكن حولى سوى الغرباء لغطهم يحدث ضجيجاً و ارتباك. ثم ما لبثت أن رأيتهما و أنا أنظر عشوائياً خلف زجاج الواجهة الأمامية. كانا يهرولان عبر الشارع و كان مجمع دور السينما و كأنه صُمم خصيصاً ليواريهما عنى الى الأبد. فقد كانت دهاليز طويلة تنتظرنى و سلالم كهربائية متحركة قادتنى الى ما لا يقل عن نصف دستة من قاعات العرض لم يكن لدى أدنى فكرة عن أين يمكن أن يكونا قد ذهبا.
لماذا لا يسمحان لى باللحاق بهما؟كنت أتحرق شوقاً لمعرفة السبب و أدركت بعدئذٍ مدى قوة رغبتى فى اللحاق بهما . أردت أن أمرح. انتظرا . انتظرا من فضلكما!أردت أن أشرح لهما أنه كان بامكانى أن أبحر مع هانك فى البحيرة التى تشبه باحته الخلفية و أدير الدفة لو أنه سمح لى بالقيادة. كان بامكانى أن أعمل معه فى مشروعه و أبيع الآلات الموسيقية و أكسب ملايين الدولارات. كان بامكانى أن أشرب حتى الثمالة مع جيم فى البيداء و أمشى الى جواره أجرجر فى قدمىّ على الطرق الوعرة والرمال المستوية ألكزه فى جنبه و يلكزنى و نشق طريقنا مسرعين فى الأماكن التى تتربص فيها الحيات ذات الأجراس فى مغامرتنا الكبرى فى البادية لنلعب بأوراق اللعب أو نلعب بينجو فى أحد البارات و نثمل . كان بامكانى أن أذهب معه الى السجن عندما حكم عليه بالسجن للقيادة و هو سكران دافعاً أمامى عامود تعليق المحاليل للمرضى وواضعا كيس فغر القولون و أنا أسير فى الردهة التى ترن فيها خطوات الأقدام . كان بامكانى الموت معه سكراناً فى غرفته الصغيرة و لكن أبى منعنى فلم أكن لأجرؤ على أن أنضم إليهم فى غنائهم و اتركه هائماً بخياله فى مشاهد العصور الوسطى حيث الجثث تتقيح فى الشوارع . لم يكن بامكانى أن اتركه وحده أمام بوابات معسكرات الإعتقال يشم الهواء الذى تفوح منه رائحة الموت وعيناه شاخصتان إلى مداخن أفران الغاز.لو أن هانك وجيم عرفاه على نحو أفضل , لو أنهما أجبرا على الفرار من يديه الكبيرتين فى المطبخ, لو أنهما سمعا صياحه وحيداً حزيناً لفهما . كنت سوف أموت لو أننى خنته, كان سوف يموت , كنا جميعاً سوف نموت.
توسلت إليهما: دعانى أجدكما, أنا لدى تساؤلات أريد أن أطرحها عليكما, أشياء أريد أن أسألكما عنها , و أمبر وهارولد و آرنى و جايل و كايت و أمى مارجى و أبى مات أو ماتى. لم تكونوا متصفين بالكمال . لا أعنى أن هناك أحد كامل.كنتم عمالقة بغنائكم وضحككم, بجروحكم الملحمية و ضغائنكم الهائلة التى لم تكن لتندمل فى ساحة معركة الحب. ذلك هو المكان الذى كنا فيه و حيثما حدث كل شئ, هنالك مرتع هزائمنا و انتصاراتنا.
قادنى استسلامى لليأس و قلة الحيلة إلى الشارع حيث كانا ينتظران على مقربة منى فناديت عليهما و لوحت لهما لكنهما سارعا بالإنصراف ليصلا بى إلى سنترال بارك حيث تواريا بين الأشجار .
عندما أتصل مثلما يتصل خالى جيم و هانك ترد ابنتى" بابا, من فضلك يا بابا, بابا ,بابا!"
ثم تدخل زوجتى على الخط أيضاً " لا يمكنك أن تفعل بنا هذا , حرام عليك"
" لا تصيحى به يا ماما"
" أنا لا أفعل"
" بل إنك تصيحين به"
" أين أنت من فضلك؟"
هذا القلق يشغلنى فأشعر بالقسوة و أنا لا أريد أن أكون قاسياً فأقول لهما " اسمعا . لا تقلقا . لقد حصلت على مساعدة . لقد قادونى"
" قادوك الى أين؟ من هم؟"
المسكن, المسكن,المسكن ذلك ما أردت أن أتفوه به و لكن لم تواتنى الجرأة , لطالما أردت ذلك و الأن أصبح بمقدورى. " المسكن , المسكن , المسكن" انفجرت الكلمات من فمى . عندما تنبش العبرات طريقها خارج مقلتىّ فإننى أسمح لها أن تتولى زمام كلماتى فأجد راحة فى هذا التنفيس , هذا الإشباع ,هذا الإعتراف ويحدونى الرجاء فى أن تجعل تلك الطعنة اللفظية ابنتى وزوجتى تتفهمان.
"عماذا تتحدث؟"
"بابا. هذا هو مسكنك."
"توقفا.عليكما التوقف عن هذا."
" نحن بمسكننا يا بابا.نحن هنا وجميعنا فى غاية القلق لأنك ليس معنا. أين أنت يا بابا؟"
"لا تقلقوا"
" ولكننا قلقين"
"لقد مرت أسابيع يا بابا و نحن لا نعرف ماذا نفعل."
ليس إلا هذه المكالمة التليفونية و ينتهى الأمر . أنا فى مكان بعيد جداَ و الجو أكثر برودة هنا
"أريدكما أن تعرفا كيف تعيشان و أريدكما أن تعرفا أننى أحبكما و أريدكما أن تواصلا حياتكما كما أواصل أنا حياتى كما أننى لا أريدكما أن تعلقا الكثير من الآمال على أننا سوف نرى أو نسمع من بعضنا البعض مرةً أخرى.ما من سبيل آخررغم أنه ربما فى يوم من الأيام سوف يتغير كل شئ بالنسبة لكما كما حدث معى . تحول ما أو انتقال من مكان الى آخر , تغير فى الكيفية التى يظهر بها كل شئ ورؤية كل شئ وادراكه من منظور جديد وادراك مكانيكما بالنسبة للأشياء المحيطة أو ربما يكون لهذا التحول نتيجة عكسية وعندما تنتقلا الى هذا المكان الجديد أو المستوى الجديد لاتجدا إلا العدم . ليس المنظور الذى وصفته تواً بل ظلمة حالكة يتحتم عندها أن تعرفا أن أياً من هذا لم يحدث و أننى لم أتصل قط , واننى لست إلا نكرة بل لربما أننى لم يكن لى أى وجود و لم يكن لكما أنتما أيضاً أى وجود. وفى غضون ذلك عليكما أن تستمرا فى حياتكما و حال شعوركما بأى قشعريرة خوف من حين لآخر أو بتجمد غريب للدم فى عروقكما أو تنميل جلديكما من الخوف دققا النظر فى أيما شئ يتقدم نحوكما أياً كان الشكل الذى يتخذه كموجات الحنين الطاغية التى تنتابكما.