الكتاب المدرسي بين اليوم والأمس !

محمد بلمزيان
2019 / 9 / 11

مازلت أتذكر مقررا دراسيا عبارة عن كتيبات صغيرة لكنها مهمة وفي حلة أنيقة وطبعة راقية وجيدة باللغة الفرنسية بالنسبة للسنة الثانية ابتدائي، وما تحتويها تلك الكتب من فصاحة في اللغة ووضوح في الكتابة وقيمتها في كيفية التدريب على تعلم اللغة الفرنسية، زمانئذ، والتي كانت بالنسبة لنا كالرش بالماء البارد لشخص استفاق للتو من النوم، ذلك أننا كأمازيغيين لم نكن نعرف اللغة العربية وبمجرد أن بدأنا في السنة التحضيري والسنة الثانية في تعلمها، شرعنا في تعلم لغة أجنبية ثانية وهي الفرنسية، وما تشكله هذه العملية من صعوبة كبيرة في الولوج الى عالم جديد برسم للكلمات ومخارج الأصواب مختلف تماما مع ما قد شرعنا لتعليمه قبل سنتين فقط، إنها كتب شكلت معالم تربوية وتعلمية لا يمكن نسيانها وهي في الأصل كانت مقررات فرنسية استعان بها المغرب يومئذ لتدبير المرحلة في مادة اللغة الفرنسية بفعل غياب الأطر لإنجاز مقررات حول تعليم الفرنسية، ( BIEN LIRE ET COMPRENDRE) هي سلسلة من الكتب لا يمكن للجيل الذي تربى على تعليم الفرنسية في المدارس العمومية حينئذ أن ينسى فضلها في التدريب على النطق والكتابة عبر الإستعانة بالصور الرائعة والجميلة المصاحبة للكلمات الواضحة المكتوبة بخطوط أنيقة وتجذب التلميذ على قراءتها وتصفح ثناياها كما هو الشأن لسلسلة اقرا لأبو كماخ بالعربية التي تبرز بسط النماذج الناجحة والمفيدة للتلقين والتعلم الجيدين. فلم يكن المشكل مطروحا بالحدة المطروحة اليوم حول الطرق البيداغوجية والديداكتيكية خاصة في مادة اللغة الفرنسية،مع العلم بأن اللغة الفرنسية كانت هي اللغة التي تدرس بها جل المواد المقررة، باستثناء بعض المواد الأخرى القليلة التي كانت تعطي باللغة العربية.
ما يهمني من هذه الإطلالة المتواضعة هو الإرتباط بالحديث الجاري حول العودة الى فرنسة التعليم رغم أن الحديث عن هذا الموضوع هو شأن آخر، يحسم نقاش مطروح بين مكونات سياسية متصارعة، لغرض فرض توجهات معينة على أرض الواقع، وسياسة لي الأذرع في قضايا أخرى صمن مصالح متناقضة أو حسابات سياسية ضيقة لا علاقة لها بالغيرة على تطوير وجودة التعليم، بالحجم الذي تحضر مصالح الشركات العابرة وفرض لغتها محليا ودمجها في دواليب النسيج الإجتماعي والإقتصادي والثقافي ، رغم أن اللغة الفرنسية لم تعد اللغة المهيمنة على المستوى التبادل التجاري العالمي حتى لغة التفاهم المعلومياتي مقارنة مع اللغة الإنجليزية ، والتي أصبحت تفرض نفسها كلغة البحث العلمي الدقيق ، وأن جميع الأبحاث والدراسات المنشورة في مجالات العلوم الدقيقة تتم اللغة الإنجليزية. لكن ما يهمني في هذه المقالة هو استرجاع ذلك التاريخ المشرق والواعد في كيفية تدريس لغة كانت بالنسبة لنا لغة أجنبية ثانية وهي الفرنسية بعد العربية، بعدما كنا لا نعرف إلا التحادث والتواصل باللغة الإمازيغية،التي هى مزيج من مختارات لكلمات بالأمازيغية وأخرى بالدارجة العربية وبعض العبارات الإسبانية يعكس التمازج الحي والتفاعل بين مختلف مكونات اللغات التي تعايشت في أزمنة غابرة.
عود على بدء فلتبيان ذكاء واضعي ذلك المقررالفرسي للتلاميذ في الصف الثاني من التعليم الإبتدائي يبرز مدى تفوق تفكيرهم في تلك المرحلة، وكيفية تفتق عبقريتهم لإنجاز مقرر ناجح لتعليم اللغة الفرنسية بالنسبة للمبتدئين ما أحوجنا الآن لتعليم اللغات الأخرى لكي نستأنس بها للتدريس على اكتسابها، هناك جملا وعبارات تعبر بكيفية جميلة وبرسم كتابي واضح وشفاف ما يريد واضعو السلسلة الوصول اليه، فمثلا وعلى سبيل المثال لا الحصر، حينما يريد الكتاب أن يميز في كيفية الكتابة في حالة المؤنث والمذكر، يشير بكيفية سريعة ومختصرة مصحوبة بالصور الممتعة والمشوقة على القراءة والمتابعة، نقتبس هذه الجمل التي ما زالت موشومة في أدهاننا حينما كنا أطفالا سنة في السنة الثانية ابتدائي الذي تزامن مع 1975 وأعتقد بأنها هي السنة الأخيرة التي عرفت التعليم للغة الفرنسية بهذه السلسلة، من قبيل تعابير على سبيل المثال لا الحصر (Miki joli Miki ) و(Mina jolie Mina) فيلاحظ التلميذ المبتديء في وجود حرف زائد بين التعبيرين وهوحرف (e) للتمييز بين حالة المؤنث والمذكر، وهو اكتشاف هائل في سرعة قياسية بالنسبة للتعليم في السنة الأولى من التدريب على أبجديات لغة أجنبية وجديدة، قد يجعل هذا الإكتشاف البسيط هو المعيق للكثير من الطلاب في السنوات النهائية لتعليمهم وهم لا يفرقون نهائيا بينهما بالرغم من سنوات الدراسة للغة الفرنسية، فليس العبرة بالترسانة من المقررات وكثرة العناوين وإنما في كيفية تسطيرها وجعلها مشوقة لمتعلميها وساحرة لقرائها وآسرة لمشاهديها ، بما يجعلها مطبوعة في ذهنها وموشومة في ذاكرتها.