سبعون عاما.. وخمسون..وأبعون.. فرصٌ ضاعت، وفرصٌ أخرى تلوح في الأفق

محمد عبد الشفيع عيسى
2019 / 9 / 11

ذكرياتُ أحداثٍ جسامٍ مرّت خلال شهريْن من هذا العام (2019) : يونيو-حزيران ، ويوليو - تموز، كان لها وقعها العميق على صفحة الذهن المتأمّل . أولها ذكرى العدوان الإسرائيلى على مصر وسوريا والأردن فى الخامس من يونيو/حزيران 1967 ، والتى تسميها ذاكرة المثقفين العرب "النكسة" من غير إشارة إلى عدوان ..! وذلك منذ خمسين عاماً تقريباً ، وثانيها ذكرى ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 منذ سبعين عاماً تقريباً، و قد تحولت إلى ذكرى تنازع استحقاق على إرث الثورة بين السياسيين فى مصر، للأسف، ما بين قائدها المؤسس جمال عبد الناصر وكل من محمد نجيب و أنور السادات ، وثالثها : ذكرى هبوط أول إنسان على سطح القمر (أرمسترونج) يوم 20 يوليو 1969، أي قبل خمسين عاماً ، والتى تحولت إلى استعادة للسبق الأمريكى دون أية إشارة، بالمناسبة، إلى ذكرى أول إنسان يتمكن من الطيران إلى الفضاء الخارجي والدوران حول الأرض: رائد الفضاء من الاتحاد السوفيتي: يورى جاجارين ، يوم 12 إبريل 1961بعد النجاح السوفيتي في مضمار تصنيع ثم إطلاق أول سفينة فضاء(سبوتنيك) يوم 4أكتوبر 1957. تلك ذكرى تثير آلاماً عربية، وتنكأ جراحاً، فيما يتصل بالبرنامج الفضائى و الصاروخي والنووي العربي المصري (ولا ننسى هنا تصنيع النموذج الأوّليّ Prototype للصاروخيْن :القاهر والظافر، بمعونة العلماء الألمان، ومشروع تصنيع الطائرة الحربية المقاتلة 300 النفّاثة بالتعاون المشترك مع الهند وبتكنولوجيا قريبة من الطائرة السوفيتية -ميج، وذلك كله خلال النصف الأول من الستينات من القرن المنصرم).
وإنها لمضاربات سياسية، و(مكايدات) عقائدية، تلك التي تتعثر على سطح كل ذكرى دون محاولة للذهاب إلى العمق، فأين العمق؟ زوايا عديدة للنظر، نتخّير من بينها اليوم زاوية (الفرص) بالمعنى التاريخى، ما ضاع منها وما يمكن التماسه من الأفق قريبا كان او بعيدا.
نجول ما بين فرص مضيّعة ، وفرص على وشك أن تضيع إن بقى الحال على ما هو عليه ، ويمكن أن نمسك بناصيتها إن تغيّر الحال. فما الذى ضاع ، وما الذى على وشك الضياع أو لن يضيع ؟
لنبدأ بما ضاع ، أو ربما ضُيّع بتعبير أدق. و أول ما ضاع حيناً أو ضُيّع حيناً آخر هى فرصة التنمية الاقتصادية، بالمعايير العالمية .

وقد جرت محاولة حقيقية للتنمية فى ظل ثورة 23 يوليو 1952 ، وحققت دفعات متتالية بدرجات متنوعة ، وتحت مظلات متعاقبة ، خلال خمس عشرة سنة (1952-1967) . كانت أهم محطاتها ما سمّى "برنامج السنوات الخمس للتصنيع" والذى بدأ عام 1957 ، ثم تمّ إدماجه فى الخطة الخمسية الأولى (1960/61 – 1964/65) ، ليشكل النقلة الحقيقية، بل القفزة ، فى مسيرة "التحول الهيكلى" للاقتصاد المصرى فى القرن العشرين ، معبّراً عنه بالنصيب النسبى لقطاع "الصناعة التحويلية" في توليد الناتج المحلّي الإجمالي، وفي تركيب الاستثمارات والعمالة والتجارة الخارجية. نشير بصفة خاصة هنا، من جهة أولى، إلى الزيادة الجوهرية فى نصيب القطاع الفرعى لتصنيع السلع الإنتاجية سواء منها "سلع رأس المال" capital goods من الآلات والمعدات الإنتاجية (مثلاً شركة "سيماف" لتصنيع معدات السكك الحديدية)، أم السلع الوسيطة أو مستلزمات الإنتاج، المعدنية و الكيماوية وغيرها؛ والقاعدة التحتية لهذه الصناعات تتمثل فى الصناعات الثقيلة (صناعة الحديد والصلب، وانظر إلى تطوير مصانع حلوان، من جهة، وإلى "شركة كيما" بأسوان، من جهة أخرى).

ومن جهة ثانية ، و بمقتضى السياسة الاقتصادية والصناعية المسماة "إحلال الواردات" أى استبدال السلع المستوردة بالمنتجات المحلية، تمّ البدء بالتوسيع والتنويع والتعميق الصناعي للسلع الاستهلاكية "المستنفدة"، إذا صح التعبير، أى التى يتم استهلاكها لمرة واحدة (الأغذية والمشروبات ، والملابس والمنسوجات). وانظر هنا مثلاً إلى تطوير مصانع السكر بالحوامدية ، ومصانع الغزل والنسيج فى المحلة الكبرى وكفر الدوار وشبرا الخيمة ، ومصانع الألبان والأغذية الخفيفة ..الخ . ثم تم التركيز على تصنيع "السلع الاستهلاكية المعمّرة" – ذات الديمومة - من الأجهزة الكهربائية وغير الكهربائية، الموجهة للاستخدام النهائى المنزلي، كأجهزة الطبخ والثلاجات و مبردات وسخّانات المياه، وما إليها، مع زيادة تدريجية منهجية في المكونات من الأصل المحّلي. يضاف إلى ذلك، تجميع، و كذا تصنيع نسبة متزايدة من المكونات والاجزاء وقطع الغيار المحلية لقطاع السيارات ومعدات النقل الثقيل والخفيف و آليات النقل الجماعي للركاب ( الأوتوبيسات). وانظر خاصة إلى "شركة النصر لصناعة السيارات".
وسواء تم النظر إلى السلع الإنتاجية، الرأسمالية منها والوسيطة، وإلى السلع الاستهلاكية، المستنفدة منها و المعمّرة ، فإن (القطاع المدنى من قطاع الإنتاج الحربى) ربما كان له الدور الأهمّ فى التطور التكنولوجى بخاصة لصناعات السلع الرأسمالية والسلع المعمّرة ، من خلال (المصانع الحربية) الشهيرة والتى لا تزال شركاتها القابضة والفرعية تمارس حتى الآن دوراً بارزاً فى التصنيع المحلى للمكونات ، وفى صناعات التجميع من مكونات محلية، بواسطة الصناعات المغذية ، وشركات تصنيع الأجزاء وقطع الغيار، وفي تصنيع "آلات ومعدات الورش" Machine tools كالمخارط و آلات الكشط والفرز وسبك المعادن وغيرها. وانظر مثلاً إلى "شركة حلوان للصناعات المعدنية"، و "شركة بنها للصناعات الالكترونية"-المصنع 100 الحربي ، و "شركة أبو زعبل للكيماويات"، وغير ذلك كثير .
كان ذلك كله ديْدن المحاولة التنموية ابتداء من 1952 وخاصة من 1957 إلى 1967 على مدى خمسة عشر عاماً ، أو عشر سنوات. وكان بودّنا - فى حدود الحيز المتاح للمقال –أن ندعم كل الحقائق السابقة بالأرقام الدالة، مما هومتوفر بالفعل من بيانات، ولكن هيهات ..!

أما عن الطريقة التى تمت بها إدارة الاقتصاد الوطنى خلال الدفعة التصنيعية المذكورة، فقد تمثلت بادىء الأمر فى "الاقتصاد الموجّه" الذى ينصرف إلى وضع الخطوط الإرشادية و إنشاء الأجهزة المؤسسية المواكبة خلال فترة 1952 – 1957، من خلال تطبيق "الإصلاح الزراعي"، و إقامة "المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومى" و "المجلس الدائم للخدمات"، بالإضافة إلى العمل على إقامة "المؤسسة الاقتصادية" للإشراف على ما يتم تكوينه من شركات عامة. وتلا ذلك اتباع نهج "الاقتصاد المبرمج"، بالتركيز على الصناعة ، ممثلاً بصفة خاصة فى "برنامج السنوات الخمس لصناعة (1957-1959).
بعد ذلك انكّبت ثورة يوليو على وضع ركائز "التخطيط القومي الشامل" مواكباً لإجراءات التأميم الكبرى التي جرت أعوام 1961 و 1963 و 1964 ، ومن ثم بناء قطاع عام "كبير" كان يمثل الذراع الضاربة – فى ذلك الوقت البعيد - لإنفاذ البرامج الاستثمارية للخطة الخمسية.

وبرغم ما شاب تنفيذ الخطة الخمسية (الأولى) من قصور، كشفت عنه تقارير المتابعة للخطة، مثل ارتفاع الميل للاستهلاك و تزايد نصيب الاستهلاك من الدخل القومى فى نهاية الخطة ، عما كان مخططاً، إلا أنه تجب الإشارة إلى تحقيق معدل نمو بمتوسط نحو 7% خلال مجموع السنوات الخمسة للخطة، وذلك على طريق تحقيق هدف "مضاعفة الدخل القومى فى عشر سنوات" والذى كان مقدراً له أن يتم بحلول عام 1970 ، بالتزامن مع التوقيت المتوقع حينذاك لإعادة النظر فى الجانب التطبيقى من "الميثاق الوطنى للجمهورية العربية المتحدة" ، و التى كان مقدراً لها أن تتم بحلول عام 1970 .

ولكن تشاء مصاريع التاريخ أن تنفتح على ما لم يكن فى حسبان المخططين، فقد وقعت أخطاء وخطايا على خطى الثوار بعد أن وقع ما وقع على المسار المتعرج، محلياً وعربياً ودولياً. وكان أن وقع عدوان (الخامس من يونيو/حزيران 1967) ليترك الوطن لقمة سائغة للنخبة السياسية والثقافية الضعيفة المنقسمة على ذاتها في الوطن العربي عموما، ومصر منه، و لتقيم شرائح من بين تلك النخبة ما يشبه "حفلة اللطم السنوية"-إن صح هذا التعبير- بمناسبة ذكرى الهزيمة العسكرية لعام 1967، فى غير تأسٍّ بما حدث ويحدث لدى نخب عرفت طريقها، وإن لم يكن على استقامته المُثلَى، كالنخبة الألمانية واليابانية بعد 1945 ، والتى لم تتوقف عند لحظة الهزيمة، ولكنها نهضت إلى أعلى وإلى أمام ، وإن أصابها اعوجاج فى السير، وعوار فى الرؤية، جعلها تتجه كليا إلى ناحية "الغرب الأمريكى" فى غير تبصر.

و إنه عند نقطة الانكسار المعنوى التى أحدثها عدوان 1967و توابعه من الهزيمة ، وما هو أشد منها : انهزامية النخبة ، تحوّل اتجاه القيادة السياسية"، نقصد عبد الناصر، إلى التركيز على "إزالة آثار العدوان"، عن طريق إعادة بناء القوات المسلحة، بشريا (جنود "المؤهلات") وتنظيميا بالذات، ومن ثم خوض حرب الاستنزاف لأربع سنوات شداد (1967-1970) ووضع خطة أولية لعملية عبور المانع المائي لقناة السويس (الخطة 200) مع إعداد العدة لحرب الصواريخ الأولى في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، من الجانب المصري العربي.
هذا، ولقد قطعت المقادير التاريخية خط السير المرسوم؛ و اختطفت كفّ القدر القائد (القديم – الجديد) جمال عبد الناصر، ليغيّبه الموت فى طيات المشهد الجنائزى المهيب، يوم الثامن والعشرين من سبتمبر/أيلول 1970 .
بذلك انتهى فصل من تاريخ مصر وأمتها العربية ، فى المجالين: التنموي، والوطنى التحررى ، لتنفتح المصاريع على عصر عربي ومصري آخر، منذ 1970 وخاصة منذ 15 مايو 1971 ، ذلك هو "عصر انور السادات"، الذى ظل جاثماً بشخصه ثم بفكره طوال أربعين عاماً متصلة حتى ثورة 25 يناير 2011، وهي ما ندعوها "حقبة السادات – مبارك" .
فى تلك الحقبة، حقبة السادات-مبارك، المتطاولة، ذهب حلم التنمية العربي ومنه المصري بالذات، بعيداً، ليشرد فى خضم تحولات دولية عاصفة، أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتى و من ثم انفراد "القوة العظمى الوحيدة"، الامبراطورية الأمريكية- ومعها "المنظومة الرأسمالية العالمية-بالسيطرة الأحادية على العالم، وعلى جانبيها حلفاؤها الأثيرون فى أوربا الموحدة واليابان المنفردة التى سار على طريقها الاقتصادى والخارجى عديد الأنظمة والدول فى شرق آسيا : تنمية تصنيعية تصديرية موجهة غربياً.
كل ذلك مقابل ما أطلق عليه البعض عربياً مسمّى (التنمية العصية) إذ خرج الوطن العربي خالي الوفاض بعد تحولات النظام الاقليمى العربى والنظام العالمى (الجديد) منذ مطلع السبعينيات فالثمانينات، ثم خاصة بعد مطلع التسعينيات ، وما تلاها من سنوات الجمر الثقيل .

هكذا ، أفلتت منّا، إلى حين، فرصة التنمية التى كانت قد تحققت مقدماتها فى الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم ، ثم ما لبثت أن ابتعدت طوال أربعين عاماً ، فى أجواء الانفتاح الاقتصادى والانهيار التصنيعى وتآكل الرقعة الزراعية وتدنّى أداء أجهزة الخدمات، و فى مقدمتها الخدمة المدنية للجهاز الإدارى للدولة.
ولقد ظهر من بين الركام وقطيع الأشباح، أمل تَجدد بازغا بعد الخامس والعشرين من يناير 2011 . و نحن الآن ، فى ظل تحولات النظام الدولى بإتجاه فرض لون من "التعددية " ونوع من (دمقرطة النظام العالمى)، وفى ضوء التقدم التكنولوجى المتسارع نحو ما يسمى (الثورة التكنولوجية الرابعة) يلوح أمامنا أمل على البعد .
ذلك هو أمل الاستفادة من المتغيرات الدولية والتكنولوجية من أجل ابتداع واتّباع نموذج إنمائى بديل، قائم على تعميق التحول الإنتاجي، الزراعى والصناعى والخدمي، وشق طريق "التنمية العادلة" باقتدار، وخوض غمار العلاقات الاقتصادية الدولية فى إطار نوع من الاستقلالية المقدّرة، والاعتماد النسبى على الذات ، ضمّن صيغة تكاملية عربية فعّالة.

وما يزال المجال مفتوحا لمزيد من الحديث عن فرص ضاعت أو ضُيّعت، وفرص أخرى تلوح و تلتمع راياتها في الأفق القريب أو البعيد.