رواية حكيم لباي ج10

عباس علي العلي
2019 / 9 / 10

خرج الجميع من المجلس وأصبح السيد ذيلام الحاكم الفعلي للمدينة منذ هذه الساعة وقد هنأوه الجميع على ذلك، ولكن كان أكثر الحاضرين فرحا السيد فيروزي وقد أقترح أن تقام الاحتفالات في وسط المدينة وأن تحضر عامة شعب لباي للتهنئة، رفض السيد ذيلام كل ذلك وأكتفى بأن يخرج منادي البلدة في أسواقها وازقتها ليعلن الخبر مع تحية من الحاكم الجديد لشعبه وأنه سيكون خادما للشعب وللرب وعليهم أن يعوا أن وقت الأنتظار والكسل قد فات وعليهم أن يعودوا لسابق عهدهم والرب يرعاهم طالما أنهم يراعوا مصالحهم وأنفسهم، فالرب لا يعين الكسالى ولا يساعد النائمين بأنتظار عودة أحد.
ذيلام _ كما أعلن قرار أخر سيكون نافذا من هذا المساء ونظرا لغياب الكاهن الأكبر وعدم معرفة مصيره قررنا أن ينوب السيد الحكيم والمعلم داريو عنه في أداء الصلوات والطقوس، ولكن بمسمى المعلم الحكيم حتى يختار الرب لنا كاهنا جديدا...
ذيلام _ قرار ثاني على كل منتسبي العسكر والشرطة التوجه صباح الغد إلى ساحة وسط المدينة... ساحة الانتصارات... مع كامل عدتهم وعددهم وأن يتركوا أماكنهم الحالية ما عدا حراس البوابات ومراقبي الأبراج العليا.
ذيلام _ قرار رقم ثلاثة على من يرغب العمل ولديه الاستعداد أن يتجمعوا أمام بوابة المعبد للبدء من جديد واستعدادا لموسم الشتاء القادم... وعلى الجميع تنفيذ أمرنا ومن يتخلف سيعرض نفسه للمسائلة .... بارككم الرب يا شعبي العظيم...
الآن شعر السيد فيروزي أن ما كان يظنه أنتصار له ولرغبته بأن يكون صهر الحاكم الجديد ليست إلا سرابا، فالرجل كان قد أعد كل شيء من قبل وأقنع أبيه بأشياء قد لا نعرفها، يا لخيبة فيروزي ... يا لعاره لو تجري الأمور كما خطط لها من قبل.. لقد قال السيد الشاه بندر أن الرجل الكبير يميل لمصلحة ولده ولا يميل لنا.... يا ليتني صدقته ....إنها تلك الأفعى المسمومة صاحبة الفكرة ..... ليتني أستطيع أن أمزها بيدي وأطعم لحمها للكلاب والقطط والفئران... ليتني خرست قبل أن أشجع الحاكم الخرف على كلامه.
أنتشرت الأخبار وتناقلت أوامر الحاكم الجديد والناس بين مصدق ومتحير ما الذي حدث وما جرى حتى تنقلب الأمور بهذا الشكل، لا بد أن الشاب الحاكم الجديد لديه حلا للمعاناة الطويلة، الجميع بدأ بالتكلم والحديث مع بعضهم، لقد تمزق الصمت الذي كان سائدا يلف المدينة بسطوته الجبارة، خرج الناس للشوارع يتقصون الحقيقية ويتساءلون بينهم، مشهد مشجع لم تألفه المدينة منذ أشهر طويلة وكأن الأشباح التي كانت تسكنها قد غادرت هاربة لتتيح للناس أن يتجولوا بحرية في مدينتهم، البعض ذهب للمعبد ليتساءل عن إرادة الرب وخاصة من الذين يعرفون الحكيم ويعرفون منزلته، حركة غير عادية فقد عاد الجنود يتجمعوا في معسكر الجند، والشرطة يتجمعون في معسكرهم في الجهة الأخرى من المدينة، حتى حراس البوابات تسلل لهم النشاط ولم يعودوا إلى التفلت من واجباتهم فلديهم قائد جديد قد يحضر بينهم في أي لحظة.
السيد سانجاي عاد إلى وسط المدينة فرحا بما وجده من أماكن صالحة لحفر الآبار وقد أفزعه منظر المدينة التي تركها قبل وقت قصير وهي شاحبة نحيلة متعبة وقد جن جنونها، ماذا حدث هل عاد الكاهن الأكبر من جديد؟ أم ماذا حصل بغيابه القصير... الناس التي ترمها من قبل هي ليست الناس التي يراها الآن لا بد أن حدثا ما قد قلب حال المدينة... لأذهب إلى المعبد فكل الأخبار الجيدة ستكون هناك ... لا بد أن الرب قد أستيقظ أخيرا وبعث رحمته هكذا دفعة واحدة للمدينة فأحياها من سباتها.
هذه الليلة أمسى المعبد منارا كما العهد سابقا وبدأت الناس يفدون إليه ليتبركوا بالرب ومعرفة الكاهن الجديد الذي حل محل كاهنهم الأكبر، أجتمعوا عند الحكيم المعلم الذي أخبرهم أن لا كاهن بعد اليوم فالرب رب المدينة كلها وهو أقرب لهم من أنفسهم، إنما ما مر كان اختبارا منه لصبرهم وحبهم له وهو الآن مسرور جدا أن شعبه الشجاع لم يعد بحاجة إلى وسيط فهو بينهم ومعهم ويشاركهم حياتهم، فكونوا للرب كما كان لكم أحبوه يحبكم ولا تخافوا أن ينتقم من أحد أو يغضب على أحدـ فليس الرب محبوس في المعبد وهو يرعاكم ولا يمكنه أن يراكم هكذا تتألمون ولم يشارككم حزنكم، إنه رب جميل رب أحب شعبه وسيذل لكم الرحمة والمحبة وعليكم أن تكونوا مستعدين دوما لاستقباله في قلوبكم.
هذا كلام الحكيم المعلم أم هو كلام الرب في حقيقته؟ أنهم لا يصدقون ما سمعوا... حديث أخر وخطاب مختلف ... هل حقا أن الرب لا يغضب ولا ينتقم من شعبه، كيف سيؤدبهم وكيف يضمن له أن لا يتمردوا على أوامره... لا بد أن في الموضوع علامات أستفهام كثيرة.... البعض أبدى سعادة غامرة وهم يسمعون حديث الحكيم المعلم وعقلوه.... البعض الأخر سمع ولم يفهم شيئا ولكنه سعيد إنه عاد مجددا للمعبد فصار بإمكانه أن بحضر الصوات وهذا يكفي .... نعم يكفي أننا نصلي للرب حتى يرضى بنا عبيدا له.
سانجاي هو الأخر دخل متأخرا ولكنه سمع جزءا من كلام الحكيم فعرف أن الأمور قد تغيرت وأن ما كلمهم به نهار اليوم السيد ذيلام قد تحقق، أقترب من نكان الحكيم ليخبره بما وجد وما سيفعله غدا، فبادره الحكيم بأن الحاكم الجديد أمر أن تتجمع الناس ممن لديه الرغبة في العمل صباح الغد أمام المعبد وعليك أن تختار من تراه مناسبا وراغبا للعمل معك.... ستكون أن المشرف على أمورهم حتى نبدأ بالعمل من جديد... الوقت معنا وليس معنى ... أحرص دوما أن يكون عملك متقنا وأنت معروف بإتقانك ولكن الوصية هنا لزيادة الأنتباه.... قم ببركة الرب وأرتاح للتهيؤ باكرا لبداية يوم جديد.
عاد السيد فيروزي مثقلا بهمومه ومتحسرا على تسرعه فيما جرى في جلسة مجلس الشيوخ اليوم حتة وكأنه يريد أن يقلب المدينة عاليها سافلها، لقد خدعنا الثعلب اللعين وساقنا إلى أحتافنا .... يا ويلك أيها الذئب ذيلام سأمزقك بيدي إن لم تخضع لي وتنفذ ما أريد لن ينفعك أحد، سيكون سيفي على رقبتك دوما.... هل تعلم أيها الفتى المارق ماذا يعني أسم فيروزي ... أنه الموت الذي يترصدك حين يطلبك فلا مفر...
كعادتها ذات الوجه المشرق تنتظر أبيها مع كل قدوم لتطلب جوابا وعدها أن يجيب في وقت لاحق، تقدمت منه وهي شاحبة مصفرة الوجه تكاد تقف ولا تقف وهي تسأله عن جواب لسؤل السيدة سليلة.... أنفجر فيها وكاد أن يصفعها....
_ أسألي أمك ... نعم أسأليها فهي تعرف جيدا كل الأجوبة... لماذا تصمت عن الجواب .... نعم أمك كانت عاهرة صغيرة تعمل لدى السيدة سليلة وأنا أنقذتها من ذلك الوضع... هل أجرمت؟... هل كان ذلك الأمر خطيئة؟ نعم أمك عاهرة وعاهرة قديمة قولي لها أيتها المتخفية خلف ستار الفضيلة ما هي الحقيقة ... اللعنة عليك وعلى سليلة، كان الأمر أن أعتقلها أرمي بها في السجن... لكن الشيطان بعث أمك لتكون حبل النجاة لها ... ليتني فعلت ذلك ... ليتني فعلت...
سقطت ذات الوجه المشرق أرضا فاقدة الوعي وأمها تصرخ بوجه السيد فيروزي... يا ليتك ميت الآن ولم تفعل بي وببنتك البريئة كل هذا ... يا ليتني دسست السم لك وخلصت لباي من شرورك وعجرفتك... اللعنة عليك أيها المجرم سيكافئك الرب بغضبه فقد قتلت هذه الزهرة اليانعة بكلامك المجنون... طلبت من الخدم والحراس أن يطلبوا كل الأطباء فورا وأن يحملوا الفتاة إلى مخدعها لعل ذلك يساعدها في أن تستعيد وعيها... لقد أنقلب بيت السيد فيروزي إلى ما يشبه الجحيم بكاء مر وصراخ لا يهدأ، تأخر الطبيب فالوقت ليلا وقد يكون في مكان أخر....
كاد الفجر أن يدرك الناس وهم كما هم ما زالوا في الشوارع والأزقة جماعات وفردان ولا أحد منهم بجزم بشيء، الصبح سيكون موعد تنفيذ قرارات الحاكم الجديد ومن يدري لعل ذلك بداية إنفراج أزمة لباي التي ظلت شهورا كاليتيمة في بيت عزاء موحش، فيما بقيت بيوت الكبار في قلق وأضطراب، منهم من قرر السير مع الحاكم الجديد طالما أنه لا يمسهم بسوء أو حتى بخسائر يمكن تحملها، وأخرون يقتلهم الحنق والثبور مما جرى، السيدة سليلة لوحدها كانت تترقب بين فرحة وخائفة من القادم، خوفها ليس من أحد ولكن تعلم قذارة بعض الذين لا يعجبهم ما جرى خاصة السيد فيروزي وجماعته وشيخ التجار وسطوته، قضيت الليل كله تدعوا الرب أن يحمي السيد ذيلام من الكلاب البشرية والذئاب التي لا تفهم معنى أن تكون آدميا في مدينة الرب المقدسة.
السيد ذيلام هو الأخر مشغول بترتيب أفكاره بعدما سمع عما أخبره السيد سانجاي من نية حكام مدينة الآلهة الثلاث وما كان من أمر كاهن البلدة الخائن وقد يكون زرع الثير من العيون والجواسيس فيها، لا بد أن يفتش عن كل ثغرة ينفذ منها الأعداء، الحماسة والقلق كان يسيطران على تفكيره ويمنعانه حتى من النوم وأمامه نهار طويل وشاق سيكون مفصليا في حياة المدينة وشعبها، عليه أن يكون حازما وصارما وأيضا متعقلا إن أراد النجاح لمهمته.
بدأ الحكيم المعلم صباحه وهو أكثر نشاطا من المعتاد بالرغم من بقاءه ساهرا يطاله ما موجود من كتب في مكتبة المعبد، وأمر الخادم بأتلاف الكثير منها وإخراج البعض الأخر ليضعها في خدمة من يحب أن يقرأ ويتزود من معارف الرب الحقيقية، كان الرجلان كخلية النحل يرتبان أمر المعبد ويهيئانه لمرحلة جديدة ليعبد الرب حقيقة وليس كما كان النظام سابقا، حيث تم عزل الرب وحبسه في قفص المجهول كي لا يعرف الشعب من هو الرب الحقيقي.
أستعرض الحاكم ذيلام جند المدينة وألقى فيهم كلمة وأوصاهم بإعادة تنظيم أنفسهم من جديد وضرورة أن يكون وجودهم حقيقيا في معسكراتهم وعليهم التدريب مجددا وإزالة كل الغبار عن جنديتهم في خدمة مدينة الرب، ووعدهم أن كل عطائهم المخصص سيصلهم دون تأخير طالما أنهم جادون ومجدون في حماية المدينة وشعبها وهذا هو جزء من حقهم وواجبهم تجاه الرب والمدينة والشعب، تعاليت صيحات الجند مرحبين بكل الكلام الذي سمعوه وزادهم أملا في غد خالي من اللعنة حينما علموا أنه سيكون قائدهم المباشر، وأن صاحب الجند هو عميدهم وأبيهم الذي لن يفرط بهم أبدا، فتعالت الهتافات وبدأ الجند يرددون أناشيد النصر من جديد.
أخنار السيد سانجاي أربعين شابا للعمل معه كوجبة أولى للبدء بحفر خمسة لآبار في المدينة وحولها وأن يكون العمل متواصل لوجبتين أختصارا للزمن وكسبا له، أما الأخرون فعليهم الأنتظار بضع أيام قليلة حتى يبدأ الماء بالتدفق ليباشروا أعمالهم الجديدة، أما الحكيم فقد أختار مجموعة أخرى من الذين لهم خبرة في جني المحاصيل ليباشروا بجمع نبتة الحياة والحرص على أن لا يفرطوا بثمارها والبذور، كان معظم الذين أختارهم الحكيم المعلم هم من الأقل قدرة على العمل من الشباب الذين أخذهم المعلم سانجاي للحفر، أما البقية الباقية فقد منحهم قليلا من المال كي ينفقوا منها على أشد الضروريات ويطعموا عيالهم مؤقتا حتى موعد لاحق.
ذهب السيد ذيلام إلى مقر الشرطة ومعسكرهم في الجهة الثانية من المدينة يرافقه السيد فيروزي ومعه كبار قادة الشرطة ليبلغهم توصياته لهم، فوجد تلك الحماسة ذاتها التي كان عليها الجند ووعدهم أيضا بعطائهم المقطوع عنهم منذ أشهر وأن على صاحب الشرطة أن لا يخرج أحدا من وظيفته لغير ما هو من واجبهم، الشرطة مفتاح أمن البلد وأستقرارها وليس خدما عند أحد ولا يجب أن يكونوا كذلك، لاقت التوجيهات تلك صدى طيبا لدى المحتشدين وأوصاهم أيضا أن يفتحوا أعينهم واسعا فهناك من تسلل من الأعداء إلى المدينة وهناك من باع نفسه للشيطان، عليهم واجب حماية البلدة من الداخل وأن يتفرغوا تماما لهذا الواجب.
قاربت الشمس أن تتوسط كبد السماء والحاكم ما زال يدور على بوابات المدينة يفتش عن كل ثغرة فيها ودعا كل من لديه خبرة وفن في ترميم الثغرات وأصلاح الأبواب وتمتينها، وأمر الحراس أن يفتحوا الأبواب للداخلين والخارجين شرط أن يكونوا على حيطة وحذر من تسلل أي شخص لا تعرف نواياه ولا هويته من الدخول والخروج، كما أوصاهم أن يبدؤا التدريب والتهيؤ لكل طارئ وتحت إشراف رؤسائهم وقادتهم بكل أخلاص وأنهم سيكونون تحت أشرافه المباشر دوما وتحت رقابته ومن يقصر في ذلك سيعرض نفسه للجزاء أمام محكمة الشعب، كما وعدهم بصرف عطائهم في الأيام القادمة دون تأخير أو نقص.
الكل يتحرك نحو عمله والكل عرف ما عليه من واجب وما له من حق وهذا هو قانون المدينة من جديد، حتى الأسواق بدأت تفتح أبوابها خاصة مع ما تم توزيعه من أموال من المعبد على فقراء المدينة، قدم السيد ذيلام إلى مكان السيد شاه بندر التجار وطلب منه أن يجمع له كبار التجار ووجهائهم ليكون على معرفة بما يمكن أن يعيد للسوق نشاطه وأن يفهم التجار أن الوقوف مع الشعب في ساعة العسرة سينقذ المدينة بأجمعها، ستكون الأيام القادمة بداية لمرحلة جديدة، لن تتوقف الحياة ولا بد للكل أن يعمل وأن يشارك في بعث الحياة في لباي من جديد، سنخفف الضرائب عن كاهل الجميع ولن تكون هناك ضرائب جديدة، نريد أن يفهم الجميع أننا شعب الرب الرحيم بشعبه وهذا من واجب التجار وحقهم أن يعملوا وأن يعيشوا معا في ظل حكم الرب العادل.
شيخ التجار قد لمس أن هناك جدية في العمل وهذا يساعد على أن تعاد الحياة من جديد وأن ما قاله الحاكم ليس وهما فهو يتحدث ويثبت للناس أن وعوده حقيقية، ولكن ما لا يعرفه أبدا من أين للحاكم كل هذه الأموا وخزينة المدينة وبعلمه لم يعد فيها ما يكفي حتى لأقل من ذلك كثيرا، ها هناك معجزة حلت أم أن ذلك فقط أستعراض من قبله لشراء رضا الشعب، طالما أن هناك أموال تنفق فسيجني هو جماعته جزء كبير منها وهو أفضل من حالة الكساد التي عاشتها المدينة.
مضى النهار سريعا جدا وعادت الوجبة الأولى من العمال والأجراء من أعمالهم وقد قبض كل منه أجرته فورا، البشر والسعادة تملأ وجوههم وكأن تعب النهار لم يصبهم بشيء، منهم من مضى نحو الأسواق ومنهم من ذهب ليشارك عائلته بالفرحة وعادت المدينة لحراك الأمس وأمتلئت الطرقات بالناس وحتى المعبد عاد مزارا لهم وقد تغير الكثير مما فيه ترتيبا وقد أزيلت الكثير من الأشياء التي كانت تزينه سابقا، المعبد للعبادة والصلاة وليس معرضا لكل ما هو نادر وجميل وثمين، الرب يسعد بسعادة شعبه وليس بهذه الأشياء التي تجلب الحزن وتذكر الفقراء بفقرهم.
لم يعد أحد يشم الرائحة الكريهة في المعبد وقد زالت الشكوك التي زرعها الكاهن في عقولهم من أن الشياطين التي تسكن أجسادهم هي المسؤولة عن تلك الروائح النتنة، البعض ممن أمتلكه دافع الفضول بدأ يتصحف الكتب الموضوعة قرب مكان الصلاة ليفهموا شيئا مما فاتهم عن دين الرب، أخرون تبتلوا وأستغرقوا في صلوات طويلة تعويضا عن فترة الإنقطاع فيما كان خدام المعبد والحكيم المعلم يتنقلون بين الناس ليجيبوا على تساؤلاتهم أو يلبوا طلباتهم، هل هذا هو الدين القديم أم أنه دين جديد لرب جديد؟ أجابهم الحكيم ليس دين جديد ولا رب جديد ولكن عاد الأمر إلى أوله وكما أراد لشعبه أن يكون.
ما زال الأطباء من الصباح عند بيت السيد فيروزي متحيرين بما أصاب الفتاة ذات الوجه المشرق من صدمة، تصحو مرة لتبدأ فترة البكاء ثم تتطور إلى صراخ هستيري ثم تتحول للضحك وكنها أشبه بالمجنونة، وصل الخبر إلى السيد ذيلام مساء فهرع إليها ليعرف ماذا أصاب خطيبته وما هذا الكلام الذي تتحدث به أمام الأطباء وخدم البيت، كانت نوبة صحو حينما زارها وأمر الجميع بالخروج وأنفرد بها ليفهم ما حدث تحديدا، كان البكاء بصمت جواب لكل تساؤلاته، لم تتفوه بكلمة واحدة ولم تجب عن سؤال، ما زاد من حيرته أنه كان يحلم أن تشاركه الفرحة اليوم بعدما أصبح الحاكم على المدينة ولا بد أنها ستكون السيدة الأولى فيها، هدأت وأستغرقت في النوم فتركها وخرج ليسأل عما حدث، فلم يجد جوابا شافيا من السيدة أوديسا إلا حكاية أنه تشاجرت مع أبيها الذي صرخ بوجهها بشكل جنوني.
أحزنه بالتأكيد مشهد فتاته وما حصل لها وعزم على إنقاذها مما هي فيه، لا بد أن الحكيم المعلم لديه حل فقد قرأ الكثير وعلم الكثير وعليه أن يساعده غب أستردادها بأي ثمن، لكن الوقت أصبح متأخرا والمعلم الحكيم مرهق ومتعب طوال النهار ولا بد أنه الآن يستريح .... سأذهب صباحا لأخذ نصيحته وإن كان قادرا على معالجتها، إنه السيد فيروزي بالتأكيد غليظ القلب لا يفقه أن يعامل أبنته بما يجب وعليه أن يتحمل الجزاء لو حدث لها مكروه.