نورانيات الأنا العاشقة في ديوان وأشرق العشق لراضية الهلولي

نائلة الشقراوي
2019 / 9 / 10

قبل أن أقرأ قصائد ديوان الشاعرة راضية الهلولي وأشرق العشق الصادر عن دار المنتدى كنت اتهيأ لتصنيفه ضمن شعر الومضة لكنني فوجئت بعد أن أتيت على قراءة كل القصائد انها خارج التصنيف ، وأن جنسها الوحيد هو الشعر الذي يغريك حتى وأنت تتسلح بمجهرك النقدي لتبدأ التحليل والتشريح بأمر غريب وهو ان تخفت الأضواء وتترك ادواتك النقدية جانبا لتقرأ ،لتحب ولتستمتع ،ليس سهلاً ابدا على إمرأة ناقدة ان تمنع عن قلبها الضعف وتترك عقلها فقط يتعامل مع النصوص ،انا اليوم بعد قراءة الديوان امراة عاشقة بعد أن أشرق العشق في شراييني وتسربت إليه أحبار القصائد فسحبت منها القدرة على المقاومة ،انا اليوم سأحكي عن القصائد التي قرأت كما لم أكتب من قبل أي بعيدا عن التنظير ،لأني سعيدة ،سعادة بحجم كل حروف الديوان الذي كتبته إمرأة تونسية وشاعرة رقيقة مثقفة ليكون تيمة عشق نوراني لا يمكن ان يكتبه إلا صوفي اقتدى بدين ابن عربي (أدينُ بدين الحب أنى توجهت رَكائِبُهُ فالحُبُّ ديني وإيماني) .ان الشعر في جوهره مشاعر واحاسيس .الشاعر فقط قادر الى تحويله الى صور حية تشبهه أو تشبه غيره وان أصدق الكتابات هي ما تكتبه الروح العاشقة التي تتماهى مع الوجود فتكون أساس الجمال وذاك كان محتوى الديوان و هدف الشاعرة من الشعر وهو هدف حدده من قبل أحد الفلاسفة (يراد من الشاعر حسن الكلام، والصّدق يراد من الأنبياء ) وراضية الهلولي كتبت في ديوانها 76نصا ما بين الومضة والقصيدة وكل المكتوب كان عبارة عن خمرة تعتصرها الكاتبة من روحها العاشقة لتزداد ولها عساها ترتقي لتتحد مع الذات المعشوقة وهذا نهج الصوفية في العشق الذي كلما استفحل كلما خفت الروح و حققت حلولها بالمعشوق فغدت الروح واحدة تقول الشاعرة (أحببتك جدا وجدا وجدا إلى ان تساويت مع الروح ،واليوم ابعدك جدا وجدا وجدا واعرف اني أعدم الروح ) ،وبما ان كل النصوص تجربة روحية خالصة فإن الأنا تظهر جليا بين السطور لكنها ليست الأنا الذاتية
بل ما عبر عنه نيتشة ومن بعده رولان بارت بذاتية اللاذات بمعنى ان القصائد ليست سيرة ذاتية لقلب البطلة بقدر ماهي مفهوم وجودي ينتهي الى خلاصة ان الشعر تسابيح وان العشق عبادة تنتهي بصاحبها الى مرحلة المعرفة الكبرى والتي عبرت عنها الشاعرة بالنبوة حين قالت ( حين عرفتك بلغت سن النبوة) المعرفة والنبوة مفردتين دالتين على نوعية المناخ الشعري للشاعرة مناخ طقسه واحد عبرت عنه الشاعرة بالربيع الأزلي ، ولم يكن الربيع الا مرحلة زمنية تلت ما كابدته من شوق وخوف وبكاء وزهد في غير المحبوب الى ان انتهت في الأربعين نبية .الأبعون هي سن النبوة كما هي سن النضج في الحياة في الادب وحتى في التفكير الذي يجنح الى التعقل والتبصر . تستعمل الشاعرة كثيرا من المفردات المأخوذة من المعجم الديني (تقوى ،تسابيح ،صلاة الحج ،العذاب ،اللهب المودة ،الرحمة) وتعتمد التكثيف في أسلوب الكتابة عبر اختيار ذكي للمفردة واقحامها ضمن السياق ليصبح المعنى هو الضامن للدهشة بعد اكتمال الصورة الشعرية وهذه من خاصيات كتابة الومضة وتعتمد في بعض الأحيان على التناص مع القرآن لتكون وفية لنفس الروح التي تكتب بها ومدارها ،كأن تقول(وقضى ربك ألا اعشق إلا إياه وبمشاعري إحسانا ) .هذه اذن الأنا العاشقة للشاعرة التي تتحكم بنشرات قلبها وتوجهها الى الأعلى الى سماواتها الطباق حيث تندس المعاني الواضحة التي تخاطب القلب وتبحث المعاني المضمنة لها عن رائ يكشف خباياها ويمنحها اجنحة اكبر تنهي بها التجربة أو تزيدها عمقا ..