الحداثة الغائبة والتحديث الريعي

محمد دوير
2019 / 9 / 10

حينما دخلت مصر مرحلة التحديث منذ 200 سنة تقريبا، لم يسبقها عملية فصل ثقافي وقطيعة معرفية ونقد للواقع والتراث الذي تقف عليه . وبعد عدة سنوات وقعت تحت الاحتلال الانجليزي ولم تخرج منه سوي علي ايدي حكم العسكريين الذي استمر حتي الآن. وطوال هذا الفترة لم تجد من المساحة ما يسمح لها بحسم القضايا الخلافية كالديمقراطية والفقه الدستوري والمواطنة ودور الدين في الحياة والخلافة ودور المثقفين والنخبة وحدود العلاقة بين الطبقات ومدي نقائها الاقتصادي واستقلالها ...الخ .
كان من بين أهم هذه القضايا التمييز بين مصطلحي " الأمة" و " والوطن " .. انحاز للأول التيار الإسلامي والقومي والمصري حيث فهم كل منهم الأمة وفقا لمنهجه في التناول.فيما انحاز الليبراليون لمفهوم الوطن وما يعني من دلالات. وحينما شرع الفقهاء القانويين في وضع دساتير البلاد وضعوه وفقا للعقيدة الوطنية وليس الأممية، ولكن الممارسات كانت اقرب الي فكرة الأمة، سواء امة الخلافة أو القومية العربية أو الخصوصية المصرية ذات البعد التاريخي الفرعوني.فحدث انفصان في الشخصية المصرية المعاصرة، حيث يشير الدستور الي شيء ويمارس الحاكم شيء أخر، يتحدث الدستور عن المواطنة ويتحدث الزعيم عن الدولة. يحافظ الدستور علي الفصل بين السلطات، وتسعي السلطات علي الواقع للاندماج تحت العرش الرئاسي .. لا يختلف في هذا المسعي الموالاة والمعارضة . مما يعني أن المجتمع المصري يعاني جدا من " أزمة البدايات " وتدفع الاجيال الحالية ثمنا باهظا نتيجة تقاعس الأوائل في حسم اشكاليات النهضة.. ونتيجة هذا التقاعس أتي الينا كل شيء نبتورا.. فلا انجزنا الدولة بالمعايير الحديثة ، ولا نتجنا مثقفا عضويا بالمعني الايديولوجي أو السياسي، ولا قدمنا نظرية سياسية في الحكم اللهم إلا نظرية حكم الفرد، وبالتالي فنحن لم نخرج بعد من حيث الإقطاع السياسي وان كنا نتحدث لغات ونسكن في بيوت بها احدث ما أنتجته البشرية. وكما قال نزار قباني نعيش قشرة الحضارة ولكن يكمن تحتها مجتمع لا متحضر تسكن في دهاليز عقله كافة أنماط العبودية، عبودية الشعب للحاكم، المرأة للرجل، العامل لصاحب العمل، الموظف لرئيسه ، المثقف للآخر الغربي ....الخ.فكيف يمكن أن نتجاوز كافة هذه العراقيل لإنتاج حالة حداثية تأخرت عن التحديث مائتي عام ؟ كيف نخلق حداثة غابت كثيرا، ونؤطر تحديث يتغذي علي أنماط ريعية وطفيلية؟ هذا هو السؤال المربك الذي تنتظره إجابات مستحيلة.