الأمن القومي وخطورة تغييب الثقافة الذاتية

حاتم الجوهرى
2019 / 9 / 7

أحيانا يجد المرء أنه لا مفر من استعادة مفاهيم قديمة لها وجاهتها وأهميتها في السياق الراهن؛ من هذه المفاهيم مفهوم الأمن القومي ومحدداته التي أصبحت غائمة وغير واضحة الآن في فترة تاريخية شديدة الاستقطابات والتناقضات المحلية والإقليمية والدولية، الأمن القومي المفترض أنه يتكون من مجموعة من المحددات الرئيسية التي تحدد هوية بلد ما ويعبر عن حاضنتها التاريخية والجغرافية، ووفقا له من المفترض أن تنتظم معظم السياسات الفرعية لهذا البلد كخطوط حمراء لا يمكن التنازل عنها..
إنما في هذا المقال سوف أقدم مقاربة تربط بين الأمن القومي وتماسكه ومدى حضوره في ذهن مواطني بلد ما، وبين الثقافة المحلية لهذه البلد وحضور عناصرها المختلفة في مواجهة العناصر الثقافية الأجنبية الوافدة عليها، خاصة العناصر التي ترتبط بالهوية وتتعلق بها، وليس العناصر الإجرائية أو المخترعات التي يمكن دمجها في الثقافة المحلية وهضمها في داخل حاضنتها الحضارية الممتدة والقوية، والقادرة على التطور واستيعاب الجديد والمختلف دون أن يلتهم خصوصيتها.
نقطة البداية في بناء النموذج المعرفي لهذا المقال ستكون الصدمة التي أحدثها شيوع صور ومشاهد حفل الممثل محمد رمضان الغنائي في الساحل، ورد الفعل الذي أثارته ومن ثم الانقسام حوله! كيف أصبح لدينا بلدين ووعيين؟ وعي متشرب بثقافة العري وأغنيات الدافع الفردي والوجود القائم على الصراع والتعالي على الآخرين والانتهازية وهجر فكرة المجتمع والجماعة المصرية بثقافتها التاريخية الموروثة، وهو وعي يسود في شريحة مجتمع الأغنياء الجدد الأكثر ارتباطا بالتعليم الأجنبي ونمط الحياة الغربي وتقاليده، وأيضا في شريحة الفقراء الجدد الأكثر تهميشا والأقل تعليما واطلاعا على المعارف والفنون المختلفة، في مقابل وعي يرفض تلك الثقافة الجديدة بشدة ويتمترس حول تاريخ الذات المصرية/ العربية ومورثها الخاص، وهو الوعي الذي تمثله الفئة الأكثر تعليما والأكثر اطلاعا على المعارف والفنون المختلفة.
سوف أسوق بناء النموذج انطلاقا من قاعدة بديهية مفادها أن حالة الغياب والفراغ لابد أن يقابلها حضور بديل ليسد ذلك الفراغ، حيث نظرية الفراغ والتفكك تستدعي بطبيعة الحال ما يملأ ذلك الفراغ ويشغله، فكل هدم لابد أن يحل محله بناء ما، أي أن كل نقص في حضور عناصر الثقافة المصرية، لابد سيقابله حضور لأحد عناصر الثقافة الأجنبية خصوصا في عالم أصبح في حالة اتصال وتواصل اجتماعي يدعم خلق نمط سائد واحد يقلده الجميع، ومن هنا تكون خطورة هذا النموذج المعرفي على الأمن القومي المصري، ويكون الربط الواضح والقاطع بين الأمن القومي وبين حضور الثقافة وعناصرها وفق هذا النموذج.
حين غابت أغنيات الفلكلور المصري الشعبي وتفككت آليات دعم استمرارها ووجودها في حياة الإنسان المعاصر، هنا كانت لحظة اختراق الأمن القومي من خلال تفكيك البناء الثقافي المعبر عنه، فالثقافة هي كائن حي برغم أنه موروث إلا إنه قابل للتطور والفقد والزيادة والنقصان، وحين أهملت مؤسسات الثقافة المنتسبة للدولة دورها في استمرار النمط الثقافي الوطني وحفظه عبر الآليات والعناصر والممارسات المختلفة، كان ذلك لصالح غزو النمط الثقافي الأجنبي وسلخ الشخصية الوطنية عن تاريخها وحاضنتها الموروثة، ودمجها في النمط الموحد الرائج للثقافة الغربية الجديدة التي صنعها النمط الأمريكي، وذلك في كل مظاهر الحياة اليومية..
على سبيل المثال في سرد العناصر الثقافية المصرية تلك التي تعرضت للتفكيك والغياب واستبدالها بحضور البديل الوافد من الثقافة الأجنبية؛ لنراجع مثلا برنامج الأطفال الأجنبي "عالم سمسم" الذي أذاح أو قام على أثر غياب أو تغييب "بوجي وطمطم"، وبالمثل برنامج "المابيت شو" في مواجهة عرائس "الليلة الكبيرة" وما على شاكلتها، ضياع ثقافة "الشاطر حسن" و"على الزيبق" و"أبوزيد الهلالي" وحواديت البطل القومي بطبقاته المتعددة العربية والمصرية في الوعي المصري في مقابل حضور البطل المسخ "السوبر" الأجنبي، حضور ثقافة المطاعم السريعة في مواجهة غياب ثقافة العائلة وتبادل العزومات المنزلية والود والتزاور..
اضمحلال المسرح المصري وتفكيك صورة البطل في السينما والترويج لصورة المهرج والتأكيد على تحويله لنموذج سائد، وتهميش البطل الجماعي الذي يهتم بالجماعة والصواب والخطأ، تنحية الأدب القومي والاعتزاز بالذات وقضاياها ورموزه العربية لصالح أدب ما بعد الحداثة الوافد والتفكيك والوجود الذاتي المنعزل عن الهم العام والترويج للمشاريع الفردية، ووضع ممثلي الأدب الوافد على رأس المؤسسات الثقافية الرسمية، والتدليس على الناس بان ذلك باسم التنوير والتحديث في حين كان ذلك لصالح تفكيك الذات المصرية ومستودع هويتها وعناصرها الثقافية، مع تقديم عناصر متطرفة منفرة لترتبط في ذهن الناس بنموذج الثقافة الذاتية للشخصية المصرية، وكأن الناس عليها أن تختار من محدود ولا توجد له بدائل أكثر منطقية وفطنة في التعبير عن هوية الذات المصرية وثقافتها.
الثقافة ليست إرثا ثابتا فقط بل تتحرك مثلها مثل غيرها عبر آليات لصنع النمط الاجتماعي والإنساني أو تفكيكه، حيث الثقافة الوطنية وعناصرها هى المكون الأساسي لحائط الأمن القومي والحارس له، لك أن تتخيل القدرة على الاستقطاب الفردي أو تشكيل الرأي العام في ظل حضور أو غياب الثقافة الوطنية، إذا نزعت من الإنسان الثقافة الوطنية وفكرة القيم والأخلاق والمبادئ تصبح ذاته الفردية الجائعة باستمرار هى المحرك الرئيسي، الذات التي يمكن غوايتها بالمال أو النساء أو الجاه، أو حتى شغلها بالهامشي واللا مبالاة وتحويل المجتمع إلى جزر منعزلة متناقضة متصارعة تأكل بعضها بعضا دون رابط أو وعاء جامع مشترك، وإذا نزعت من الوعي الجماعي ثقافته الوطنية أصبح ذلك الوعي مجردا من التزامات مستودع هويته، لا تمثل بالنسبة له شيئا على استعداد أن يتنازل عنها في مقابل المزيد من مزايا "الدمج والتسكين" الاجتماعي والمادي والرفاهية الفردية.
في هذا النموذج المعرفي الذي أسوقه للعلاقة بين الأمن القومي والثقافة في هذا المقال؛ الثقافة الوطنية الموروثة هى المحدد الأول والأخير لمفهوم الأمن القومي لبلد ما، وإذا لم نشرع في استعادة وإعادة توطين عناصر التراث الثقافي المصري في حياة البشر وتفاصيلها اليومية، وفي "المنابر العامة" التي تشمل وسائل الإعلام والسينما والخطاب السياسي وكافة ماكينات مؤسسات الثقافة من فنون وغناء وشعر ومسرح ورقصات شعبية، فإن أى محاولة للحديث عن الأمن القومي تكون محض مزايدات لا طائل من ورائها.
العلاقة وثيقة بين الثقافة الوطنية الموروثة الجامعة وبين الأمن القومي لبلد ما ينتمي لحاضنة جغرافية و تاريخية متمايزة، تفقدوا كل دروس التاريخ... هناك علاقة قاطعة بين تماسك مفهوم الثقافة الوطنية لجماعة ما من الناس، وبين استمرار وجودها الحضاري، وحين يتفكك مفهوم الثقافة الوطنية لجماعة ما فإن وجودها القومي والسياسي ينهار وقد يندثر أو يمر في أفضل الفروض بلحظات ضعف وتراجع حضاري!
الحضارات وتمددها وانكماشها والتدافع التاريخ كله، قد يعد علاقة بين الثقافة الوطنية وتماسكها أو تفككها وانهيارها، نماذج الغزو والاستعمار أو التمدد الحضاري ذاتها تقوم على فكرة تماسك الهوية الثقافية لجماعة ما، وإذا تفككت تلك الهوية الثقافية ولم تستطع احتواء الأرض الجديدة في لحظة ما، فإن الغزو ينهار لصالح ازدهار ثقافة أو مزيج ثقافي جديد من الأمة التي كانت خاضعة..
إذا لم نستطع أن نتخيل مقاربة أو مسارا ثقافيا حضاريا جامعا لانتصار الذات العربية/ المصرية ومستودع هويتها، في ظل التدافع الحضاري مع المشاكل ومحاولات الهيمنة والكبح الإقليمية (الصهيونية) والدولية (الغربية)..، فمهما غرقنا في التفاصيل لن تنتظم وتحقق انتصارها.
لكي أختم النموذج المعرفي بالحل المقترح له؛ سأقول اختصارا أن الازدواج في الموقف تجاه محمد رمضان وما شابهه من ممارسات غزت الحياة اليومية للمواطن المصري خلال العقود الماضية، مرده تباين المستوى التعليمي والمعرفي والثقافي، لذا سيكون جناحا استعادة الذات المصرية وثقافتها وأمنها القومي هما نظام تعليمي حكومي جديد أكثر اتاحة أمام الفقراء، يصحبه برنامج معرفي ثقافي ينزل بمؤسسات الثقافة الرسمية للشارع، ويدمج العناصر الثقافية في ممارسات الحياة ويتيح القراءة والمعرفة وممارسة الفنون والآداب أمام الفقراء.. لتصحيح النموذج لابد من إتاحة العليم والثقافة والفنون أمام الفقراء، وفي الوقت نفسه التدخل بالضبط في مدارس التعليم الأجنبي ومناهجها والثقافة والفنون التي تعرضها كذلك ودمجها في الثقافة الوطنية.
إتاحة التعليم والثقافة هما السبيل لخلق مجتمع مصري متجانس، يستعيد هويته التاريخية وكامل مستودعها ويملك الإرادة للدفاع عنها، ومن خلال الحوار المجتمعي ستتشكل آليات التمكين الاقتصادي العادل لهذا المجتمع المتجانس ونخبه وكتلته الجامعة الأقرب لمستودع الهوية ذلك، وعند اجتماع التعليم والثقافة والتمكين الاقتصادي العادل، يكون المجتمع قد وصل للحظة النموذجية في مفهوم الأمن القومي المستقر عليه تاريخيا وفق التصور والنموذج المعرفي الذي أطرحه هنا، هي دعوة لمراجعة مفهوم القومي الراهن ومراجعة دور المؤسسات الثقافية الراهن أيضا.