ما مدى الجدية في اخراج قوات الاحتلال الامريكي من العراق ؟

سعد السعيدي
2019 / 8 / 29

تنويه : المعلومات الواردة في المقالة حول الاتفاقيات المعقودة مع الامريكيين قد استقيتها من كتاب فؤاد الامير المعنون (آراء وملاحظات حول الاتفاقية الامنية المقترحة بين العراق والولايات المتحدة) الصادر عام 2008 ، ابتداء من الصفحة (105). ومن كتاب الموازنة المائية في العراق الصادر عام 2010 ، الصفحة (7). ويمكن تحميل كليهما من الشبكة.

عند نهاية كانون الاول 2018 وخلال زيارته الى قاعدة عين الاسد في الانبار اعلن الرئيس الامريكي خلال خطبة له عن انسحاب قواته المحتلة في سوريا. وقد حدد في نفس الخطبة وجهة القوات المنسحبة وهي العراق. لاحقا توضح بان ما سماه ترامب بالانسحاب لم يكن في حقيقة الامر الا اعادة انتشار لقواته المقاتلة تلك. إذ تمركزت هذه في قواعد في الاقليم وفي قاعدتي عين الاسد والحبانية في الانبار.

وقد اثار اعلان وصول القوات الامريكية المنسحبة الى العراق وانتشارها في القواعد المذكورة الغضب الشعبي منها. ومع هذا بعض ردود الافعال لدى السياسيين الذين تظاهروا بالغضب والاستنكار. ثم صاروا يعملون لتصريف هذا الغضب دون تكليف انفسهم عناء القيام باي شيء لاخراج تلك القوات. إذ كانوا يرفلون بالازمات في مجلس النواب. فمفاوضات تشكيل الحكومة كانت في ازمة وكذلك تلك المتعلقة بالميزانية. وقد جرى افتعال صراع مع المنظمات المدنية حول تشريع قانون من الدورة الماضية. فبعد بعض المطالبات اللفظية في البداية بدأت هذه بعد بضعة شهور بالخفوت. ثم في نيسان الماضي لم نعد نسمع شيئا. بهذه الطريقة تمكن اعضاء المجلس غير الموقر من اضاعة الوقت دون التوصل الى اي شيء ولتبقى القوات الاضافية في مكانها.

للتوضيح ، فإن نقل قوات احتلال الى العراق من اي مكان خارجه عدا عن زيادة اعدادهم فيه يعني تغيير طبيعة تلك الموجودة اصلا من استشارة وتدريب كما تدعيه دائما وتصر عليه الحكومة الاتحادية الى قوات مقاتلة. وتشارك قوات الاستشارة والتدريب هذه في العمليات العسكرية على رغم النفي الرسمي للامر. وصفة التدريب والاستشارة لمحاربة الارهاب هي ما يلجأ اليها المسؤولون الاميركيون في كل مرة لتبرير تواجد قواتهم المحتلة في العراق. فهل ان من ضمن الاتفاق مع الامريكان لمحاربة داعش مثل هذا البند القاضي بتحول العراق في اي وقت يريده هؤلاء الى موقع ايواء خلفي لقواتهم المحتلة ؟ هذه القوات هي امتداد لتلك التي في جيب التنف السوري التي ترسل الارهابيين في جميع الاتجاهات. من اهداف هذا الجيب هو عرقلة الاتصال البري العراقي السوري وادامة النفوذ والابتزاز الامريكي في المنطقة. التساهل مع بقاء قوات الاحتلال هذه القادمة من سوريا في العراق معناه ان الحكومة ومعها مجلس النواب تكذب علينا عندما تقول ان العراق لن يسمح باستخدام اراضيه للاعتداء على دول اخرى. للتوضيح فإن عدد قوات الاحتلال الامريكي الموجودة في العراق حسب اجابة رئيس الوزراء الى مجلس النواب بتاريخ 11 آذار الماضي هو حوالي 10 آلاف جندي لغاية كانون الاول 2018. وقال في الرسالة انه لم تحدد فترة لبقاء تلك القوات حسب اتفاقية الاطار الاستراتيجي (بغداد اليوم في 5 ايار 2019).

لكن ما هو الاساس الذي سمح بموجبه لهذه القوات من القدوم الى العراق ؟ بصفة ماذا قد اتت واستقرت فيه ؟ إن امورا مثل هذه لا تترك للصدف حيث يلاحظ تكتم حكومة عادل زوية حولها. ويساهم بعض اعضاء مجلس النواب معه بالتضليل وذلك بالاشارة بشكل سريع ومبهم الى اتفاقية (سوفا) الامنية. ويسميها البعض الآخر باتفاقية محاربة داعش. للتذكير فاتفاقية (سوفا) هذه هي تلك التي وقعت عليها العام 2008 حكومة المالكي رغم معارضتها وقتها من قبل كل العراقيين. وكانت هذه الاتفاقية محددة بفترة زمنية معينة وهي ثلاث سنوات ينتهي بعدها العمل بها بعد التوقيع عليها إن لم يجر تجديدها (نص الاتفاقية من كتاب الامير ص (241)). وعدم التجديد كان يعني سحب قوات الاحتلال الامريكي من البلد. وهو بالضبط ما حصل حيث واجه تجديدها مقاومة شعبية شديدة كما يتذكر الجميع. في هذه الحالة يكون السؤال المنطقي هو كيف جرى اعادة إحيائها بعد انتهاء العمل بها وبأية شروط جديدة ؟ وما سبب تكتم مجلس النواب عليها مثلما فعل قبل عشرة سنوات ؟

الجواب على هذا السؤال هو الاتفاقية الاخرى المسماة باتفاقية الاطار الاستراتيجي (يمكن تحميلها من شبكة المعلومات). ففي هذه الاتفاقية في القسم الثالث توجد اشارة على العمل بموجب الاتفاقية الامنية. إذ جرى يومها التفاوض على الاتفاقيتين في وقت واحد. هكذا بهذا الشباك المبتكر جرى تأمين (اعادة) العمل بهذه الاتفاقية التي ما زال يرفضها كل العراقيين بعدما جرى اخراجها من الباب. الدليل الآخر على ان الكلام يجري فعلا حول هذه الاتفاقية الامنية وليس غيرها هو اشارة ترامب خلال زيارته الى إنفاقه مالا على قاعدة عين الاسد في نفس اعلانه عن انسحاب قواته. كذلك فهناك الكلام الذي كشف في الاعلام مؤخرا حول امر السيطرة على الاجواء. فالإنفاق على اية قاعدة عسكرية هو طريقة اخرى للاعلان عن إنشاء مبان جديدة فيها او توسيع اخرى قائمة. ولا يمكن فهم التوسيع في اية قاعدة إلا بكونه يهدف الى استقبال قوات اضافية تضاف الى الموجودة اصلا. عدا هذه فيوجد موضوع الولاية القضائية التي منحت لقوات الاحتلال. كل هذه النقاط مذكورة في بنود اتفاقية (سوفا) الامنية فقط. يلاحظ في هذا الشأن وكأن ثمة اتفاق بين الحكومة ومجلس النواب على تعمد التضارب في التصريحات. فالحكومة تشير فقط الى اتفاقية الاطار الاستراتيجي في تصريحاتها بينما يشير بعض اعضاء المجلس الفاسد الى الاتفاقية الامنية. وتستنكف كلتا الجهتان لضرورات التجهيل والاستغفال عن التوضيح وتتظاهران بالبلاهة. وهذه الاخيرة هي مما يلجأ اليه هؤلاء من الاعيب لتجنب المساءلة الشعبية.

كذلك فعندما يعاد العمل باتفاقية مثل هذه فانها تنزل رأسا تحت طائلة قانون المعاهدات الدولية. إذ انها تكبل البلد بالتزامات غير مقبولة وتؤثر على الوضع الاقليمي بشكل كبير. والتصديق عليها لا يمكن ان يتم دون قيام مجلس النواب بمناقشتها اولا بجلسات علنية مع نشر بنودها كونها منتهي العمل بها ومرفوضة بالكامل من قبل العراقيين. والمصادقة على المعاهدات الدولية تتطلب موافقة نسبة ثلثي اعضاء المجلس حسب القانون آنف الذكر. فلما لم تحصل هذه المناقشة او حصلت لكن بالسر وصودق عليها مع ذلك ، فلن يكون هذا إلا خيانة للامانة وحنث بالقسم النيابي.

في اتفاقية الاطار الاستراتيجي يوجد تحديد آخر فيها في القسم الاول. في هذا القسم وعنوانه مباديء التعاون حدد عدم استخدام الولايات المتحدة للعراق كمنطلق لشن هجمات على بلدان اخرى. لكن القوات التي سمح لها بالقدوم من سوريا الى الانبار هي غير شرعية لتكون على هذا قوات احتلال واعتداء. ويصبح العراق في هذه الحالة قاعدة ايواء خلفي لهذه القوات ، مما يحوله شئنا ام ابينا الى قاعدة للعدوان. وهذا خرق آخر للدستور وحنث آخر للقسم النيابي والدستوري. وهو ما يعرفه كل السياسيين لكن تعمدوا الصمت حوله والتظاهر بالبلاهة.

اريد ان استرعي الانتباه الى نقطة مهمة. وهي ان كلتي الاتفاقية الامنية والاطار الاستراتيجي غير مصادق عليهما من قبل الكونكرس الامريكي وقتها قبل عشر سنوات بعد التوقيع عليهما. وتكونان بالتالي غير ملزمتين للامريكان. اي لا تلتزم هذه الامريكا بايّ مما الزمت به نفسها في الاتفاقيتين تجاه العراق. اي ان في الامر خداع. فلما لم يصادق عليهما هناك لماذا توجب علينا المصادقة عليهما والالتزام بهما عندنا ؟ غير واضح في هذا السياق موقف نفس هذا الكونكرس من اعادة العمل بهما لاحقا وإن كان ما زال على موقفه السابق. كذلك فاتفاقية الاطار على عكس الاتفاقية الامنية ، غير محددة بفترة زمنية. ولو انه قد جرى طرح الاتفاقيتين في مجلس النواب لكانت قد توضحت لنا الامور. لكن يبدو ان ثمة من لم يرد لنا معرفة ما يدور في البلد ويكون بالتالي غير جاد في إخراج من اعيد اليه.

ما يثير العجب في كل هذا الموضوع هو عدم اعتراض قادة المتطوعين على تواجد المحتلين الاميركان في العراق وتكاثرهم فيه. إذ ان ردودهم اللفظية ترتفع فقط عند تصاعد الضغط الشعبي عليهم او تعرضهم لإحراج ما. ولو انهم كانوا جادين لكانوا قد اعترضوا على اعادة العمل بالاتفاقية الامنية مع شروطها المجحفة مع قدوم اولئك الغزاة منذ ان اعيد طرحها في مجلس النواب ، او اخراجهم منذ انتهاء المعارك مع داعش ، وعملوا على الغاء اتفاقية الاطار إياها. وإلا فما تكون فائدتهم في بلدنا في هذه الحالة هم ومجاميعهم المسلحة وممثليهم النيابيين ؟ انهم بهذا قد اثبتوا بانهم آخر من يمكن الاعتماد عليه في هذا الموضوع. النتيجة هي ان كل هذه الزمرة متفقة على إبقاء قوات الاحتلال هذه حيث هي لخدمة مصالح جهتهم الداعمة. وهذه الاخيرة تستخدم البلد كورقة مساومة وتفاوض متى ما تطلبت مصالحها.

على الارض نجد الترجمة الحرفية لانعدام الجدية لدى قوات المتطوعين في التعرض للقوات الغازية. فمن ضمن هؤلاء توجد الاذرع الايرانية المسلحة التي تتظاهر بحرصها على امن البلد. لكنها لا تشكل في الحقيقة إلا ظواهر صوتية واستعراضات كلامية فقط. إذ يتذكر الجميع كيف اطلقت احداها التهديدات وتوعدت بعد حادثة البغدادي في كانون الثاني 2018 حين قصف الامريكان رتلا لمسؤولين محليين ، لكن لم نرى لها بعدها اي فعل. بعدها تعرضت إحداها الى قصف في القائم ، ولم نرى بعده اي رد. وبعد زيارة ترامب لقاعدة عين الاسد جرى التوعد بانها لن تمر دون عقاب. ولم نرى تنفيذ شيء من هذا الوعيد. ثم قد تكررت عمليات قصف القوات الامنية آخرها قصف موقع للشرطة الاتحادية في نيسان الماضي ولم نرى لهذه الاذرع اي رد فعل. وسيتكرر نفس الامر مع احداث قصف المخازن العسكرية الاخيرة. ان هذه الاذرع هي مجرد ادوات استعراض كلامي فارغ. وهي غير جادة بطرد قوات الاحتلال من البلد. وهي ، اي الاذرع تتلاعب بمفهوم الدفاع عنه. وطرد المحتلين سينهي مسلسل قصف المواقع العسكرية. إلا ان ثمة مصالح تمنع طردهم. وهذه تتمثل بالحاجة الماسة لهؤلاء في ادامة الفساد. والفساد هو القاعدة التي تعتمد عليها هذه الاذرع وغيرها للبقاء. هذه المصالح هي كما يرى اهم من الرد على حوادث القصف التي تتعرض لها هذه الاذرع ومصالح البلد. وهي تكتفي بدل الرد عليها بالتحول الى ظواهر صوتية واستعراضات كلامية فقط. وتكون بالنتيجة انها ككل الاطراف الاخرى المذكورة في هذه المقالة غير جادة في إخراج تلك القوات.