النمط الاجتماعي المصري وبطل محمد رمضان وبطل السقا

حاتم الجوهرى
2019 / 8 / 29

مؤخرا تحول الممثل المصري محمد مضان لموضع جدل ونقاش حاد بعد الصدى والانتشار الشعبي الواسع الذي حققته المسلسلات الدرامية والأفلام السينمائية التي شارك فيها، خاصة بعد المشاهد المستفزة التي تصدرت صورها وسائل التواصل الاجتماعي لحفله الغنائي الذي أقامه الجمعة الماضية في الساحل الشمالي، وتعالت الأصوات بالغضب المعلن والمطالب المتزايدة بالتصدي للظاهرة التي تفشت شعبيا بشكل واسع، والتحمت مع العديد من السلوكيات الأخرى المستهجنة التي طرأت على الشخصية المصرية في السنوات العشر الأخيرة تحديدا بعد ثورة 25 يناير..

من الفرق المستقلة إلى المهرجانات
في الأصل مثلا الأغاني التي أصبحت تعرف بـ"المهرجانات" كانت في البداية ترتبط بالفرق المستقلة او "الأندر جروند"، التي كانت تقدم الفن في مصر تأثرا بأصل الظاهرة الغربي كنوع من الاحتجاج والتعبير عن الأفكار المغايرة للسائد الاجتماعي وكانت تتصف لحد كبير بالرقي المغلف بروح التمرد، لكنها مع الوقت تحولت لفكرة المهرجانات والتأثيرات الإلكترونية على صوت المغنيين، وتحولت لطقس شعبي يتم ممارسته في الاحياء الأكثر تهميشا وفقرا والأقل تعليما وثقافة واطلاعا، وتلقفها سائقوا المواصلات الصغيرة والمتوسطة في مصر (الميكروباص تحديدا)، ليبدأ الصدام عندما ارتطمت تلك الأغاني بآذان الفئات المتعلمة التي كانت على صلة بالفرق المستقلة في بداياتها وما يصدر عنها..

تطور صورة البطل المتكيف
أعتقد أن شيوع صورة البطل التي يقدمها محمد رمضان هى استعادة لصورة البطل "المتكيف" السلبي التي كانت سائدة قبل ثورة 25 يناير التي أسس لها الصعود السينمائي لعادل إمام منذ السبعينيات، ربما نعتبر أن آخر محاولات التعبير عن التغيير دراميا أو أحد أبرز محطاتها كانت مع مسلسل "الطرف الطرف الثالث" الذي وضع المجتمع المصري أمام العديد من تفاصيل إدارة المشهد بكل تشوهاته لدولاب الدولة المصرية فيما قبل الثورة، وكان من المفترض ان يكون التطور الدرامي/ الاجتماعي التالي بعد مرحلة المكاشفة (ولنراجع هنا سويا مفهومنا لنظرية الفن ما بين التطهر أوالتسلية أو التحريض والتغيير) هو مرحلة ظهور البديل لذلك الدولاب الذي تم الكشف عنه..

البطل في مسلسل "رحيم"
إنما الذي حدث أن المسار الدرامي انقطع ويمكن أن تكون ذروة الانقطاع الدرامي أو أحد تمثلاتها الأبرز مع مسلسل "رحيم"، الذي أعطي المشهد صورة التأكيد على دولاب عمل الدولة المصرية القديم ، وأنه لا بديل له وأن النجاة أيضا سوف تكون عن طريق دولب العمل نفسه، من هنا ظهرت أزمة البطل بوضوح في الصورة الذهنية عند المشاهد والمتلقي المصري .. وذلك مربط الفرس ونقطة بناء النموذج ورصد النمط الاجتماعي وارتباكه في هذه المقال..
مسلسل "رحيم" مثل حالة خاصة لنموذج فردي بالمجتمع المصري.. شريحة صغيرة تحولت لنخبة سائدة ومسيطرة وفق ظروف خاصة مشوهة، لكن "رحيم" لم يقدم نموذجا للسلوك الفردي على مستوى قدرات المواطن البسيط يمكن له أن يتبعه، من هنا ظلت مساحة البطل الشعبي القادر على إعطاء النمط الغائب تمثله الأبرز غير موجودة أمام القطاع العريض من الناس، ظلت في حالة غياب ... وتنتظر من يشغلها.

البطل في نموذج أحمد السقا
بالمثل هنا يمكن الإحالة لنموذج البطل الذي كان يقدمه "أحمد السقا"، باستعراض نماذج البطل التي قدمها أحمد السقا في معظم أفلامه قبل الثورة أيضا، نجد أنه كان يقدم قصصا أو حالات خاصة لبطل انتصر من خلال حلول فردية مبتكرة لا يمكن تعميمها واستقبالها بسهولة من خلال الصورة الذهنية الجمعية للمتلقي المصري الشعبي أو الأقل تعليما وثقافة، أحمد السقا قدم صورة البطل صاحب الحلول الخاصة سواء في طريقة حياته داخل مصر او خارجها في أفلام مثل: مافيا- أفريكانو – المصلحة – شورت وفانلة وكاب.. وغيرهم، أو يمكن القول أن أحمد السقا خاطب أيضا الفئة نفسها التي كانت تخاطبها الفرق الغنائية المستقلة، خاطب الفئة المتعلمة ذات الطموح التي يمكن أن تختبر هذه الحلول الفردية خارج مصر و داخل مصر، لكن ظلت الفئات الأقل تعليما والأقل حظا في الثقافة والاطلاع من الصناع والحرفيين وسائقي عربات الأجرة تبحث عن بطل خاص بها..

معادلة هنيدي بين الأخلاق والشعبية
محمد هنيدي بدوره لم يحقق كثيرا لهذه الفئة رغم أنه في بعض أفلامه حاول التعبير عنها، لكنه ظل ممسكا بعض الأخلاقيات والقيم في أفلامه، ربما لم تجد لها القبول لدى الفئات الأقل تعليما.. لذلك ربما ظل هنيدي يتأرجح في مكانة بين استمرار صورة لبطل المتكيف الفاسد في أفلام عادل إمام، وبين بحثه عن بطل شعبي جديد يقدم معادلة خاصة بين الأخلاق والمثل والواقع، إنما ظل النمط الاجتماعي المرتبك فيما بعد 25 يناير عائقا أمام نحت ذلك النمط الاجتماعي وتحققه للبطل الذي سعى محمد هنيدي، لتقديمه في خلطته بين الكوميدي والساخر والأخلاق لدى الفئات الأقل تعليما.

كاريكاتورية بطل أحمد حلمي
أحمد حلمي بدوره قدم صورة كاريكاتورية في المعظم للبطل الذي يقدمه في أفلامه، حاول التعبير عن البطل المهمش لكن معظم اختياراته كانت حلولها غير قابلة للتعميم، أقرب للفانتازيا ولفت الانتباه أو السخرية ولتأكيد على صورة كاريزما البطل الساخر المهمش، دون نمط سلوكي واضح غالبا يمكن أن يثبت في أذهان الفئات الأقل تعليما وثقافة..

ما بين "رحيم" و"الطرف الثالث"
لذا يبدو أن الظرف والسياق الاجتماعي في العموم مهد الطريق لمحمد رمضان لكي يقدم صورة البطل التي عجز السقا وهنيدي وحلمي عن العثور عليها أو التأسيس لها فيما قبل الثورة، ويبدو أيضا أن النمط الاجتماعي المأزوم لثورة ما بعد 25 يناير كان يبحث عنه هو أيضا، فالبطل الذي تم تقديمه في مسلسل "رحيم" كان حالة خاصة، وفي "الطرف الثالث" لم تقدم الدراما الانتصار الواضح لنموذج البطل الذي قد يحسب على الدعوة على الإصلاح والثورة على الظلم في مواجهة النمط القديم، بقدر ما سلطت الأضواء وكشفت عن الكواليس الخفية الصادمة لدولاب الدولة المصرية القديمة..

ظهور بطل محمد رمضان
هنا استطاع محمد رمضان بصورة البطل البلطجي المشوه عاري الصدر المتكيف، الذي يملك المبرر لانحرافه القيمي للحصول على حقه أو الانتقام أو الترقي الاجتماعي..، أن يشغل النموذج الغائب للبطل في فترة ما بعد 25 يناير، أعتقد أنه قدم المواصفات والاشتراطات كافة المسكوت عنها لمجتمع ما بعد الثورة لدى القطاع الأقل تعليما وثقافة.. مجتمع الأزمة وغياب القوام الواضح لفكرة مركزية، فهو المجتمع الذي لا الثوار أخذوا الفرصة فيه لتنفيذ تصورهم عن مجتمع الأخلاق والفرز العادل الطبيعي للمجتمع المصري، ولا الدولة بمؤسساتها تحملت المسئولية السياسية الاجتماعية حتى بشكلها القديم كما في دولة مبارك، ولا الأحزاب الأيديولوجية استطاعت تجاوز فكرة الفرز التنظيمي او الأيديولوجي للتتعامل مع المجتمع ككل وتجاوزت آليات إدارة التناقضات، وقدمت شكلا ما من الوجود في الحياة العامة قادر على التواصل مع القطاع الأعم من الشعب المصري المهمش أو الأقل تعليما وثقافة وإطلاعا.
يبدو أن المجتمع المصري تحول لمفهوم البدائية القديم وغياب الضوابط الحضارية المتراكمة الكفيلة بتسيير شئون أفراده وفق قوعد متعارف عليها، لذا بدا نموذج القوة والبلطجة والذاتية والفردية براقا خاصة أمام الفئات الأقل تعلما، ويمكن في هذا السياق تفسير العري وكشف الصدر أو النصف الاعلى من الجسم الذي يمارسه محمد رمضان، فهو عودة للبدائية والغرائزية واستعراض القوة الجسدية المجردة في مجتمع تائه مأزوم لم تأخذ القيم والمثل مكانها الواضح فيه بعد..

صورة البطل المضاد
أعتقد أن محمد رمضان هو أحد التمثلات التي يبحث عن النمط الاجتماعي في دولة ما بعد 25 يناير، أو يمكن القول أنه التطور الطبيعي أو التمثل الطبيعي لمحصلة العوامل المشوهة التي حضرت في مجتمع ما بعد الثورة، أعتقد أن محمد رمضان هو حالة اللا ثورة وحالة اللا دولة، هو صورة البطل المضاد، فإذا كانت الثورة طالبت بالبطل التقليدي او البطل التاريخي بصفاته المستقرة التي تشمل الخلاق والقيم والمثل، فإن حالة الردة المسكوت عنها شعبيا لم تجد له أفضل تمثل وتعبير عن تيهها بين المثالية الثورية الغائبة والواقعية المجتمعية الحاضرة..

القبح رسالة مزدوجة وصادمة
هل يكون القبح رسالة لطرفي التدافع في مجتمع ما بعد ثورة 25 يناير؛ بين الثوار أوالحراك الشعبي المستقل غير المنظم وغير الأيديولوجي وبين النظام القديم ومؤسسات الدولة ، يمكن القول أن الطرف الأول الذي هو الثوار أو الحراك الشعبي أبدى اعتراضه بشدة على تفاقم النمط الاجتماعي الذي يمثله محمد رمضان، في حين لم يتقدم الطرف الثاني/ الدولة بمؤسساتها الثقافية والسياسية والإعلامية والأكاديمية بإبداء موقفه الواضح من ذلك النمط الاجتماعي، خاصة وأنه المفترض أن السينما والدراما هى واحدة من أبرز عوامل تشكيل الرأي العام وتوجيه النمط الاجتماعي ككل.

بحثا عن تطور اتجاه وطني مؤسسي
لابد من الخروج من أزمة إدارة التناقضات وتأجيج الاستقطابات التي وقعت مصر في شركها بعد تفجر حلم الثورة والتغيير، لابد من تطور اتجاه وطني جديد في مؤسسات الدولة المصرية يتحمل المسئولية السياسية ويحمل عبء استعادة روح الهوية المميزة للشخصية المصرية، إذا لم يتطور نمط اجتماعي واضح لصورة البطل أمام المشاهد والمتلقي المصري في العموم وخاصة الطبقات المهمشة الأقل تعليما والأقل ثقافة، فستظل ثقافة القطيع والقوة والبلطجة والمجتمع الحيواني الغرائزي بما تحمله من عري واستحضار مظاهر القوة البدائية حاضرة وفاعلة..
على مؤسسات الدولة العاملة في صياغة وجدان الشخصية المصرية وثقافتها الآنية والمتجددة الوعي بآليات صنع وتشكيل النمط، على مؤسسات الدولة أن تعمل بفكرة التجاور وتعدد الأنماط كإطار للحرية، لكن ذلك في ظل وجود تيار رئيس يهتم بتشكيل واستعادة الصفات التاريخية للشخصية المصرية وصورتها النمطية في الدراما والإعلام والواقع أيضا..

العري والثقافة البدائية والحيوانية
العري الذي أرهقنا به محمد رمضان ليس إلا استعادة للثقافة الحيوانية، ثقافة الجسد كقيمة في مجتمع تاهت فيه القيم الأخلاقية وقيم الضبط القانوني والاجتماعي التاريخية، المسئولية على مؤسسات الدولة العاملة في الثقافة والإعلام وإجمالا كل أدوات تشكيل الرأي العام، بداية من صياغة وتحرير نشرات الأخبار اليومية في نشرات الصحف، مرورا بالنمط الأدبي المشوة عن التشيوء والفردية وخراب العالم الذي دعمته المؤسسة الثقافية منذ التسعينيات، وكذلك تجاوز صورة البطل المشوه المتكيف التي قدمها عادل إمام في السينما، ومحاولة استعادة صورة البطل التاريخي المصري وتغيير الصورة النمطية له عند الناس، مع اعتماد "سياسات عامة" لمؤسسات الدولة تتبنى خطابا جديدا في تعاملها مع المواطن المصري يقوم على الضبط الواضح والمهني وغياب تأثير العوامل الشخصية تماما، مع الاهتمام بالتعليم والمعرفة وإتاحتهم وربط المنظومة التعليمية مهنيا بسوق العمل، واعتماد آلية شديدة المرونة في تحريك الأعداد المقبولة سنويا بين التخصصات المختلفة وفقا لاحتياجات السوق، وربط مكتب تنسيق الجامعات ورغباته الأولى بالأماكن الأعلى طلبا في سوق العمل كل عام..

"السياسات العامة" كمزيج مدمج لتشكيل الشخصية المصرية
والخطر القومي الناعم والخشن

نحن في حاجة لاستعادة الاجتهاد في مفهوم "السياسات العامة" لمؤسسات الدولة المصرية كمزيج مدمج لتشكيل الشخصية المصرية وصورتها الذهنية مجددا في مخيلة الناس، وربط ما هو ثقافي بما هو تعليمي بما هو إعلامي بما هو مهني بما هو بيروقراطي مؤسسي منضبط بما هو سياسي كخطاب، نحن في حاجة لاستعادة روح الثورة المصرية وتجاوز سياق التقاطبات وصناعة التناقضات، وشق السبيل نحو استعادة وخلق الشخصية القومية من خلال الفرز الطبيعي لأفضل العناصر في المجتمع، وإعطاء الكتلة الجامعة للقيم المصرية الفرصة لإعادة تشكيل النمط السائد وسبكه مجددا، وتحويل آليات "الدمج والتسكين" كسلطة مركزية إلى المهنية والموضوعية بعيدا عن فكرة الاستقطاب وصناعته وإدارة التناقضات، التي إذا استمرت بهذه الطريقة ستتحول إلى خطر شديد يهدد الأمن القومي المصري (والعربي بالتبعية)، من خلال تفريغ وتشويه الفرز والبناء الطبيعي للمجتمع المصري ليكون ضعيفا في مواجهة أي حرب قادمة أو محاولة احتلال أو غزو ناعم أو خشن..
مع الوضع في الاعتبار أننا بالفعل في حالة فراغ وتيه ثقافي منذ التسعينيات ومخترقون بشكل ناعم يستوجب اليقظة في مواجهة الآخر ودعاة الاستلاب الثقافي له، والخطر القومي الأعظم قد يكون عند التحول للمواجهة الخشنة وضعف الجبهة الداخلية وغياب مفهوم المقاومة الشعبية والأبنية المكونة له في مواجهة أي عدوان محتمل، الأمن القومي يبدأ من البناء الاجتماعي الصلب، وذلك هو ناقوس الخطر، فلسفة أو سياسة "إدارة التناقضات" وتفكيك المجتمع المصري خوفا من استعادته لروح لروح الثورة مرة أخرى، يجب استبدالها بسياسة عامة جديدة أو فلسفة جديدة تقوم على استعادة السلم واللحمة الاجتماعية وتجاوز التناقضات، وإطلاق يد الفرز الطبيعي في بناء التراتب الاجتماعي المصري، وتحويل آليات"الدمج والتسكين" لفكرة المهنية والموضوعية، وتفعيل مكونات "مستودع الهوية" المصري بطبقاته المتعددة، واستعادة الدور المصري التاريخي داخل حاضنته الجغرافية التاريخية في المنطقة العربية بالشمال الأفريقي والجانب الأسيوي منها..
ذلك إن أردنا استعادة الحلم العربي وبناء الشخصية المصرية مجددا والعمل من أجل اللحمة الاجتماعية العربية والمصرية مرة أخرى.