10دق تكفي..للروائية رفيعة بوذينة، الرواية الجاهزة للتصوير

نائلة الشقراوي
2019 / 8 / 27


عشرة دقائق تكفي العمل الروائي الأول للشاعرة رفيعة بوذينة باللهجة العامية واعتماد اللهجة التونسية في الكتابة صار الموضوع الحارق الآن، فهناك اراء تدعو الى الوقوف ضد هذا التيار المهدد للغتنا العربية و هو ما جعل الروائية الناقدة وحيدة المي تطلق على هذا النوع من الكتابة ،صفة المسخ ،ولعل الاصوات المناهضة للكتابة بالعامية على جانب من الصواب لأن لغتنا العربية في خطر حقيقي نتيجة تدني مستوى التعليم وتهميش البرامج لها .فهل استطاعت رفيعة بوذينة اقناعنا بجدوى تجربتها بالعامية في رواية 10دق تكفي ؟
الرواية تأخذنا الى ضفاف زمانية ومكانية متعددة كل ضفة موجها مضطرب يعلو ليلتحم بالضفة الثانية في تناغم نجحت الكاتبة في أن تجعلنا في عمقه نحيا التعاطف والتأثر مع البطلة وحتى البطل تلك الشخصية المكثفة الذي من المفروض ان لا يكتسب تعاطف القارئ ،التعاطف قيمة اقحمتنا فيها الكاتبة عمدا لأنها وهي تكتب الرواية كانت تدرك جيدا انها تحكي قصة تتكرر كثيرا في المسلسلات كما في الواقع وهو ما يحيلنا على القول ان الكاتبة جهزت سيناريو كاملا لعمل تلفزي تونسي ولا ينفع حينها ان يكون بالعربية .الرواية في مستوياتها القصية لم تقف عند سرد احداث عادية عن امراة احبت وعشقت بتفان زميلا لها خير ان يتزوج ابنة جهته وغدر بالحبيبة وخذلها ليلتقيابعد 19 سنة فيتجدد الشغف وتتقد نيران الحرمان بفتيل الحب ويبعث فيها حياة وحماسة لتصبح الأستاذة المتزنة شخصية مختلفة مجازفة تفتح أشرعة قلبها للعشق خارج أطر الزواج دون أن تفكر بالزمن ولا بالموانع ،سناء البطلة تنسى الامومة وحذر نساء التعليم امام شعور أنثى تجاوزت الأربعين وهي في حرمان عاطفي ،امراة يعود ماضيها فجأة وهو أكثر جمالا مما كان فتحضنه وتهبه الزمن الحاضر في غفلة متعمدة للعقل .ليس الحب والفشل به ومحاولة استرجاعه والقدر الظالم دائما للأحبة سوى فكرة بالرواية تمتد منها عدة مواقف تمررها الكاتبة بذكاء وتحكم كلي بتوزيع الأحداث وتشابكها في تداخل للماضي بالحاضر تعبر عنه الشخصيات بالحركة والقول كما تتحكم جيدا في الحبكة فلا تختلط الأحداث ببعضها أو ملل وهذا ما يتماهى كثيرا مع تقنيات الكتابة السينيمائية التي تصور الأحداث كمشاهد مختلفة الزوايا هدفها الأول شد الانتباه والتحكم في العقل والمشاعر ،فمن خلال تلك الفكرة المعقدة وقصة الحب صورت الكاتبة بالتوازي تفاصيل حياة الأستاذات المغتربات في الجنوب و اختياراتهن الفاشلة بعيدا عن توجيه الأهل أو رقابتهم ،اعلنت رفضها القِيمي لعودة علاقة البطلة ببطل خائن ،أكدت على اهمية الصداقة في حياة المرأة العاملة ،لمحت كثيرا ان الفقر العاطفي في حياة الأنثى قد يجعلها تقع في المحظور، وإلى ضرورة التكافئ الفكري بين الأزواج ،ابدت موقفها من الثورة "واش قلبت ها الثورة من عباد واش غيرت من ناس واش فرقت اخوات من نفس الدار" ومن سياسة الحكام بعدها وتبعيتهم لتركيا "قالو شراتو تركيا ،وهي تركيا خلت حاجة مشراتهاش" .كل هذا سرد بلهجة تونسية قريبة جدا من العربية تزداد تأثيرها على القارئ عندما تبدأ الروائية في التغزل بالأماكن ،بتونس ومعالمها بالناس وقيمهم المحببة،وهذا ربما الدافع الذي جعل رفيعة بوذينة تكتب بالعامية فهي أرادت ان تكتب عن تونس الجميلة من خلال أبطال مثقفين تغلب عليهم اناقة المظهر والسلوك رغم انتمائهم للطبقة المتوسطة في إشارة منها ان مخزون الجمال بتونس كبير وهو يكمن في قلوب ابنائها في طريقة كلامهم وفي الجبال التي تحرسهم والأشجار التي تطعمهم وتظلل عليهم ،التفاؤل بالرواية كان تضمينا وتلميحا رغم النهاية السيئة للبطل بل ان النهاية نفسها لها رمزية واضحة فالبطل الأنيق الوسيم الذي تحول بعد الثورة إلى جسد اخواني يهدده المرض الخبيث، لابد ان ينتهي بالموت حسب رأي الكاتبة طبعا في إشارة منها ان تونس الحياة لا تقبل بهؤلاء وسيدفن ماضيهم وحاضرهم .ان الكتابة بالعامية اختيار لابد معه ان نعي انها ليست استسهالا وانما تجديدا وضرورة في محاولة لتقديم الأفضل الذي رأينا دلائله المتعددة في 10دق تكفي لولا تكثيف الكاتبة من الجمل الفرنسية لسلمنا بأن العمل أجمل بكثير فنيا واسلوبيا وهو بالعامية بما يجعلنا نقر بنجاح فكرة الكتابة بالعامية.