الدعوة لزيارة القدس والنماذج المعرفية التطبيقية

حاتم الجوهرى
2019 / 8 / 17

بداية أشير إلى أن مفهوم "النماذج المعرفية التطبيقية" أقصد به تقديم المعرفة في مجال الدراسات الإنسانية، في أشكال ونماذج تطبيقية تستخدم في مختلف نواحي الحياة العامة للدول ومختلف سياسات مؤسساتها، وألا تنحصر الدراسات الإنسانية والثقافية في نطاق ما هو نظري وجدلي ومتخصص في أقسام الجامعات بمعزل عن المجتمع والحياة الذي مفترض أنه لب الغرض من الدراسات الإنسانية..
من هنا أنتقل إلى خبر منع نائبتين برلمانيتين أمريكيتين من أصل مسلم من دخول "إسرائيل" كلها وليس القدس فقط كما كان مقرر، وفي السياق ذاته أشير إلى الخفوت التام للدعوة المصرية التي تبناها البعض مؤخرا لزيارة القدس باسم المقاومة الشعبية! ليتبقى كشف العلاقة بين مفهوم "النماذج المعرفية التطبيقية" الذي أشرت إليه، وخبر منع النائبتين الأمريكيتين وفي الوقت نفسه خفوت دعوة بعض المصريين لزيارة القدس!
الحقيقة أن العلاقة بينهما هي لب هذا المقال؛ ففي حينه حينما خرجت الدعوة من قبل البعض لتنظيم زيارات مصرية للقدس باسم المقاومة الشعبية ودعم القضية؛ رددت علي تلك الدعاوي ردا منطقيا باستخدام ما أسميه "النماذج المعرفية التطبيقية"، حيث قلت أن إسرائيل إذا سمحت في البداية بتلك الزيارات فسيكون من أجل أن تروج لنفسها كواحة للديمقراطية من جهة، ومن جهة أخرى ستروج بهذه الزيارات ضمنيا لمشروع التسوية او التصفية المعروف بـ "صفقة القرن"، ثم انتقلت في النموذج المعرفي للحالة الأخرى وقلت أن إسرائيل والصهيونية سوف تقوم بمنع وإيقاف تلك الزيارات إذا تحولت لحالة عامة أو إذا لم تستطع ان توظفها لصالحها، وفي الحقيقة أن حالة النائبتين الأمريكيتين أثبتت صدق النموذج التفسيري الاستشرافي الذي قدمته.
ففي البداية أعلنت النائبتان عن نيتهما الزيارة دعما لفلسطين وبنية زيارة المسجد الأقصى والقدس، ولم يشمل برنامج الزيارة المعلن مقابلة أي مسئول إسرائيلي، وبحجة الديمقراطية كان من المقرر أن تمرر "إسرائيل" الزيارة بعد منعهما من زيارة القدس والمسجد الأقصى، لكن تطور الأمر بتدخل ترامب شخصيا ضد الزيارة حتى أعلنت إسرائيل إلغاء الزيارة نظرا لما ستسببه من أضرار لها، باعتبار النائبيتن –وفق أحد القوانين هناك- تدعمان حركة المقاطعة بما يبرر منعهما من زيارة إسرائيل.
هنا يصبح الأمر جليا، العلوم الإنسانية والسياسية ليست للتداول داخل قاعات المحاضرات فقط وبالندوات وعلى صفحات الجرائد والمواقع الإخبارية، إنما الهدف الأساسي منها هو أن تتحول لنماذج تطبيقية قادرة على استشراف المستقبل واحتمالاته أمام الدول ومؤسساتها، فقد كانت حجتي الأبرز لإيقاف تلك الدعاوي وربطها بتاريخ المقاومة الشعبية المصرية والعربية، هي أن المقاومة الشعبية تعد خط الرجعة الأخير الذي يلجأ له المفاوض العربي والمصري، فإذا ضاقت به السبل أمام الضغوظ الدولية والإقليمية بتناقضاتها الراهنة، فإنه بكل بساطة يمكن ان يفتح المسارات أمام نبض الشارع ليقول كلمته المعروفة -طبعا- في مواجهة تلك الضغوط، ويصبح خطر انفلات الشارع أداة ردع امام المصالح الأجنبية في البلاد العربية، مع احتمالية تعرض شبكة العلاقات والمصالح الدولية المستقرة لخطر التفكك والأزمة، ونبهت لخطورة اللعب بورقة المقاومة الشعبية في ذلك السياق.
في السياق نفسه لأزمة التناقضات الحالية في بعض المؤسسات المصرية خاصة العاملة بالمعرفة والثقافة والعلوم، وغياب الإرادة الفاعلة والفهم الواضح لدور المستقبلي المنوط بها، تجدر الإشارة إلى أنه هناك أحد المراكز العلمية المهملة التابعة لوزارة الثقافة، الذي من المفترض أنني كلفت منذ أكثر من أربعة سنوات بمشروع تفعيله والإشراف عليه، وهو "المركز العلمي للترجمة" بهيئة الكتاب، ولقد وضعت له مشروعا طموحا ليقوم بتغيير الصورة النمطية لمصر والعرب عبر "الترجمة العكسية" للآخر..
عبر استكتاب الباحثين من اجل تقديم خطاب عربي جديد يقدم وجهة النظر العربية للآخر فيما يتعلق بقضايانا المصيرية وترجمته للغات العالم، وقدمت بنفسي النموذج لما يجب ان تكون عليه هذه الدراسات حينما قدمت ردا مكتوبا على الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، في تبنيه لفلسفة "الصهيونية الوجودية" في كتابي الحاصل على جائزة الدولة في العلوم الاجتماعية..
على أن يقدم المركز أبحاثا ودراسات تطبيقيه لما يترجمه من/ إلى الآخر في سياق مفهوم "التدافع الحضاري" لمنطقة الشرق الأوسط وعلاقتها بالعالم وشق الطريق وسط شبكة المصالح المتداخلة، لكن بعد مرور أكثر من أربع سنوات الآن مازال المشروع محلك سر، ربما عن جهل بفكرة "النماذج المعرفية التطبيقية" والقدرة على تغيير الصورة النمطية، وأهمية ان يكون لدينا "THINK TANK" يحول المعرفة النظرية إلى نماذج تطبيقية وسيناريوهات وسيناريوهات بديلة لاستشراف المستقبل ورصف الطريق إليه، أو ربما البعض تحول لفكرة الذاتية المجردة وتصور أن بعض كراسي المسئولية السياسية ليست سوى للوجاهة وأنه ليس بالإمكان أحسن مما كان، البعض الذي يشغل من الأماكن ما لا يملك المؤهلات له ويقف أمام الصالح العام بحجة البقاء منفردا في الصورة، وعدم ثقته بنفسه وفي قدراته الشخصية على العمل في بيئة مفتوحة وفي أجواء حارة متدافعة تعلي من شان البلاد ومصلحتها، لكن إلى متى؟
أقولها وأعلنها عالية؛ مصر المستقبل ليست ثقافة الندوات والكرنفالات ورطانات ما بعد الحداثة التي تأسست في التسعينيات والمستمرة حتى الآن، وليست المؤتمرات الأكاديمية النمطية وشبكة تبادل المصالح بالجامعات التي هى ظل ولا شيء آخر لثقافة التسعينيات وسدنتها، أعتقد أن الوقت قد حان لبعض المهنية وإعلاء الصالح العام للوطن والبلاد، وتجاوز حقبة التاقضات التي كان تعتمد على متوسطي القدرات والمهارات، لأن الملفات المفتوحة والموضوعة أمام المؤسسات المصرية متداخلة للغاية، وإذا لم تدار بفهم ووعي لفكرة التشبيك والنماذج المعرفية التطبيقية لاستشراف مسارات المستقبل، فستدفع البلاد الثمن غاليا لأننا مقبلون على أوقات صعبة..
الصهيونية ستحاول الضغط بقوة والاستفزاز والقفز للأمام واستغلال فترة ترامب، في ظل تكسر مشروع الصفقة خاصة بعد التحول الجذري في الموقف المصري المعلن أخيرا أثناء زيارة جاريد كوشنر والوفد المرافق له، وهو ما ظهرت بوادره في يوم العيد إزاء المصلين في المسجد الأقصى، وهى الممارسات المستمرة إلى الآن، والمرشحة مع غيرها للتصاعد بما يستوجب البقظة والمزيد من المهنية والعمل العلمي الجاد والمكثقف، لمواجهة التحديات المحيطة بالبلاد والمنطقة ككل.