نصوص الزعيم اللونية.. موسيقا صامتة

عمر مصلح
2019 / 8 / 13


احمد الزعيم.. فنان تشكيلي من طراز خاص، له نصوص لونية مشفوعة بلغة موسيقية يحاول فيها ان يخلق ثنائية مرئية مقروءة لتوصيل قضاياه بشكل جمالي مبهر.
وقبل الولوج إلى عالمه هذا علينا.. أن نعرف بأنه من مواليد 1979 في بغداد ودرس الرسم في معهد الفنون الجميلة ثم أكمل دراسته في كلية الفنون الجميلة التابعة لجامعة بغداد، وهو الآن تدريسي في معهد الفنون الجميلة / قسم الفنون التشكيلية / فرع الرسم.
إنتشرت أعماله في لبنان وتركيا ومصر وبلجيكا ولندن واسبانيا، ويحظى بقبول كبير.
ساتناول أعماله مبتدئاً بالتكوين
ألتكوين:
الذي هو ـ كما هو معروف ـ تنظيم وترتيب العناصر في العمل الفني، إذ هو نظام بنائي تحكمه قواعد المنطق الوصفي من علاقات الأشياء، رغم أن الفن الحديث يؤكد على ابتكار أسس مختلفة عن ما هو في الواقع.
والزعيم هنا ماهى هذه العلاقات واشتغلها بإسلوبه المتفرد.
وعوداً على استهلالنا أقول أن فناننا أكد على إقامة أكثر من علاقة في تكويناته، إذ هناك من يؤكد على العلاقة الوثقى بين اللون والصوت.. ولو تأملنا ما ورد في المصحف الشريف "سورة يوسف" ( ألآن حصحص الحق ) إذ جاءت كلمة حصحص عن لسان " زليخة " إذ لم تقل ظهر أو بان الحق، بل قالت حَصْحَص، وهذه المفردة غير واردة فيما سبق وما لحق شعراً أو رواية أو حكاية أو ملحمة.. إذاً هناك قصدية واضحة، ومفادها أن المعادل اللوني الكيمياوي للصوت الفيزياوي هو إن حرفَي الحاء والصاد هما أسخن الألوان، لتأكيد عمق المعنى الدلالي.
ومن هنا أنطلق لتأويل استخدامه للألوان الساخنة وتقريبها من الألوان الباردة بجرأة وأناقة فرشاة.
فاللون الأحمر المهيمن على أغلب لوحات فناننا هو لون دافىء وإيجابي، يدل على روحٍ رائدةٍ وقيادية، ويُعزِّز الطموحَ والعزيمة، إذاً هو لون الطاقة والعاطفة، ويدل أيضا على قوة الإرادة ويمنح الثقة والنشاط، ويرمز للحرب والغضب.. فوظّف فناننا هذا اللون بمقاربة من اللون الأزرق المعروف بأنه لون بارد يشير إلى الثقة والمسؤولية، ويرمز هذا اللون إلى الصدق والإخلاص وتعزيز الاسترخاء الجسدي والعقلي، ولا يفضل أن يثير ضجةًّ أو يحصل على لفت الانتباه، ومن منظور علم النفس يدل اللون الأزرق على الأمن الداخلي والثقة بالنفس كما أنَّه يسعي إلى السلام والهدوء.
وهذه مقاربة قد لا يستطيع الكثيرون على موازنتها وانسجامها، إلا من يتمتع بموهبة كبيرة ومهارة وخبرة وخيال خصب، وكلنا نعلم أن الموهبة هي تكاتف الخلايا المخية المختصة بالخيال المنتج. وهنا علينا تأمل هذه المفارقة فحين يتخندق الطهرُ المنبثق من رحم معتم، خلف ستار ساخن تتشكل علاقة قلقة لا يقوى على انسجامها إلا من هو برتبة فنان يمتلك مساحات شاسعة من التخيل..

وفي حوار كان بيننا ( أنا والزعيم ) ذات يوم قال:
عليَّ أن أكون مختلفاً.. فالواقع لا يحتمل النسخ، وهنا أجده قد أكد عبارته بنصوصه اللونية لتتوثب علامات الإستفهام, والتعجب.. للتجمهر في المكان, تتبعها مسافات من الصمت, ليتكوّن لحناً بالغ الأسى، وما سكتاته ـ حسب اعتقادي ـ إلا عقد هدنة مع القلق..
حيث أن عين الترقب تحصي الفقدانات بأمل مثلوم.. فما أشبه ذلك بالإنكسار.. وحين ينكسر الضوء.. تتسرب العتمة، وتنعم الخفافيش بالتحليق.

إذاً هناك أسلوب خاص.
والأسلوب:
هو طبيعة رؤية الفنان للواقع والانسان وكيفية اقامة العلاقة بينهما وفق ضوابط واشتراطات يقترحها الفنان، ومن خلاله تتأسس المذاهب والاتجاهات.
وأقولها بكل ثقة أن أحمد الزعيم سيكون رائداً بتأسيس اتجاه متفرد.
وفناننا استطاع محاكاة الطبيعة والمواقف بعملية تقليد غير تقليدية بعيداً عن النقل الحرفي، بل من خلال صور مغايرة.
وألمحاكاة:
هي تفسير للواقع والحقيقة وفق إسلوب خاص.
المحاكاة كما جاء في كتاب " الشعر " لأرسطو
" المحاكاة ليست مجرد نسخ وتقليد حرفي ، وانما هي رؤية إبداعية يستطيع الشاعر بمقتضاها ان يخلق عملاً جديداً من مادة الحياة والواقع، طبقاً لما كان، أو لما هو كائن، أو لما يمكن أن يكون، أو كما يعتقد إنه كان، وبهذا تكون دلالة المحاكاة ليست إلا اعادة خلق "
وأحمد الزعيم اختط لنفسه طرازاً خاصاً ليبني عليه العمل الفني، من حيث الشكل أو النمط.
من جهة أخرى نلاحظ هناك تماسكاً إيقاعياً في أعماله، وكأنها جمل موسيقية تتخلها سكتات، ويعتبر الإيقاع فى الفن التشكيلى ظاهرة ديناميكية وليست استاتيكية حيث ترتبط فكرة الإيقاع فى الأساس بالحركة حيث أنها ترديد للحركة بصورة منتظمة تجمع بين الوحدة والتغيير ويمكن تحديد الإيقاع على أنه تكرار لعنصر ما.
والإيقاع أساس من أسس التصميم الذى يظهر فى الحالة الموجودة عليها العنصر المرئى داخل العمل الفنى ويمكن أن يكون الإيقاع البصرى مفاجئاً والبعض الآخر متتابعاً أو متبادلاً، وتعدد الايقاع من خلال التكرار أو التدرج أو التنوع أو الاستمرار.

بؤرة النص:

للزعيم نظرة ثاقبة وعين ثالثة مبصرة ترى ما لا يراه الإنسان البسيط، حيث يخلق مقتربات لطرق مختلفة ومتعاكسة تتحد في الغاية وتختلف بالاتجاه، وهذه مجازفة كبرى تودي بمن يتطرق إليها بالتهلكة إن كان محدود الرؤيا.. .

فلو تأملنا جل أعماله لتأكدنا من قضية هذه البؤرة، إذ هو يحاول جاهداً أن يوصل نقطة جمالية بعيدة من خلال نص لوني ومرتكزه نقطة الإنطلاق، أي أنه ينطلق من عمق الأزمة، ومن ثم يشظيها بصور متناثرة، حيث يؤكد على قضية وينثر النتائج، وهذا وعي متجاوز.. فحين يشير إلى النتائج هو قد أشار إليها كسبب.

إذاً.. هو يثير السبب والنتيجة، ولكن بإسلوب بريختي الذي يعلن النتائج قبل السبب الكامن في روح النص.

ثريا النصوص:

ليس هناك عنوان تقليدي لأي نص لوني لهذا الفنان، إذ هي قضايا في قضايا، وسكتات في لحن لا يكتمل إلا بها، وكأنها ـ للقارئ البسيط ـ مفردات لونية ليس إلا، أما من وجهة نظر النقد الذي يفرز الغث من السمين.. تراه منتهى الوعي وباذخ التوصيل.

ألمتن:

فكرة مهمة، وتراث مشهود له، وقظايا كبرى، وثنائية تفكير بين الحقيقة والواقع، وبين ما كان ومايحدث، ورؤية مستقبلية لما سيكون.

كل هذا وأكثر سيجده متابع الزعيم من خلال نصوصه اللونية وألحانه الصامتة، ولا أقول ذلك جرافاً، بل لدي أدلة دامغة على إدانته بالحب في زمن أرعن.. حب الوطن، وحب الذات، وحب الآخر، وحب الإطلاع، وحب الميتافزيقي.

إذاً.. فناننا الزعيم صوفي ولكن من نوع آخر.

خاتمة النص:

مشاهدة لاتنتهي ومتعة كبرى.

وكان بودي أن أستشهد ببعض لوحاته إلا أن المكان لايسمح يذلك.. عمرماً أنا أدعو كل المتابعين لتأثيث ذائقتهم بالجمال من خلال متابعة هذا الفنان الثر.