رواية (السوارية) ح3 _1

عباس علي العلي
2019 / 8 / 13

حي ضايف

ضايف رجل قروي بسيط يملك عربة يجرها حصان وفد للمدينة كغيره من خارجها وسكن خلف الثانوية بمساحتها الواسعة جدا، في أقصى غربها مجاورا لبستان نخل يحد المدينة شمالا ليفصلها عن سواها ولتكون حدود ما يسنى بالقصبة، كان الوصول إلى منطقته أشبه برحلة في مستنقعات وجزر يختلط فيها الوحل مع الماء الأسن الذي تحول لونه بين الأخضر والأسود، منطقة متروكة ومعزولة بعد أن هجرها ما كان يزرعها لبعد الماء عنها وارتفاع نسبة الملوحة فيه، تشجع بعد ذلك البعض من الفقراء من سكنة السوارية من أن يرحلوا إليها وبالقرب منه ليشكلوا نواة للحي الجديد الذي لا يبعد كثيرا عن قلب المدينة.
لم يتوقف الحال عند هجرة المساكين والوافدين الجدد، بل سكن الجزء الأكثر قربا والأكثر جفافا وأرتفاعا بعض الوجهاء والملاكين والتجار، ببيوت فارهة حديثة بقياسات تلك الأيام وعلى نمط ما هو سائد في المدن الحديثة، ذات واجهات هندسية وأبواب كبيرة تحيط بها الأسيجة والحدائق المعاصرة وبمساحات واسعة، لم يكن مألوفا أن تتواجد دور بهذه الصورة والكيفية داخل المدينة القديمة لضيقها تلاصق بعضها مع الأخر، وعدم قدرتها على إستيعاب المزيد من البناء أو تجديد ما هو قائم ورغبة من المترفين أن يكون لهم عالمهم الخاص ومنطقتهم المميزة.
ذاع صيت الحي الجديد فأنتقلت كثيرا من العوائل المتمكنة للبناء والسكن فيه وكأن حمى التجديد أصبحت لازمة أجتماعية لا يمكن تجاهلها أو العبور فوق واقعها، حتى أصبح حي ضايف عنوانا جديدا من عناوين المدينة ومحط أهتمام، لم يكن يعلم ضايف وعائلته أن خطوته للسكن هنا هي بداية توسع للمدينة خاصة وأنه الآن أصبح الوجه الجديد للسوارية ببيوته الواسعة، تم تعبيد شارع الرئيس الذي كان معبدا جزئيا وعلى جانبيه كانت مدرسة العزة من جهة والتضامن من جهة أخرى، ووجود بيوت لبعض كبار موظفي المدينة كمدير البلدية والوجيه المعاصر والأديب والتاجر سيد نوماس الياسري كلها شجعت على أن يكون للمكان سمة خاصة فيما لاذ الفقراء في زوايا الحي، سرعان ما تغير الاسم من حي ضايف إلى الحي العصري ليعطي للمكان قيمة وأهمية بعد أن أكتشف الأهالي أنهم كانوا في غفلة عن ذلك.
في تاريخ المدن دائما هناك زاوية حرجة تنفصل فيها تركيبة الناس، فيبدأ الانقسام الطبقي يأخذ دور الصانع أو الخالق لواقع التجديد، هذا ليس حكرا على المدن الكبيرة التي تميز بصراعها الطبقي أو تخضع له، السوارية تأسست على علاقة طبقية بين المالك والأجير أساسها حيازة الأرض، صاحب الأرض وبالتالي صاحب المال هو السيد وهو الشيخ وهو الذي من حقه أن يعيش بأفضل صورة ممكنه، أما عبيد الأرض والأجراء وحتى حاشيته من المقربين أو الأقرباء ليسوا أكثر من صدى لصوته والصدى دوما إرتداد وليس فعل.
نسي الجميع ضايف وتعلقوا بالعصري لأنهم وأقصد أولئك الذين في قاصاتهم وجيوبهم من المال والجاه لا يمكنهم أن ينتسبوا لفقير، فما عاد أحد يتذكره إلا حين تكون هناك حاجة لعربة وحصان نشيط، كان ضايف ثاني أثنين من أشهر أصحاب العربات السريعة التي تنقل أكياس الشلب من القرى للخانات أو للمجارش، هو و (علكم الدبي)، فيما أشتهر ثلاثة أخرون بعرباتهم التي تجرها الحمير (نعيمة) و (سيد عباس) و (سيد عبود سيد حمد)، الفرق بينهم أن أصحاب العربات التي تجرها الحصن أكثر نشاطا وسريعي الحركة حتى في أبسط الأشياء، فيما الثلاثة الأخرون تميزوا بالبساطة والهدوء والرقة وكأنهم أجساد تتحرك بلا صوت، هل يعقل أن لأخلاق الحيوان أثر على صاحبه أو أن من يختار الصاحب لا بد أن يكون مناسب له وعلى ذات الطبع.
تغيرات مكانية كثيرة رافقت توسع حي ضايف فقد أنتقلت ثانوية البنات الوحيدة في المدينة إلى بناية مدرسة التضامن، فيما أرتحلت الأخيرة لتساكن شقيقتها ومنافستها مدرسة العزة في ذات البناية، طلاب المدرستين كانوا كما هو الآن حال مشجعي نادي ريال مدريد ونادي برشلونه يتشاكسون ويتنافسون على الاسم والمسمى، طلاب العزة يفتخرون علينا بضخامة بنايتهم ووجود قاعة فيها وساحة للعب، وكل كادرها التدريسي من الشباب خريجي دار المعلمين، أما نحن طلاب مدرسة التضامن فنفتخر بكثرة خريجي المدرسة الذين كانوا من أبرز طلاب الثانوية وأكثرهم تفوقا ومنها خرج ابطال الرياضة والرسم في السوارية.
ولادة حي ضايف كان البداية التي رسمها البعض للسوارية وقد أصبحت الآن المشخاب بعد أن جددت شيئا من شبابها، مع أن رنين وموسيقى الاسم الأول أجمل وأكثر وقعا من دلالة الشخب التي يبرر البعض فيها أسم المدينة الجديد، يقولون أن السفن المارة في نهري المشخاب والسوارية تشخب أسماع الناس ومن هنا لا بد أن يبقى هذا الضجيج أو الحركة داخل الماء رمزا لها، في كلا الحالين المدينة أستقت أسمها من الماء أو تعلقت به ولكنها لم تنكره كما أنكر البعض اسم ضايف، والضايف أليق بأهل المدينة وحبهم للضيوف وكرمهم الذي يصل أحيانا للجنون، الضيفة والضيافة والدواوين وغرف الخطار معالم أول وأهم مكان عند أهل السوارية، حتى بيت جدي عندما أرادوا تجديد البيت جددوا غرقة الخطار وكأنها هي كل شيء مهم لديهم.