النموذج التفسيري للصهيوينة الماركسية واليسار الأممي والقومي العربي

حاتم الجوهرى
2019 / 8 / 7

النموذج التفسيري للصهيوينة الماركسية واليسار الأممي والقومي العربي

في أطروحتي للماجستير التي حصلت على جائزة ساويرس في النقد الأدبي وخرجت في طبعتين الأخيرة منها والمتاحة على شبكة المعلومات المفتوحة بعنوان: "خرافة التقدمية في الأدب الإسرائيلي: نقد أسطورة الاحتلال التقدمي"، تناولت عدة قضايا وطرحتها للنقاش والحقيقة أنه يجمعها نسق حاكم أو فكرة مركزية كانت مضمرة غائبة بعيدا في الحاضنة الأوربية للصهيونية، وكذلك في علاقتها بالماركسية ونشأة اليسار الفلسطيني والعربي.
كشفت دراستي تلك عن وجود تيار رئيس لم تسلط عليه الكتابات العربية الأضواء الكافية يسمى تيار "الصهيونية الماركسية" ظهر على يد اليهودي الروسي بيير بيرخوف، وهذا التيار هو قلب النسق المعرفي الذي بنيت عليه النموذج المعرفي التفسيري لمقاربة الصهيوينة ومشروعها الثقافي والفكري حتى اللحظة الحالية، بداية من النشأة وحتى مرحلة ما بعد الصهيونية والموقف الراهن.
كذلك يقوم النموذج التفسيري بمقاربة العديد من مواقف اليسار العربي والفلسطيني وردها لأصلها ومركزها الفكري والتاريخي، حيث كشف النموذج التفسيري الذي قدمته عن علاقة تيار "الصهيونية الماركسية" بالكومينترن ولينين، وكيف اعتبر لينين الصهيونية الماركسية طليعة لمشروع الاحتلال التقدمي في الشرق العربي مشترطا عليهم تعريب الحزب، ومن ثم ينتقل النموذج التفسيري للقول بأن اليسار الفلسطيني هو صنيعة لليسار الصهيوني بتكليف من المنظمة الشيوعية العالمية (الكومينترن).
ويرد مفاهيم وشعارات اليسار الفلسطيني عن التعايش والفرز غير القومي لأيديولوجيا "الصهيونية الماركسية" عند بيرخوف، التي كانت تقوم على مرحلتين المرحلة الأولى تأسيس الاحتلال والمستوطنات في فلسطين على طابع غير قومي يجمع بين اليهود المهاجرين والعرب المحليين، وفي المرحلة الثانية بعد تأسيس مستوطنة الاحتلال التقدمي تلك تنتقل لمرحلة النضال الأممي التنظيمي من أجل تعميم الفكرة الشيوعية من خلال "الكومينترن"..
ويقوم النموذج بتفسير مسار الصهيونية كمشروع للاحتلال التقدمي كلية من بدايته وحتى الآن، من البداية وحتى الانكسار مع قرار التقسيم الذي ضرب المشروع في مقتل، ثم ظهور تيارات ما بعد الصهيونية والاتجاه العبثي والعدمي وشعور العديد من دعاة المشروع بغياب الجدوى وعبث الحياة فيما أصبح يسمى "إسرائيل" بعد أن إنهار مشروعهم للاحتلال التقدمي على الطبعة الماركسية لبيرخوف والكومينترن القديمة، فيوَصِّف النموذج التفسيري معظم تيارات ما بعد الصهيونية بأنها محاولات غير مكتملة لاستعادة بعض أفكار بيرخوف الأولى سواء عن اللا عنصرية أو العيش المشترك أو الفرز اللا ديني والتعددية القومية.
لكن ما أسلط عليه الضوء في هذا المقال هو حوار مصور قابلته بالصدفة للمفكر المصري د.أنور عبد الملك، يؤكد بشدة ما طرحه نموذجي التفسيري لمقاربة الصهيونية وعلاقتها باليسار العربي، ففي هذا الحوار المصور يقول د.أنور عبد الملك أن اليسار الأممي المصري قبل قرار تقسيم فلسطين تأثرا بموقف الاتحاد السوفيتي، في حين تعرض اليسار الوطني والقومي لعملية تصفية لرفضه قرار تقسيم فلسطين، ويحمل حديثه إشارة إلى أن استمرار اليسار الأممي في المشهد واختفاء اليسار الوطني والقومي يعود للدعم الغربي (يقصد السوفيتي) والموقف من الصهيونية.
وهنا بداية يجب لفت الانتباه للتحول في الموقف السوفيتي لمتابعة النموذج التفسيري؛ فلقد انقلب ستالين على مشروع لينين والكومينترن بدعم "الصهيونية الماركسية" كمشروع طليعي ورأس حربة للاحتلال التقدمي في الشرق، ودفعته تناقضات ما بعد الحرب العالمية الثانية وسرعة البحث عن موطأ قدم في مواجهة بريطانيا لدعم المشروع الصهيوني سريعا وفوريا، ولو من خلال قرار تقسيم فلسطين الذي ينهي مشروع لينين القديم عن "الصهيوينة الماركسية" كمشروع للاحتلال التقدمي، فيبدو أن السياسة هنا غلبت على الأيديولوجيا عند ستالين.. لكنه استمر في النهج نفسه الذي اعتبر الصهيونية في العموم مشروعا للاحتلال التقدمي حيث ظل ممثلي اليسار الصهيوني في السلطة حتى سبعينيات القرن الماضي.
حين نعود للفكرة الأساسية من هذا المقال وعلاقة النموذج التفسيري لـ"الصهيونية الماركسية" بالتمثلات اليسارية في العالم العربي ما بين تنظيمات اليسار الأممي (المرتبط تنظيميا بالكومينترن والدعوة للشيوعية كمشروع عالمي منظم ومتصل) وتنظيمات اليسار الوطني والقومي (التي تعتمد على الفرز القطري والقومي لتطبيق النموذج الاشتراكي والشيوعي)؛ سوف نجد أننا أمام مفاجأة سيقدمها النموذج التفسيري (وصرح بها د.أنور عبد الملك في الحوار المشار إليه)، حيث أن الوجود المستمر حتى هذه اللحظة في المشهد –ولو بدرجات متفاوتة- ما زال لتنظيمات اليسار الأممي المدعومة من روسيا/ الشيوعية/ الغرب لأنها مررت الموقف السوفيتي (سواء بمفهوم لينين أو ستالين) ودعمه للمشروع الصهيوني كمشروع للاحتلال التقمي المتخيل! أما تنظيمات اليسار الوطني والقومي فتعرضت للتضييق والتشويه والحصار والبروباجندا المضادة داخليا وخارجيا؛ حتى كاد صوتها أن يخفت تماما أو قارب، والسبب كما يقدمه النموذج واضح أن الدعم الدولي كان للتنظيمات الموالية للكومينترن والداعمة للمشروع الصهيوني بوصفه مشروعا تقدميا يجمع العرب واليهود معا في تصور أممي يخلو من الفرز الوطني والقومي.
في مرارة شديدة يقول د.أنور عبد الملك في الحوار المشار إليه: " الذي صُفي هو القطاع القومي.. الذي أُبقى عليه ولا يزال حتى هذه اللحظة هو الاتجاه الشيوعي الماركسي الأممي الذي قبل الغرب قطبا موجها له: الاتحاد السوفيتي".
أعتقد أننا في حاجة لمراجعات كثيرة لمواقف تم تقديسها والدفاع عنها بشدة بوصفها المواقف التي لا تخطأ ولا يأتيها الباطل أبدا، الارتباط التنظمي بالكومينترن واشتراطات لينين للصهيونية الماركسية ليعتبرها طليعة للاحتلال التقدمي ومن بعده ستالين، كفيلة بمراجعة عشرات المواقف المشوهة وشبكة العلاقات الداخلية والخارجية لتنظيمات اليسار الأممي العربي، في مواجهة تنظيمات اليسار الوطني والقومي الذي دعا لتطبيق النموذج الماركسي بشكل قطري وقومي، خاصة في ظل وجود عدو نائم (أي الصهيونية الماركسية) في قلب الدعوة لتطبيق النموذج الماركسي بشكله الأممي كما كانت تدعو الكومينترن.
لست ماركسيا ولا مع هؤلاء ضد أولئك، ولكنني انتمي للذات العربية ومحاولة البحث عن لحظة مفصلية لاستعادة تفوقها ونهضتها، والبحث عما وراء المواقف والمشروعات التاريخية البديلة التي تقدم مواقفا غير متسقة، وحقيقة أرى أن نموذج الصهيونية الماركسية على الرغم من مرارته وصدمته للكثيرين، قادر على تفسير التشوه في المواقف والأنساق المضمرة للعديد من المفكرين والمثقفين والسياسيين العرب، وعلى مستويات وممارسات ثقافية ومعرفية عدة.
هى دعوة للخروج من قضبان المسارات التاريخية وعنفها الأيديولوجي.. والبحث عن مسارات بديلة، ماذا لو لم يتم تصفية وحصار تنظيمات اليسار القومي والوطني!! ماذا لو تطور مفهومهم ليصنع تصالحا ما مع بقية مكونات "مستودع الهوية" بعيدا عن التعميم الماركسي الأممي خارج مكونات الهوية! هل كانت النماذج المعرفية للهوية يمكن أن تكسر حدة وأزمة نموذج التفسير المادي البحت كرد فعل لأزمة الدين/ الكنيسة في أوربا!
هى مجرد أسئلة يجب أن تٌطرح للنقاش والبحث في المراجعات ومسارات المستقبل أمام الذات العربية في لحظة مفصلية لمواجهة الآخر وهيمنته، لكن علينا أولا أن نعرف من هو ذلك الآخر، ومن هو الـ "النحن"، خاصة ونحن أمام لحظة مفصلية كبرى للنهضة من خلال الثورات العربية في العقد الثاني من القرن الجديد، وفي الوقت نفسه أمام لحظة أخرى للاستلاب والهيمنة من خلال مشروع تصفية القضية الفلسطينية لصالح الصهيونية وشبكة العلاقات الدولية، المسماة إعلاميا بـ "صفقة القرن".







* ملحوظة


رابط كتاب: "خرافة التقدمية في الأدب الإسرائيلي: نقد أسطورة الاحتلال التقدمي"

http://www.mediafire.com/file/4e9n752z6xvjo01/%25D8%25AE%25D8%25B1%25D8%25A7%25D9%2581%25D8%25A9_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25AA%25D9%2582%25D8%25AF%25D9%2585%25D9%258A%25D8%25A9_%25D9%2581%25D9%258A_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A3%25D8%25AF%25D8%25A8_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A5%25D8%25B3%25D8%25B1%25D8%25A7%25D8%25A6%25D9%258A%25D9%2584%25D9%258A.pdf/file

* رابط حوار د.انور عبد الملك كاملا

https://www.youtube.com/watch?v=eJoUJU4BUvM&t=245s&fbclid=IwAR2i23UpQidlVUg3LrpZDOItjwu1bxyuTfQpu38Zxy70OX_qQ2HbCdOB-ow&app=desktop

* رابط التصريح المقصود في الحوار

https://www.youtube.com/watch?v=PqwLWHJANao&feature=youtu.be&fbclid=IwAR1NvOqO0KQ8-2dWA_9dLsYkt530lssBoSBT2k1kwSpfi3879QNS9eJptd4