مفاجأة التصريح الرئاسي بالمرجعية الدولية للقضية الفلسطينية

حاتم الجوهرى
2019 / 8 / 4

مؤخرا خرج الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بعدة تصريحات للوفد الأمريكي الذي زار مصر برئاسة جاريد كوشنر؛ هذه التصريحات رغم مرورها مرور الكرام إعلاميا، إلا أنها قد تعد تحولا جذريا في إدارة السياسة المصرية الخارجية ونقطة مفصلية حقيقة في مستقبلها، وكيفية فهمها لإدارة التناقضات الإقليمية وتوظيفها من جانب الولايات المتحدة وحلفائها، باعتبار هذه التصريحات تقلب المنضدة تماما أمام المشروع الأمريكي لتصفية القضية الفلسطينية المشهور إعلاميا بـ "صفقة القرن".
كما أن هذه التصريحات تأتي لتغلق الباب في وجه المزايدين من "تيار الاستلاب" العربي الذي ظهر في الفترة الماضية، محاولا الترويج للخضوع للآخر الغربي برطانات نظرية وتاريخية وسياسية، كما خرج د.سعد الدين في جريدة "المصري اليوم" –ورددت عليه بالجريدة نفسها- لتبرير القبول بالمتاح من الصفقة، وكما كان يروج د.يوسف زيدان لتفوق الذات اليهودية تاريخيا وتشويه الذات العربية –ورددت عليه أيضا بجريدة الدستور-، وكما حاول البعض أن يجتهد في السياق ليقدم الدعوة لزيارة المصريين للقدس على أنها مقاومة شعبية، ورددت عليهم –في مقالين مؤخرا- موضحا خطورة اللعب بورقة المقاومة الشعبية بوصفها خط الرجعة للمفاوض العربي والمصري وحائط الصد الأخير.
الحقيقة أن التصريحات الرئاسية لها مدلولات عدة في إطار رسم السياسية الخارجية لمصر في الفترة القادمة؛ فطوال الفترة الماضية كان الخطاب الرئاسي وكذلك الصورة الذهنية العامة للقاءات بين مصر وأمريكا تشي بالتبعية والضعف وغياب الحسم والخضوع، لكن تصريحات الرئيس هذه المرة حسمت الكثير مما هو معلق، ووقفت على أرضية صلبة من الموقف المصري التاريخي لحل القضية الفلسطينية..
مركز تصريحات الخطاب الرئاسي التي غابت طوال الفترة الماضية وطرح ترامب لمشروعه لتصفية القضية الفلسطينية ولقاءات القمة بين الرئيسين السيسي/ ترامب، هو ما يتعلق بالمرجعية الدولية والأممية لحل الصراع العربي/ الصهيوني، أي أن مصر تركت ترامب فجاة معلقا في الهواء دون ما يستند عليه، لأن مشروع ترامب في السياسة الدولية –منذ وصوله للسلطة- كان يتمركز حول تفكيك المؤسسات الدولية ومرجعيتها لصالح الصهيونية وإسرائيل علانية (كما فعل مع اليونسكو والعديد من مؤسسات الأمم المتحدة)، لكن التصريح المصري يعيدنا لمرجعية قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ويحسم أمره أخيرا تجاه مشروع ترامب لإدارة التناقضات في المنطقة وتفجيرها لصالح إسرائيل والصهيونية.
لم تتوقف التصريحات المصرية عند هذا الحد وإجمال الموقف العام؛ إنما استفاضت في التفصيل والعودة للثوابت التاريخية تجاه القضية الفلسطينية، خصوصا ما قيل حول العودة لحدود ما قبل عدوان 1967 والقدس الشرقية عاصمة لفلسطين وحل الدولتين..
وتحدثت بعض التغطيات الصحفية نقلا عن مصادرها، عن تأكيد رفض الجانب المصري للخطط الأمريكية المتعلقة بوجود سيناء ضمن مشروع صفقة القرن الأمريكية، كما تناولت التصريحات الموقف من دعوة ترامب الدرامية/ الهوليودية لـ"كامب دافيد" جديدة، حيث اشترط الخطاب المصري أن يكون ذلك قائما على الثوابت العربية والمرجعيات الدولية..
الحقيقة أن الخطاب المصري في مواجهة مندوبي الولايات المتحدة الامريكية ووفدها لزيارة مصر، وضع الكثير من النقاط على الحروف، نتمنى أن تكتمل بتجاوز التقاطبات الداخلية وانعاكاساتها على العلاقات الإقليمية والدولية، تحديدا في الملف الإيراني/ الخليجي وتبعاته، وفي الملفين السوداني والليبي، وقدرة مصر على تطوير خطاب جديد يصنع الجسر بين دولة ما بعد الاستقلال وبين المستقبل، خطاب ينقل الدول العربية من مركزية دور المؤسسة العسكرية القائم منذ فترة الاستقلال عن الاحتلال الأجنبي منذ أواسط القرن الماضي، إلى دولة المؤسسات البيروقراطية المهنية المنضبطة الدور والأداء والواضحة التوصيف الوظيفي.
ربما كان الخطاب المصري الأخير في مواجهة مندوبي ترامب/ الولايات المتحدة نقطة فاصلة في مستقبل المنطقة، شريطة العمل على استعادة اللحمة مع الحاضنة الشعبية ومستودع هويتها، وغلق الباب نهائيا أمام دعاة "الاستلاب" للآخر الغربي و"الانسلاخ" عن الذات العربية، والخطاب الثقافي التابع السائد برجاله منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى اللحظة..
ربما نطمح في أن يتجاوز الخطاب المصري ذلك؛ ويبحث عن فكرة مركزية له تتجاوز أزمة دولة ما بعد الاستقلال وانكسار خطابها القومي، وكذلك تتجاوز المرحلة الساداتية ومرحلة مبارك، وتتمفصل حول حلم تغيير الواقع المصري وتصحيح تراتبه الاجتماعي وتجاوز الاستقطابات وبناء منظومة قيم جديدة ترقى لفكرة "الثورة القيمية"، حقيقة مازال بالإمكان البحث عن فكرة مركزية مصرية جديدة تجمع التفاصيل التي تجري على أرض الواقع، وتنفخ فيها الروح وتمدها بفكرة التشبيك والعقل الجامع..
الموضوعية تقتضي بأن يشيد المتابع بالخطاب المصري الجديد الذي قدمه الرئيس عبد الفتاح السيسي؛ والحلم يقتضي بالمطالبة بالمزيد واستعادة اللحمة الشعبية وتجاوز تناقضات الماضي والسياقات التاريخية المرتبكة، وتبقى القضية الفلسطينية هى ناقوس الذات العربية والمحرك لها متى ظن الجميع أنها قد فارقت الحياة.
وفي هذا السياق لا يفوتني أن أتوجه بالتحية لكل الذين شاركوا في المائدة المستديرة التي نظمتها لجنة الحريات باتحاد كتاب مصر وقمت بإدارتها منذ عام وعدة أشهر تقريبا، حول صفقة القرن وسبل التصدي لها فما تزال توصيات تلك المائدة تصلح كخطة عمل واقعية لاستعادة المبادرة العربية والصمود في وجه محاولات الهيمنة الأمريكية والصهيونية، أقول هذا وأنا أعرف أن المعركة ماتزال مستمرة وأن المحاولات الداخلية والخارجية لم تصل لمحطتها الأخيرة بعد، وأن الطامعين في ذهب ترامب/ الغرب جذورهم قوية للغاية في المشهد الثقافي/ السياسي/ الفكري/ العربي والمصري، ولو برطانات مختلفة وتحت عدة أقنعة حداثية/ تقدمية/ ليبرالية أحيانا، بالقدر نفسه التي تكون رجعية/ سلفية/ أصولية في أحيان أخرى.
إنما البلاد ورجالها تعلم –وفي حينه- متى تقف وتنتفض في وجه كل من يحاول سلبها الحلم، في مستقبل أفضل ومشرق وآمل، وكل من يحاول أن يزين الهزيمة والاستلاب للآخر والانسلاخ عن الذات العربية والخروج عليها.