الإسلام السياسي و طموحات الدولة الإمبريالية

إيمان بوقردغة
2019 / 8 / 1



تنخرط الشمولية الإسلاموية في سياق نظرة تفوقية للجماعات الإسلامية المتطرفة فمنتسبوها يزعمون أنهم الذادة الأنجبون ، والقادة المنتجبون للدولة الإسلامية وهي في الحقيقة نظرة تخفي أطماعا توسّعية تعتمد على التمديد من "حاكمية الله " ,وفق ابتداعهم السياسي المحض ,على البشرية جمعاء.
فالمعنى الضمني الواضح من زاوية النظر هذه أنه لا يمكن أن يتحقّق السلام العالمي دون هيمنة عالمية من "الإسلام "فتندمج هذه الرؤية الإمبريالية المعاصرة في الطابع الدولي القائم على الدين الذي يتطلع إلى إقامة نظام دولي جديد يقوم على المبادئ الشمولية
هذه هي "أيديولوجية الدولانية الجهادية "التي تبناها الإسلام السياسي والتي ينبغي انتقادها بروح التنوع الثقافي و التعددية في إطار نضال الفكر الديمقراطي التنويري الذي يحترم في جذوره سيادة الدول ضد الفكر الشمولي الظلامي الإمبريالي الذي ينتهك سيادة الدول الأخرى.
وتسعى هذه الإمبريالية الإسلاموية لإنشاء "الخلافة على نطاق عالمي." هذه الخلافة ، التي تم تعريفها على أنها "مجموعة من الدول القومية الثيوقراطية التي يحكمها حاكم إسلامي واحد "، من شأنها أن تهدد النظام العالمي ونظام الدول القومية كما هو قائم اليوم ،و كما أنشأهاصلح وستفاليا لأول مرة الذي يعتبر "أول اتفاق دبلوماسي في العصور الحديثة قد أرسى نظاما عالميا جديدا قائما على مبدأ سيادة الدول".
و في هذا المقام نُدرج خطبة لأبي بكر البغدادي قائد تنظيم القاعدة في العراق حيث قال في أوائل صيف عام 2014:
"اندفعوا أيها المسلمون إلى ولايتكم سوريا ليست للسوريين والعراق ليس للعراقيين. الأرض للمسلمين ، جميع المسلمين. هذه نصيحتي لكم إذا تمسكتم بها فسوف تغزو ن روما وتملكو ن العالم ، إن شاء الله. "
وهو الشاهد على الرؤية الشمولية و التوسعية الإسلاموية من أجل الخلافة العالمية المتوجِّهة إلى تأثير الأيديولوجية الدينية في إعادة الهوية الجماعية من الدولة القومية إلى المجتمع الديني في إطار دولة إسلاموية.
على الرغم من أن تنظيم الدولة الإسلامية يتحدى نظام الدول ذات السيادة ، وبالتأكيد سيادة العراق وسوريا ، إلا أنه يمكن القول إنه يتصرف كدولة تخرق سيادة الدول إنه يحكم ملايين من السوريين والعراقيين ، مع مئات الآلاف من الذين يحكمون لدعم الدولة الإسلامية التي يرأسها البغدادي ، الذي لُقِّب بالخليفة.و" لدى البغدادي مستشار رئيسي في سوريا وكبير المستشارين في العراق ، يقود كل منهم محافظين.و هناك تسعة مجالس ، بما في ذلك مجلس القيادة ، ومجلس الشورى ، والمجلس العسكري ، والمجلس القانوني ، ومجلس مساعدة المقاتلين ، والمجلس المالي ، ومجلس الاستخبارات ، ومجلس الأمن ، ومجلس الإعلام. "
فالدولة الإسلامية إذن ليست مجرد قوة عسكرية بل هي تنظيم إداري و سياسي ، يحاول فرض هيمنته لحكم مناطق العراق وسوريا فهل نجحت الدولة الإسلاميةفي أن تكون دولة؟
هل هي دولة وستفالية لها سيادة على حدودها؟
عرّف المفكر الألماني ماكس فيبر الدولة بأنها "منظمة سياسية إلزامية مع حكومة مركزية تحافظ على الاستخدام الشرعي للقوة في إطار معين الأراضي".
بالتأكيد داعش ليست دولة حيث كانت في السابق تابعة لتنظيم القاعدة في العراق واستفادت من الصراع الطائفي والحرب الأهلية في سوريا لكسب الأراضي على جانبي الحدود العراقية السورية.
إن داعش كفرع من فروع الإسلام السياسي و الفرع يتبع الأصل دائما هي ليست كيانا معترفا به من قبل أي حكومة ولا من قبل الشعب الذي يخضع له خضوعا قسرياتحت طائلة التنكيل و قطع الرؤوس واغتصاب النساء و جزر الأطفال.
وهي ليست دولة ذات سيادة تتمتع بسلطة شرعية معترف بها من قبل المجتمع الدولي.
داعش هي" منظمة إرهابية ، نقية وبسيطة." وليس لها رؤية سوى عقْر جميع الذين يقفون في طريق طموحاتها الإمبريالية فعلى الرغم من أن تنظيم الدولة الإسلامية قد يظهر كدولة من ناحية السلوك ، إلا أن هناك أدلة على أن الجهاديين الذين يقاتلون من أجل داعش يشكلون هيئة عبر وطنية.
و نضرب مثلا لذلك ففي محاولة لداعش للاستيلاء على "عين العرب" وهي مدينة سورية تابعة لمحافظة حلب، كان هناك دليل على أن مقاتلي داعش كانوا من أماكن مختلفة مثل تونس و مصر وبلجيكا وتركيا وإيطاليا. حيث يأتي المجنَّدون من جميع أنحاء العالم استجابةً لهوية دينية مخترعَة سياسيا فتتجاوز حدود الدولة القومية ، للقتال ضد دول جديدة ذات سيادة وطنية مع تحديد الأراضي بهذه الهوية. فحتى الأمريكان سافروا للانضمام إلى داعش في سوريا. ففي 23 أغسطس 2014 ، أصبح دوغلاس ماكين أول أمريكي يموت في سوريا أثناء القتال من أجل داعش. وهو شاهد على "أن أعضاء داعش الأمريكيين يسافرون إلى الخارج للقتال بدلاً من التدريب ليكونوا إرهابيين في أوطانهم". وفي نفس سياق اختراع هوية سياسية دينية عبر وطنية تم "تجنيد ثلاثة مراهقين بريطانيين في داعش من قبل مراهق اسكتلندي غادر غلاسكو إلى سوريا في نوفمبر 2013. (كيميكو دي فريتاس تامورا 2015– (نيويورك تايمز )
هؤلاء الأعضاء من داعش الذين نشأت جنسياتهم عن الديمقراطيات الغربية والذين اغتصبوا الأراضي السورية و العراقية منتهكين السيادة الوطنية لهذه الدول يجسّدون سياسة المقاتلين الأجانب الذين يقاتلون ،بدافع أيديولوجية دينية مخترعَة حديثا عابرة للحدود الوطنية "تحل محل الولاء للوطن."
هكذا تظهر الدولة الإسلامية ، كمنظمة دينية عبر وطنية مخترعَة حديثا "لها وسائل عنيفة ورؤية لنظام ما قبل معاهدة وستفاليا" ، وهي تنخرط في سياسة امبريالية بامتياز تلبس ثوب إثبات أهمية المبادئ الدينية في السياسة العالمية. إنها تقدم تصوراً جديداً "لأعمق المستأجِرين لنظرية العلاقات الدولية في السيادة". فداعش تطالب بالسيادة لا بالخلافة وترفض في نفس الوقت المعاهدة التي نشأت عنها "السيادة" كمفهوم حديث وهي معاهدة وستفاليا. فنبقى دائما في سياق سياسة التناقض أوعوارض الإنفصام الإكلينيكي التي شخّصناها عبر البحث في "أدبيات الإسلام السياسي"
فطبقا لتعريف المحامي والقاضي الأمريكي روبرت هوووت جاكسون الدولة ذات السيادة بأنها "سلطة عليا فيما يتعلق بجميع السلطات الأخرى في نفس الولاية الإقليمية ومستقلة عن جميع السلطات الأجنبية ...ليست السيادة والاستقلال ميزتين منفصلتين: إنهما وجهان لخاصية شاملة واحدة : السيادة. "فإن تناقضات الإسلام السياسي الطامح إلى تأسيس دولة اسلامية تتعمّق فتشتدّ مضاعفات الإنفصام الإكلينيكي المشخَّص حيث تدافع الدولة الإسلامية عن وحدة أراضيها وسلطتها العليا بينما ترفض النظام العالمي في وستفاليا الذي أنشأ قيم السيادة " إنه مثل المراهق الذي يطالب بالحقوق ، بينما يتجاهل القواعد والتضحيات التي جعلت هذه الحقوق ممكنة "
. إن الإسلام السياسي يدأب على إعادة تأسيس "الخلافة "، "متجاهلاً تمامًا السلامة الإقليمية والحق في السيادة للدول المجاورة ، وحتى نظام الدول القومية ككل". ومع ذلك ، فهي تطالب بالسلطة والقوة المطلقة على "دولتها" الخاصة ، بناءً على خطوط إقليمية محددة دينياً.
وفي هذا المقام ألمع عالم الإقتصاد والأكاديمي ريتشارد نيلسن إلى أن "هذه السياسة أحادية الجانب لا تكاد تكون اعترافًا بالسيادة على الإطلاق." أي أنها لا تعترف بسيادة الدول الأخرى.
و النتيجة التي قد نخلص إليها هي أن سعي الإسلام السياسي ,بمُتَنَوِّع فروعه و بوحدة أصله و منهجه ,إلى بسط نفوذه على النظام العالمي الجديد عبر اختراع هوية دينية حديثة من أجل "عالم محتمَل "ينخرط في سياسة اسلاموية امبريالية معاصرة تستعمل قوة السلاح العمياء التي بترت دولا مسلمة بالأساس فإن كان الدين في جوهره تصقيلا لسجنجل النفس البشرية يكشف عنها حجب الظلمات الحائلة بينها وبين قيمة الفضيلةالإنسانية و العالمية و الأبديّة ،" للإتصال بالمبادىء العليّة و الإستغراق في بحار الأنوار الإلهيّة "فإن الإسلام السياسي يبتدع "نسخة معدّلة من الشريعة "تتوافق مع طموحاته السياسية التوسعية وهي طموحات كشفت عنها الغطاء الحروب العاتية الموصومة بالعمالة لقوى أجنبية ضد دول عربية ذات سيادة مثل سوريا و العراق تطبيقا لقاعدة: إني لأرى غنائم عربية "قد أينعت فحان قطافها "