تشريع الإسلام السياسي لإرهاب الدولة و شرعنته

إيمان بوقردغة
2019 / 7 / 30

" لا رابطة أقوى من العقيدة ولا عقيدة أقوى من الإسلا م"هذه الصيحة كانت كلمة حق أريد بها باطل،" وفق تصريح علي العشماوي في مذكراته التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين ف"شهد شاهد من أهلها".
من الضروري أن ندرك أنه منذ بداية العهد الإسلامي وحتى الآن، فإن "العقيدة الإسلامية" هي العنصر المشترك لكل هذه الحركات السياسية، خصوصا طابعها السياسي الذي يحتوى على "الجهاد". فالهدف هو فرض نظام سياسي ديني، أي حكم ديني، من الناحية الإسلامية، أسسه" مقدسة "زعما أن السلطة التشريعية الأصلية للإسلام السياسي هي الله.
وفي الوقت المعاصر ، تظهر النزعة الإسلامية في نصوص فنية تشير إلى "إيديولوجية سياسية "أو توجه سياسي يطالب بتقيد الإنسان الكامل" بالقانون المقدس للإسلام "وترفض أكبر قدر ممكن من النفوذ الخارجي فهي مشبعة بالعداء العميق تجاه غير المسلمين وتنخرط في محاولة لتحويل الإسلام، الدين والحضارة، إلى إيديولوجية. "تؤمن" بأن الإسلام يجب أن يوجه الحياة الاجتماعية والسياسية والشخصية وهي كأيديولوجية سياسية مبنية على "نسخة معدلة من الشريعة الإسلامية".

وتتجه هذه الإيديولوجية المخترعة اختراعا سياسيا محضا إلى إعادة صياغة الجهاد، ليصبح مرادفا لل"كفاح المسلح " لكن هو كفاح موجّه ضد من ؟
إن الباحث في أدبيات الجهاد التكفيري الإسلاموي يقف على حقيقة تحويل سيد قطب وجهة الجهاد من حرب دفاعية ضد" الأجانب غير المؤمنين "إلى "جهاد مقدس" يدأب داخليا على إقالة الحكومات والطغاة غير الإسلاميين حيث سعى قطب إلى حشد "المؤمنين" ك"طليعية للجهاد" ضد الأنظمة الحاكمة، التي كانت تعتبر جا هلية أي ما قبل الإسلام، وبالتالي قائمة على عدم التصديق.و وضع "أسس الجهاد التكفيري" وهي الانضباط والطاعة في الثورة على "الصنم" والاستشهاد، واعتبره شرطا مسبّقا لأن يصير المرء مسلما حقيقيا.
فأدخل سيد قطب التكفير كأداة سياسية لادانة من لا يقبل مذهبا خاصا به ، "فيزيد من أسلمة واستعمار مجال السياسة".فتم ابتداع الجهاد التكفيري الذي يطمح إلى اجْتِثاث جناح اليسار وإِبادة النظام وينخرط في سياسة "الإخوان المسلمين "المتناقضة والمتمثلة في لعب الورق الإسلامي من ناحية كتجارة مربحة واعتماده على الولايات المتحدة وصنع السلام مع إسرائيل من ناحية ثانية.
إن فتح أقفال هذه التناقضات التي تبلغ حد الإنفصام الإكلينيكي يقتضي التمعّن في نظرة قطب المتطرفة إلى العالم الذي ينقسم وفقه إلى "قوى شريرة ومفسدة و قوى نقية "و خيرة فلا يوجد في عالمه " ظلال رمادية". وبما أن كل من لا يؤيد قوى الخير ينتمي إلى الجهة المقابلة فإن حربا مستمرة يجب أن تشن ليس ضد الغرب وحده بل ضد كل المسلمين المرتبطين بالغرب والذين يعتبرون كفارا .
هذا الإنفصام الممنهج و المدروس تعقّب آثاره فرسم معالمه علي العشماوي في مؤلَّفه آنف الذكر فقال:
" أما تجربتى الشخصية والتى سمعتها مباشرة من صاحب الشأن وهو
أننى التقيت فى عنبر بالسجن الحربى بالدكتور م. ع. ف " رئيس مكتب إدارى
إحدى المحافظات الكبرى فى مصر بكل ما فيها .. قال إنه كان فى نهاية
الأسبوع دائماً يذهب بصحبة زوجته والتى وصفها بأنها كانت من أجمل نساء
الأرض كان يذهب كل أسبوع إلى الإسماعيلية حيث يسهر مع الضباط
الإنجليز هو وزوجته، ويقضون الليل فى الرقص ولعب البريدج، وكان يقول
أن الشئ الذى يتعب شباب الإخوان هو تفكيرهم الدائم فى الجهاد، وكان من
السهل قيادتهم حين تحدثهم فى هذا الأمر.
هكذا نرى الضرر الفادح الذى يلحق الساذجين الذين ينتمون إلى مثل
تلك التنظيمات، فهم مخلصون وقادتهم عملاء يتصرفون فيهم بلا آمان ولا
رقابة ودون أى تقوى من الله الذى يبايعون الأفراد على طاعته والالتزام
بأمره، فيطيع الأفراد ويضل القادة، ويستعملون الأفراد فى غير طاعة ولا
خوف من ا لله."
و في مقام آخر تشترك الجماعات الإسلامية في خطاب يصور المسلمين كأقلية مسلمة مضطهدة ترزح تحت نير الظلم المسلَّط من "الأغلبية العلمانية الكافرة" وهو خطاب مستلهم من مفهوم قطب للجاهلية أي العصر المظلم قبل الإسلام
فتلعب دور الضحية الأبدي استدرارا للأصوات الإنتخابية في حين أنها "تناضل" سياسيا معتمدة على الإسلام كأصل تجاري من أجل الاستحواذ على الواقع عبر مشروع جهادي وطني ضد المواطنين في الدولة.
، فارتد مفهوم الجهاد إلى سعي داخلي للسيطرة على مقاليدالدولة فأعطى الإسلامويون "سلاحا أخلاقيا قويا" اللجهاد الحديث"، و"التمرد العادل" ضد الدولة.
فإذا ما وازنّا بين مفهوم الجهاد في "أدبيات قطب" وبين مفهوم الإرهاب فإن الموازنة عادلة فالإرهاب غالبا ما يعرّف "بأربع سمات وهي التهديد بالعنف أو استخدامه لتحقيق هدف سياسي؛ والرغبة في تغيير الوضع الراهن؛و نية نشر الخوف من خلال ارتكاب أفعال عامة مذهلةوالاستهداف المتعمد للمدنيين"
هذا من ناحية ومن ناحية ثانية فإن الإسلام السياسي يشرّع لاستخدام الدول المنضوية تحت لوائه للجريمة والإرهاب كأدوات للسلطة السياسية ولوصل الروابط بين الجهات الفاعلة الحكومية والمجرمين والإرهابيين أيضًا حيث تقدم الدول الإسلاموية الدعم للأنشطة الإجرامية والإرهابية داخل حدودها الوطنية ،فضلا على رعاية هذه الدول للإرهاب "عبر الوطني "و تصدير الإجرام عبر الحدود إلى الدول المجاورة والبعيدة مثل تجنيد المقاتلين للإلتحاق ببؤر التوتر في سوريا و ليبيا و العراق و غيرها من الدول وهي عمليات تجنيد ممنهجة تضلع فيها أجهزة الدولة.
فتصبح الإيديولوجية الإسلاموية المتطرفة "مصدرا للشرعية" يسمح "لأمراء المؤمنين "أو الحكام بفرض إرادتهم القمعية على مواطنيهم "المسلمين".
وعبر التشريع لإرهاب الدولة يضحي المواطنون أهدافا غير مسلّحين للشمولية الإسلامية وهو مايتطابق مع مفهوم "إرهاب الدولة" الذي ينطوي على استخدام العنف والتخويف من قبل مسؤولي الدولة والمؤسسات ضد مواطني الدولة لكسب خضوعهم للحكم الاستبدادي.
وتم تحديد "ثلاث مستويات على الأقل من إرهاب الدولة الداخلي كتدرجات مفيدة في فهم نطاق الإرهاب "الأول هو الترهيب الذي تحاول الحكومة من خلاله تثبيط المعارضة من خلال السيطرة على وسائل الإعلام وتسخير استخدام قوات الشرطة ، والمستوى الثاني من إرهاب الدولة الداخلي هو "الإكراه على التحويل" ، والذي يتضمن جهود الحكومة لإحداث تغيير كامل في نمط الحياة الوطنية ، والمستوى الثالث من إرهاب الدولة الداخلي هو الإبادة الجماعية ، حيث تشارك الدولة في الإبادة المتعمدة لفئة أو جماعة عرقية أو دينية بأكملها لأسباب أيديولوجية . ولا تشكل التدابير القسرية داخل الدولة سوى شكل واحد من أشكال إرهاب الدولة.
و ينطوي إرهاب الدولة السري على "مشاركة مباشرة ، ولكن غير مفتوحة "، من قبل عملاء الدولة في الأنشطة الإرهابية.و" الإرهاب البديل هو المكان الذي توفر فيه الدولة الموارد والمساعدة التقنية للبدائل التي تعتبر الدولة الداعمة أنشطتها مفيدة لأهدافهم في التعامل مع البلدان الأخرى والأيديولوجيات المعارضة". وغالبًا ما يخدم إرهاب الدولة بيع الأسلحة المزدهر من قبل الدول المتقدمة تقنياً إلى دول مثل ليبيا .
فيبدو أن النتيجة التي يصل إليها كل "عاقل حصيف" يبحث في "أدبيات الإسلام السياسي "هو أن "الجهاد "في الإسلام السياسي هو استراتيجية سياسية موجَّهة شكلا و أصلا ضد مواطني الدول العربية الضعيفة فهي استراتيجية ذئبية تقوم على الموازنة بين القوى ومن ثم توجيه سهام الحرب نحو الأضعف و التحالف سرا و علنا مع الأقوى طبقا للفلسفة "البراجماتية" البقاء للأقوى وليس "المكوث للأصلح". وهو مايفسّر ما آلت إليه الدول العربية من هزال أخلاقي وانهيار اقتصادي.