درس في الإسلام

صادق إطيمش
2019 / 7 / 29

درس في الإسلام
لعله درس قديم من الشيخ يوسف القرضاوي لم اسمعه من قبل . إن ما اتحفنا به الشيخ يقع تحت عمود الدرس الجديد في تاريخ الإسلام واسباب بقاءه وعدم انهياره. الدرس الإسلامي الجديد هذا من واحد من اكبر فقهاء الإسلام في عصرنا الحاضر يمكن الإطلاع عليه تحت الرابط :
https://www.youtube.com/watch?v=R0VMa5n_frc
وإن حدث خلل فني لا يسمح بالإستماع الى هذا الدرس ، فاليكم النص الذي جاء فيه منقولاً حرفياً عن الرابط اعلاه : يقول الشيخ القرضاوي وهو يتحدث عن المسلمين الأواءل : " لو تركوا الردة ما كان هناك اسلام ،كان انتهى الإسلام منذ وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام . فالوقوف امام الردة هو الذي ابقى الإسلام . وفي آية المائدة : ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) ، جاء عن ابي قلابة وغيره من التابعين ان هذه الآية جاءت في المرتدين، وهناك احاديث كثيرة مش واحد ولا اثنين ولا ثلاثة ، عن عدد من الصحابة ان يُقتل المرتد " ويذكر سماحته بعض هؤلاء الصحابة ويشير الى ابن عباس وابن مسعود وابو موسى الأشعري وابي هريرة .
لا نريد هنا مناقشة سماحة الشيخ على ما يزعمه بوجوب قتل المرتد الذي لم يذكره النص القرآني ولا مرة واحدة مباشرة او غير مباشرة ، والنص القرآني هو الأساس للتعاليم الدينية وليس السنة التي يستند اليها الشيخ في زعمه . فالسنة النبوية بما فيها الحديث ما هي إلا الوسيلة التي يجري على اساسها فهم النص الأساسي وتبيانه للناس وليس البديل عنه استناداً لما جاء عنها في النص القرآني بالآية 44 من سورة النحل :
" بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ "
وهناك نصوص قرآنية عديدة تتحدث عن الردة وحكمها في الإسلام وكيفية معاملة المرتدين . ولم نقرأ اي نص من هذه النصوص يشير الى قتل المرتد حينما يجري الحديث عن الردة والمرتدين مباشرة . اما ما يأتي من تفسيرات رجال الدين لمواقع اخرى يدخلون فيها آراءهم الخاصة على اعتبار انها تتعلق بالردة ، فذلك شأنهم وما يتعلق بمدى فهمهم او تأوليهم لنصوص دينهم. ولقد نوقشت هذه المادة بين المعترضين على القتل باعتباره يناقض القرآن وبين مؤؤلي النص القرآني باتجاه قتل المرتد . ولا يزال النقاش مستمراً حتى يومنا هذا بين الفقهاء والمتدينين ، ليس فقط حول النص القرآني ، بل حول الأحاديث النبوية التي تشير الى قتل المرتد والتي اعتبرها كثير من المؤرخين والفقهاء ضعيفة السند ولا يؤخذ بها.
إن ما نرغب مناقشته هنا باعتباره اطروحة لها اثرها على كثير من المناقشات التي تدور اليوم حول تاريخ الدين الإسلامي الذي يعتبره كثير من المؤرخين بانه تاريخ مرتبط بالعنف ، والذي يؤكده كثير من رجال الدين ، خاصة المتشددين منهم ومن مختلف المذاهب ، وذلك حينما يتطرقون الى نصوص قرآنية او احاديث نبوية تبيح العنف واستعماله في نشر الدين او الدفاع عنه.
لقد جرت المناقشات في هذا الشأن باعتبار ان العنف في تلك المجتمعات كان ظاهرة سائدة تبنتها كثير من المجتمعات ووظفتها ليست لأغراض اقتصادية او سياسية فقط ، بل ولأغراض دينية ايضاً . والكتب المقدسة لكل الأديان ، وفيما يخص منطقتنا العربية فقد تجلى ذلك بوضوح في الكتب المقدسة الثلاثة : التوراة والإنجيل والقرآن . وقد جرى توظيف العنف في هذه المجتمعات بين مجموعات مختلفة للأسباب اعلاه حيث تحققت من خلال ذلك طبيعة المنتصر والمنهزم الذي ارتبطت بانتصار او هزيمة الغرض الذي ادى الى توظيف العنف سواءً كان هذا الغرض سياسياً او اقتصادياً او دينياً.
إلا ان الأمر الغريب الذي ورد في اطروحة الشيخ القرضاوي والذي يشير الى تعلق مصير دين برمته باستخدام العنف ضد مريدي هذا الدين الذين يقفون موقف المعارض من بعض اطروحاته او من قادته في فترات تاريخية مختلفة اعتبرها الفقه الإسلامي ردة عن الدين او تنكراً له او حتى اعتداءً عليه ، بالرغم من عدم وجود ما يشير الى استخدام المعترضين على الدين او التاركيه لأي وسيلة من وساءل العنف او الحرب ضد الدين الذي غادروا صفوفه ، فهذا امر يستحق التوقف طويلاً عنده وإعادة النقاش حول ظاهرة ارتباط الدين الإ سلامي منذ نشأته وحتى يومنا هذا بالعنف وإباحة توظيفه دينياً.
" لو تركوا الردة ما كان هناك اسلام ، كان انتهى الإسلام منذ وفاة الرسول ، فالوقوف امام الردة هو الذي ابقى الإسلام " هذه العبارات التي اطلقها الشيخ القرضاوي لا تدع مجالاً للقائلين بانتشار الإسلام وثبات وجوده منذ قرون لأنه دين يدعو الى العدالة والمساواة من خلال عبادة الإله الواحد والإيمان بالرسالة السماوية الداعية الى سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة. فإذا استندنا الى هذه الأقوال من واحد من كبار فقهاء الإسلام اليوم ، الشيخ يوسف القرضاوي ، فذلك يعني ان تبني الدين الإسلامي منذ ايامه الأولى كان مشوباً بالقوة والإستمرار في تبنيه لم يكن إلا بسبب الخوف من القتل . اي ان الجماعة الإسلامية في ذلك الوقت كانت جماعة مجهولة الهوية الدينية لأنها تجاهر بدين قد لا تؤمن به ايماناً عقائدياً ، بل صورياً حيث ان التخلي عنه سيؤدي الى القتل الذي لا يريده اي انسان لنفسه او لذويه.
والسؤال الآخر الذي يتبادر الى الذهن في هذا المجال يتعلق بالبحث عن الذي يقوم بالقتل ؟ هل ان المتربصين بمن تُطلق عليهم صفة الردة هم من المؤمنين حقاً او من اولئك الساعين الى غايات اخرى لا علاقة لها بالدين الذي يجري توظيفه اسماً في هذا المجال ، وقصة خالد بن الوليد مع مالك بن نويره تشير الى ذلك بوضوح لا ريب فيه. او ما عومل به بعض الفلاسفة والمفكرين الذين وضعهم فقهاء عصرهم في موقع المرتدين حينما عبروا عن افكارهم المخالفة لآراء فقهاء عصرهم ، كأبي عبد الله حسين بن منصور الحلاج الذي قطعوا اوصاله وضُربت عنقه وأُحرقت جثته. وغيره الكثيرون الذين صنفهم الفقهاء على اعتبارهم مرتدين ليبرروا العنف الموجه ضدهم ، كالراوندي وابو حيان التوحيدي وابن المقفع وحتى فيلسوف الشعراء ابو العلاء المعري والقائمة تطول لتشمل كل التاريخ الإسلامي منذ نشأته وحتى يومنا هذا . وهذا هو الخطر الكامن في اطروحة قتل المرتد هذه التي يمكن تفعيلها لأسباب يتم من خلالها استعمال الدين كوسيلة وليس كغاية ، يشتد خطرها بمرور الزمن ولا يتوقف عند زمن معين بحيث تظل ملاصقة للدين الإسلامي طيلة تاريخ وجوده ، وذلك للأسباب التالية :
اولاً: ارتباط هذه الأطروحة بتفسيرات وتأويلات رجال الدين ومزاجهم الذي يصنف الآخرين بين مؤمن وكافر ومرتد وما الى ذلك من المزاعم التي يتخذونها كمبررات لتوظيف العنف والتخلص من الغير مرغوب فيهم لدى هؤلاء ، الذين كثيراً ما يُطلق عليهم صفة الفقهاء ليكتسب قتلهم للآخرين او توظيف غيرهم للقتل صفة دينية تدخل في باب الثواب وتأدية الواجب الديني حسب فهمهم لدينهم . ولنا بقتل المفكر المصري فرج فودة والمفكر اللبناني حسين مروة والرئيس المصري انور السادات وغيرهم امثلة لهذا العنف المستمر.
ثانياً: لا توجد في الإسلام مؤسسة دينية رصينة تستطيع ان توجه ظاهرة قتل تاركي الدين توجيهاً علمياً دقيقاً يتحرى الأسباب ويأخذ بتغير الأزمنة الملازم لحياة الإنسان اليوم والذي لا يمكن تجاهلها بالأقوال او ما يسمى بالنصائح الدينية او الفتاوى في مناحي الحياة المختلفة والتي اصبحت تشكل قيوداً على حياة الناس لا يقوى الإنسان السوي على العيش معها بقناعة.
ثالثاً: عدم اللجوء الى التعامل مع نصوص العنف في القرآن تعاملاً يتخلى عن مقومات هذه النصوص بالنسبة للزمن الذي جاءت فيه ويتبناها من خلال الحياة التي يعيشها الإنسان اليوم . وقد جرى هذا التعامل الزمني مع بعض النصوص التي لم تعد فاعلة اليوم كنص المؤلفة قلوبهم او نص الجزية او الإماء والعبيد وغيرها.
رابعاً: اذا استمر هذا الطرح الذي يربط وجود دين بكامله وبكل تعاليمه التي لا تساعد على بقاءه واستمراره كما يساعد قتل المرتد على ذلك ، نقول اذا استمر هذا الطرح على اجيالنا القادمة ، فإن ذلك يعني جعل العنف ، وليس العدالة الإجتماعية او السلام الإجتماعي او حتى الإيمان اللاهوتي الخالص، هو الأساس في تواصل الدين وقيامه ، وهنا تحل الكارثة الكبرى التي نعيش بعض ارهاصاتها اليوم في كثير من المجتمعات الإسلامية السائرة نحو التقهقر في كل مقومات الحياة الإنسانية.
خامساً : كل ذلك يوجب العمل الفوري والمباشر والواضح في معالجة الخطاب الديني والإنطلاق من مقومات الحياة العصرية التي لا تجعل من دين الإنسان ، خاصة ذلك المرتبط بالعنف ،اساساً لتقييمه او تقييم حياته التي لا يحق لأحد غيره تقريرها بشكلها الإجتماعي الإنساني الضامن لتبادل الآراء والإحترام المتبادل وصيانة السلام الإجتماعي في ظل دولة لا دينية تنظلق من مبدأ المواطنة اولاً واخيراً.
مجتمعاتنا العربية الإسلامية اليوم اصبحت في تخلفها عالة على المجتمعات الأخرى التي تسابق الزمن متجاوزة كل العراقيل التي يحاول البعض ان يضعها لعرقلة مسار التاريخ الذي لا يعرف التوقف والثبات.وهذه الأطروحة التي اتحفنا بها واحد من كبار فقهاء الإسلام اليوم والتي يؤكد فيها بان العنف من خلال قتل المرتدين هو العامل الأساسي الذي ساعد على استمرار الإسلام ، وإلا فانه كان سيختفي لولا هذا القتل ، إن هذه الإطروحة هي بالضبط القنابل الموقوتة المنتشرة في المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية التي لابد وان يُنزع فتيلها ، وإلا فعلى الإسلام السلام .
الدكتور صادق اطيمش