في مواجهة تسخين الخطاب الطائفي

سمير عادل
2019 / 7 / 24


في اول لقاء له قبل يوم واحد من عقد المؤتمر السابع عشر لحزب الدعوة، عرض نوري المالكي برنامجه السياسي تمهيدا لتوليه منصب الامين العام او الشخص الاول في حزب الدعوة والاستعداد لولاية ثالثة بعد الاطاحة بحكومة عبد المهدي التي باتت لا تروق مواقفها للجمهورية الاسلامية في ايران في صراعها مع الولايات المتحدة الامريكية في المنطقة. وتمحور برنامجه على ثلاثة مسائل جوهرية اثناء لقائه يوم ١١ تموز مع الفضائية السومرية التي استغرق ساعة و٢٦ ثانية، الاولى رفضه لدمج مليشيات الحشد الشعبي في الجيش، وقال يجب تحويله الى جهاز حاله حال الشرطة الاتحادية وجهاز مكافحة الارهاب، والثانية رسم سياسة العراق الاقليمية وهي الاصطفاف الى جانب الجمهورية الاسلامية اذ ما نشبت الحرب بين ايران وامريكا والثالثة تجديد لخطابه الطائفي عندما قال ان سقوط الموصل بيد داعش بسبب طائفية الجيش العراقي. متناسيا وبشكل متعمد وكأنه اراد استغفال ذاكرة التاريخ وذاكرة الجماهير بأنه من اسس قيادة عمليات نينوى التي اشتهرت بأخذ الاتاوات وتنظيم عمليات الاعتقالات العشوائية وممارسة التعذيب والتغييب في السجون وممارسة ابشع انواع الظلم الطائفي الذي استغلته عصابات داعش لاسقاط ثلث مساحة العراق بيديها.
من المعروف ان المالكي هو المهندس المعماري للجمهورية الطائفية الثانية في العراق بعد مؤتمر لندن لما سمي بالمعارضة العراقية وتشكيل مجلس الحكم في 2003 على يد الحاكم المدني للاحتلال بول بريمر. وهو صاحب الجملة الشهيرة التي اطلقها من مدينة الناصرية ثم في مؤتمر صحفي في كربلاء يوم 13 حزيران بعد ان قتلت قواته الامنية بدم بارد 50 شخصا من المتظاهرين في مدينة الحويجة التابعة لمحافظة كركوك يوم 23 نيسان عام 2013؛ بأن حربه مع متظاهري المنطقة الغربية هو حرب بين انصار الحسين وانصار يزيد وفصوله ما زالت مستمرة. وهو الذي اطلق على نفسه لقب المختار تيمنا بالمختار الثقفي قتل عام 686 (67 هجريا) الذي ارتكب الاهوال ضد مخالفيه وتحت شعار يا لثارات الحسين. اي ان المالكي سوق نفسه بطلا طائفيا بأمتياز كما توج ابي بكر البغدادي نفسه بطلا طائفيا في الجانب الاخر عندما دشن سلطته بقتل اكثر من 1500 شاب بعمر الورود اسرى معسكر سبايكر دون ان ترف له جفن.
ان المحاور التي اعتمدها المالكي في مقابلته هي السياسة التي سينتهجها حزب الدعوة الذي بالفعل انهى اعماله وتوج المالكي رئيسا له. ان تمركز حزب الدعوة على هذه السياسة هو التأكيد على سياسته الطائفية في قيادة السلطة في العراق منذ حكومة ابراهيم الجعفري من جهة ومن جهة اخرى هي محاولة لانتاج الخطاب الطائفي كي ينسجم مع متطلبات الصراع في هذه المرحلة. ونقصد الصراع الامريكي الايراني. فكل الدعايات الاعلامية حول محور المقاومة ومواجهة العدو الصهيوني قد استهلكت في سوريا ولبنان وولت ولا يمكن لها القدرة على التعبئة السياسة في المجتمع العراقي. وعليه ان ما قاله المالكي يجب التوقف عنده، فهو عازم على اعادة المشهد الطائفي في العراق. فكما تحدثنا في السابق وفي نفس هذه المساحة، فأن العراق ليس بأمكانه ان يكون محايدا، فالحياد ليس من صالح الجمهورية الاسلامية في صراعها مع امريكا، وان جميع القوى التي لعبت على محور الاعتدال او التوازن او الحياد كما يسمونها هي لصالح الولايات المتحدة الامريكية. ان اعادة تعويم الماكي من جديد على الساحة السياسية ينهي هذه السياسة ويعيد العراق الى ساحة احد طرفي الصراع.
وبدون الخطاب الطائفي لا يمكن ان يقوم قائم لحزب الدعوة ولا لشخص المالكي، وهذه النقطة ايضا ما دفع العبادي ان ينزوي عن الحزب ويشكل محوره بالنقيض من ماهية ومحتوى وسياسة حزب الدعوة التي انتهجها خلال ما يقارب عقد ونصف من قيادة الاسلام السياسي الشيعي في السلطة في العراق. وكما نرى ان المالكي يظهر كبطل طائفي بينما يحاول ان يظهر العبادي نفسه كبطل قومي محلي، فيما الاول يتخندق الى جانب ملالي قم وطهران بينما الثاني يتخدنق في الجانب الامريكي مع الذين يسمون انفسهم بمحور التوازن والحياد والاعتدال.
وهكذا ان المالكي لا يحدد سياسته الاقليمية فقط بل ايضا يوضح اسس تشكيل الدولة في العراق كما تطرقنا اليه في العدد السابق، حيث يرفض رفضا قاطع دمج الحشد لشعبي بمؤسسة الجيش، اذ يطالب ويعمل على تحويله الى جهاز مستقل بعد ان اتهم الجيش بالطائفية. اي بشكل اخر يرفض القرار الديواني الاخير لحكومة بعد المهدي حول الحشد الشعبي والذي وضع اسسه من قبل العبادي.
ظهور المالكي بهذا الشكل الاعلامي وتتويجه رئيسا لحزب الدعوة الذي اشيع بأن ايران تقف خلف تتويجه وانهاء صراع الاجنحة داخل حزب الدعوة الذي تمثلت بتيار العبادي وتيار المالكي والذي يأتي ضمن استعدادات ايرانية في خضم تصاعد الصراع في المنطقة. وتتويج المالكي يعني محاولة لانهاء حالة التردد والقلق الذي كان يعتري معسكر الاسلام السياسي الشيعي الموالي للجمهورية الاسلامية المتمثل ببدر وعصائب اهل الحق وكتلة فالح الفياض وخلق الانسجام في صفوفهم لتحديد موقف واضح تجاه الصراع الامريكي-الايراني في المنطقة. وكان المالكي واضحا في لقائه حيث قال ودون اي تردد ان العراق لن يقف الى جانب المعتدي على ايران.
ما يعنينا نحن في خضم هذه الاوضاع، يجب التصدي ومواجهة الخطاب الطائفي للمالكي وحزب الدعوة، وعلينا الوقوف بحزم ضد كل تخرصات وترهات الهوية الطائفية الزائفة والحقيرة والتي تشمئز منها النفس الانسانية. ان فضح خطاب المالكي الطائفي وكل الاسلام السياسي هو جزء من سياستنا الشيوعية. وفي نفس الوقت يجب الاستعداد على جميع الاصعدة للوقوف بوجه التهديدات العسكرية وتخرصات الادارة الامريكية في فرض الاجزاء الحربية والعسكرية في المنطقة.
ان المالكي وحزب الدعوة يدرك اكثر من غيره ان تقويض مكانة ونفوذ الجمهورية الاسلامية في ايران يعني تقويض مكانة الاسلام السياسي الشيعي في العراق، ولكن بالنسبة لنا نحن لشيوعيين ندرك بشكل واعي ان الطرفين الامريكي والجمهورية الاسلامية في ايران سبب أفقار وتجويع وقتل وتشريد جماهير العراق. فأن اي طرف ينتصر في هذا الصراع فسيكون على حساب محرومي العراق وعلينا التصدي لتحويل العراق الى ساحة حرب لنفوذ اللصوص من كل حدب وصوب.