وجودية منير الوسلاتي ما بين الاستشراف العرفاني والشعرية _

نائلة الشقراوي
2019 / 7 / 23

حين يتحول الشعر عند الذات الشاعرة الى مشروع إبداعي جوهره الوجود تنتفي أهمية وضع النصوص ضمن قوالب و مسميات ،فالقصيدة عند منير الوسلاتي حالة خاصة يسيرها الشعور لا البحور .لكن هذا الشعور يتضمن دوزنة خاصة تخال معها في جل نصوص الديوان انك بصدد قراءة شعر حر او عمودي في حين أن القصائد كلها قصائد نثرية ،هذه القيمة الفنية التي طبعت نصوص الديوان نسميها الايقاع الخاص بالشاعر والقصيدة .ولكل شاعر موسيقاه وبصمته الخاصة التي تتحول الى ملامح مؤسسة لتجربته الشعرية لاحقا ،ونقيس من خلالها مدى قدرته على امتلاك ذائقة القارئ والتأثير عليها .
دون أن يلجأ منير الوسلاتي إلى الاستعانة بالتفعيلات أو القافية المتواترة في قصائده والتي ان استخدمها شاعر في قصيدة النثر دلت على قلة موهبة وخبرة واستسهال للنضد ،دون أن يبحث عن التكلف أو التصنع جاءت نصوصه محلاة بإيقاع خاص هو إيقاع الحياة والوجود ،ايقاع متعدد الأصوات ينأى عن النمطية ويتسم باختلاف وتصاعد يتماهى ما تواتراته الخاصة كشاعر معنى أكثر من غيره بأسرار الوجود الإنساني المأزوم .الشاعر منير الوسلاتي الآتي من الشمال الغربي تلك الجهة المميزة بالتضاريس الطبيعية الصعبة والتي تغلب عليها المرتفعات ،حدد منذ البدايات موقعه الفاعل في هذا الكون كشاعر استشرافي لاتنفي معرفته شاعريته ،ولا وجدانه الرقيق دقة حدسه وبصيرته من موقعه ككاتب اولا وكصاحب فكر *1
أناكون من الكتابة
تتراكم في وجهي الفصول
وفي أكفي خارطة الملاجئ

الفعل البنّاء كان عند الشاعر جمر الحرف و لجة الكلمة وللورق عنده قداسة وجلالة يحتفل معه بانتصاراته كما بهزائمه ويسكب من مداد دمه على بياضه صهيله و هديله ، واصلا بالفكرة إلى الذروة أين أنوار الحقيقة .الورق هو هذه الحياة التي يستفزها إلهام الشاعر ويطالبها بالجنوح إليه والكشف له عن خباياها*2 .
اسمحي لي أن أحتفلَ في بَيَاضِكِ..
أن أَتَـهَـامَـى بَـيْـنَ يَــدَيكِ بِالصَّهِيلِ..
فاكشْفِي لي عن سِـحْرِكِ الـمَخْـفيّ..
كَــي أتَـجَلّى في مَدَاك بالذُّهُولِ..
وتَبرَّجِــي لِـهُبُــوبِــــي الـمَخْمَلِــيّ..
سَأسْكُبُ فِـيِكِ فَـيْضَ مَدَادِي..
حَـتَّى أَمْـتَـلِئَ بِـكِ، وَتَــمْتَـلِئِــي بِـي
منذ مدخل الديوان ينبؤنا الشاعر عن أسلوبه ومقاصده الشعرية و آفاق أدواته الفنية عبر التشخيص و عبر أنسنة الطبيعة واعتبارها مداره الأوحد ،مستخدما الأقنعة الاستعارية الطبيعية التي يحول بها مفردات الطبيعة الى رموز استدلالية من أجل البرهنة والاقناع ،في محاولة لخلق مدمج او مزاج استعاري..ليس فقط من اجل خلق صور جمالية وانما أيضا من اجل الاستشهاد بها أو تبادل الاسقاط معها .وهذا الدور الذي اختاره الشاعر في علاقته بالكون جعل الأنا عنده أكثر حيوية ومن الطبيعي لمن يشعر بأنه المحور أن تتضخم الأنا الرائية والفاعلة عنده في إدراك شديد لقدرته على الخلق و التغيير وفي تأكيد واضح على أنه المحرك الأساسي لكل التفاعلات والنتائج3*.
أنا البَـرَّاقُ في مَفَارق الوَجعِ..
ابتسامةُ المدَاد الـمُحَاصَر بِالإعْصَار...
...أنا الخارقُ، الخافقُ الخلاّقُ...
رِقــــــّةُ الانْكِسَارِ..صُهَالُ الجَبَرُوتِ...
أنا الرَّقراقُ، الرَّقِيقُ..
الى مَراقِـــي الوَميضِ ُرقْـيَا غِنَاِئِـي...
يَفِيضُ اللُّؤلُؤُ من شِفَاهِي..
حينَ تَنْبَجِسُ من أوْرِدَتِـي الـمُـزُنُ

غير أن الشعر حالة لا تخضع كثيرا للثبات بل للإنفعلات لذلك تتراوح ذات منير الوسلاتي ما بين الثورة والقوة وبين الاستكانة في حالات الضعف والعزلة مثله مثل الشابي كشاعر وجودي تجده أحيانا يغني للحياة ومع الطيور وأحيانا أخرى يختار العزلة والكآبة كنوع من الهروب أمام عجز تفرضه الطبيعة الإنسانية التي جبلت على الضعف ،وليس هذا الضعف سوى قلق وجودي يسيطر على الشاعر منذ البدء ويضعه في خانة المغتربين عن الوجود المادي، والباحثين عن مأتاهم و جوهرهم رغم انغرازهم الظاهري في الطين والتصاقهم بالجذر و الطلع و الزهر ،فيضج به السؤال ومحاولات المعرفة في تداع منطقي يعيشه الشعراء الوجوديين 4*

بِلاَ شَجَرَةٍ تَـكـلَأ مَجْدِي
بلا جُــذُوعٍ تُفسّر ظِلّي..
أسَائِلُ الضِّفَـافَ..
عـنْ أَصْلِ حُضُورِي
عـنـد لحظة تـََــفَـرُّعي الأوّل..
عن بـَـوصلة الــنَّـــبع..
عن عُنْوَانِ جذُورِي...
أسائلُ الضِّفَافَ..
.. عنْ اسْـمِي ولَقَبِي..

و تداع آخر يتحول الى صراع تطفو فيه قوة الأنا الخلاقة وتنتصب رغم تواتر النكسات ،ذات من نوع آخر منسابة جارفة كنهر نمير تنجلي معه الحقائق و تنكشف هوية القاتل و ينجلى بفعلها ضباب الغمام .ذاك الانتصاب الذي يعود بنا إلى فكرة أن الشاعر هو نبي قومه وأنه برؤاه أفضل مستخلف قادر على التعرية والتورية وتقديم البديل 5*

فلا جَواز لتَيَّار النَّهر الـمُنتفِضِ
أن يترُكَني على نفس الحال
ليس في الإمكان..
أن أسبَحَ في نَفس الماء مرتين..
أو أتعنّت على التيّار...
أشرئبُّ بأفناني..
إلى ضفّة ما تبسمُ في وجهي...
تفتحُ لي أذرُعَهَا..
وباحَةَ الأحْضَانِ...
تشدّني إليها..
فأعلقُ على حَوَافِّها..
أسترجعُ سُؤْدُدَ أنفاسي..
أستبرئُ من وَصْمَة انْكِسَاري
ومن صدى خُذْلانِـي...

وذلك من خلال تقويض كل المفاهيم السالبة للوعي والقوة ،و محاولات الكشف عن النوايا المتربصة بالغابة وأغصانها (الوطن وشبابه).لكن منير الوسلاتي على عكس الشابي هنا ،فحين قال (غدا أهوي على الغصون بفأسي) لم يكن الهدف من فعله كهدف الشابي الذي تمنى كسر القيود وتحطيم كل ما من شأنه أن يشدنا الى التخلف والخنوع ،منير الوسلاتي كان يفضح تلك الفأس ،يرسم قبح فعلها في الأرض ،والفأس ليست إلا الديكتاتورية التي مورست على الأرض كاملة واتخذ الشاعر الغابة وعناصرها رمزا لها .الأمر يختلف ما بين فترة الشابي وظروفها السيسيولوجية والفكرية في علاقتها بالمكان وبين مكان منير الوسلاتي الذي تباينت فيه الظروف والقضايا وتغيرت الأسباب والنتائج.*6

شكلُ الفأس..شَجْوٌ في الحلق ينهمرُ...
يرتدُّ..لا ينتكسُ..
يعلوُ الفأسُ ويَسفِلُ...
يسفّهُ أحلام الغابَةِ المرتجفة..
يعلوُ الفأسُ.. يَسفِلُ...
يقصِفُ أوصالَ الشَّجَــرِ..
والأغْصَانُ تَجِفُ..

كلما اشتدت فكرة القصيدة عند منير الوسلاتي كلما اكتنزت لغته بمغريات يؤثثها الرمز، و لجوء الشاعر للرمز ضرورة أسلوبية تفتح معها مستويات القصيدة على شرفات أخرى تؤدي إلى دهاليز مضيئة تتوهج فيها لغة الكتابة ويتضح المعنى في ابتعاد متقن عن الإبهام فيصبح الرمز حينها دلالة و تقنية يلجأ إليها الشاعر لإضفاء عمق لغوي يزيد من جمالية الصور الفنية للقصائد وشعريتها ولا يتسنى لأي شاعر أن يجمع ما بين الرمز والوضوح الا اذا تكثفت خبرته و زادت قدرته على التوظيف المنطقي للغة و الوصول بها إلى ضفاف شاسعة للمعنى .7*
يا أخي أصابت نارك غابتنا في مقتلي..
فحرّقتَ شجرة القلب..
وحرّقتَ بالدُّخان زيتونا في كبدي..
وألهبتَ سرولة تغفو في مقلتي ..
وعذّبت صنوبرة تنام تحت جلدي...
وأخذت فلّين الرّوح الى خوافي الوجع
تقاس أهمية التجربة الشعرية لمنير الوسلاتي بما قدمه من مضامين جليلة بقصائده وبالاختلاف الواضح للتجربة نفسها عن باقي التجارب الشعرية المعاصر إذ أن ابتداع الصور الشعرية والمضامين هو المقياس الذي على أساسه صنفنا ديوان أكبر من مخيلة الجداول على أنه رؤية على بساط البحث وبالتالي حاز المرتبة التي تكون فيها الفكرة والمضمون هاجسا ومن بعدها تكتمل كقصيدة يكتبها الوجدان والشاعر نفسه واع لهذا المسمى وهو نفسه دس في الثلث الاخير من الديوان خارطة واضحة يُقرأ على أساسها منير الوسلاتي وقصائده 8*
كَلِمَاتِي ليْستْ عَلى قَيْد امْتِلَاكي....
لكنّ بعض الكلمات صَارَتْ من أشْيَـائـِي.
بعضُهَا يَـحْمِلُ شَكْـلَ مَجِيِـئِـي..
وبعضُهَا يَـحْوِي بعْضَ أسْمَـائِـي
لكن هل يصح القول أن الرؤية التي يقدمها الشاعر منير الوسلاتي في علاقته بالكون هي رؤية فكرية بحتة تكاد تشبه فلسفة نيتشة في ديوانه -ديوان نيتشة -؟
هناك تشابه بين نيتشة و منير الوسلاتي على مستوى التفاعل مع الطبيعة ومخاطبة الوجود*9 وفي تقديم العقل على الذات النفسية ،لكن ما يطبع قصائد منير الوسلاتي هو الاحساس البالغ بالوجع الإنساني لذلك فإن الشعرية خاصة بارزة جدا في الديوان على عكس بعض نصوص نيتشة في ديوانه والتي تخلو من هذه التيمة. وهذا الاختلاف شرعي فنيتشة كتب من موقعه كفيلسوف و الوسلاتي كشاعر اولا وكاتب من بعد كما أن تركيبة منير الوسلاتي النفسية والأخلاقية شديدة التأثير في بناء القصائد فنستشعر آلام النفس وإرهاصاتها أولا ثم تجليات الفكر دون إغراق في الفلسفة ،لكن لا يمنعنا ذلك من إطلاق لقب الشاعر العرفاني على منير الوسلاتي وربطه بالتيار العقلاني في الشعر .

هوامش
1-قصيدة كون من الكتابة
2-قصيدة جلالة الورقة
3-قصيدة كون من الكتابة
4-قصيدة أطارد وجهي
5-تراجيديا المشروخ
6-اغمض عينيك لتراني
7-حريق
8-كلماتي وأشيائي.
9-قصائد ديوان نيتشة :بلا موطن ،أميرة الغاب النائمة ،نشيد أيار، رأسا إلى الوادي رأسا إلى المرتفع .
.