مفهوم المقاومة وزيارة القدس: كشف ورقة المفاوض المصري الأخيرة

حاتم الجوهرى
2019 / 7 / 23

أي مفاوض سياسي ماهر ومحنك يحتفظ في جعبته دائما بورقة أخيرة، ورقة لا يتخلى عنها أبدا وتكون هى بمثابة حائط الصد الأخير بالنسبة له، أو الورقة الرابحة التي يتحجج بها ويضعها على الطاولة إذا انتهت منه كل الحجج، وأصبح محاصرا في ركن ضيق لا يستطيع المناورة للخروج منه..
ومنذ اتفاقية السلام مع الصهيونية و"إسرائيل" ظلت مسألة التطبيع محصورة في إطارها النخبوي السياسي والدبلوماسي، ولم تستطع أن تمد جذورها لحاضنتها الشعبية في الشارع المصري، وكان المفاوض أو السياسي المصري عند تزايد الضغوط الدولية عليه ليقبل بوضع غير مناسب في الداخل الفلسطيني أو مستقبل القضية عموما، يلجأ لورقة التوت الأخيرة في مواجهة الضغط الدولي، وهى الرفض الشعبي ومقاومة الجماهير ونزولها للشارع عند تجاوز بعض الخطوط بعينها.
حدث ذلك في عز فترة مبارك التي كانت تروج للسلام وفق اتفاقيات أوسلو لإقامة دولة فلسطينية، لكن عندما تخلت الصهيونية عن بنود الاتفاقية وانتفض الشارع الفلسطيني ردا على ممارسات العنصرية والعدوان من سلطة الاحتلال في انتفاضة الأقصى عام 2000 م، خرجت الحركة الطلابية المصرية ودعمها الجماهير في الشارع المصري، ولم تستطع الإدارة السياسية المصرية أو لم تُرِدْ أن توقفها سريعا في رسالة سياسية للصهيونية وأمريكا، أن الشارع المصري يغلي وينتفض وقد تخرج الأمور عن السيطرة، وربما تتعرض مصالحكم للضرر المباشر أوغير المباشر إذا استمرت سياسات العدوان والعنصرية الدينية والعرقية والثقافية.
وكانت تلك استراتيجية ناجحة لحد بعيد من المفاوض المصري فيما بعد فترة السادات، لأنه كان يتعامل مع أمر واقع للاتفاقية وفي الوقت نفسه الحفاظ على خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها انتظارا لما سوف يفعله الزمن..
لكن مؤخرا تقدم البعض من الجانب المصري باجتهاد جانبه الصواب تماما ردا على دعوة البعض من الحانب الفلسطيني، الدعوة الفلسطينية مفادها زيارة وفد مصري للقدس بحجة دعم الوضع الاقتصادي الضاغط للمقدسيين وزيارة الأماكن المقدسة، والاستجابة المصرية للدعوة كانت تصوير الأمر على أنه فعلا للمقاومة الشعبية!
وبعد مقالي الأول في الموضوع بعنوان: "زيارة القدس.. شرعنة الاحتلال وتجميل لوجهه" التي أشرت فيها للسياق العام للموضوع وتبعاته وكيف سيفسر دوليا وصهيونيا، أرى أن جانبا مهما من خطورة تلك المقاربة يقع في مركزها ذاته، فإذا أنت أو مجموعة ما أعدت تشكيل مفهوم المقاومة الشعبية، وكذلك حاولت إعادة تشكيل تمثلات القوى والمنابر التاريخية الممثلة لها بهذه الصورة، فإنك في واقع المر تقع في أكبر الأخطاء الاستراتيجية وتكشف ظهر المفاوض المصري تماما وتنزع منه أقوى أسلحته وخطوطه الدفاعية، في موقفه الاستراتيجي أمام القوى الدولية والإقليمية في إدارة الصراع المركزي في المنطقة.
تمرير الاستجابة للدعوة الفلسطينية بهذه الصورة هو اجتهاد جانبه الصواب تماما من بعض المتحمسين لها؛ لأنه بكل بساطة يسلب المفاوض المصري أهم أوراقه الاستراتيجية في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية، ويقزم مفهوم المقاومة ويشوهه تماما.. خصوصا وأن رد المقدسيين جاء سريعا عند زيارة أحد السعوديين للمسجد الأقصى حين طردوه خارجه مشيعا بالشتائم والخيبة والعار، رغم ما هو معروف عن السعودية واموالها إذا كانت الحجة الاقتصادية دافعا!
وفي الوقت نفسه هدمت سلطة الاحتلال عدة منازل فلسطينية في محيط القدس المحتلة وطردت أصحابها في رسالة واضحة للجميع؛ فعن أي زيارة يتحدث البعض عنها الآن تحت مظلة سلطة الاحتلال تلك! كيف يستوعب العقل أن سلطة احتلال تطرد سكان البلاد من بيوتهم، وفي الوقت نفسه ستسمح بزيارات تحت اسم "المقاومة الشعبية السلمية"! ذلك اختلال في المنطق العقلي وبديهياته الأساسية..
نحن في أوقات تاريخية حرجة للغاية وأرى ان الدعوة التي استجاب لها البعض افتقدت للحكمة والخبرة الكافية في وزن الأمور ووضعها في نصابها الصحيح، وكان يمكن لها أن تورط مصر الرسمية ومصر الشعبية في خسارة وفي اختراق للأمن القومي المصري لا يمكن سده أو استعادته أبدا، السياسة هى فطرة الانشغال بالعمل العام ومهاراته الطبيعية التي تكتسب جراء ذلك عبر السنين عند البعض الذين يتصفون بالموهبة والمؤهلات الطبيعية ذلك، وليست السياسة هى مجرد المهارات النمطية التي يتعلمها البعض في دورات تدريبية أو جراء العمل الوظيفي.
المقاومة الشعبية هى حائط الصد الأخير للأمن القومي المصري وخلط الوراق فيها من قبل البعض، ليس في صالح مصر او القضية الفلسطينية أبدا، هناك العشرات من السبل الممكن ان تضاف لسجل المقاومة الشعبية المصرية ورفضها للصهيونية، ليس من بينها أبدا شرعنة الاحتلال في أوقات الضعف الحضاري والضغط على الأمة العربية في ظروف الجزر، الأولى هنا هو الثبات على الموقف والبحث في المراكمة على ما هو موجود بالفعل ومخزون في حقيبة المقاومة الشعبية المصرية والعربية.
صفقة القرن ستسقط على حائط المقاومة الشعبية العربية وهو الكفيل بها، لكن دعوا المقاومة الشعبية وحالها هى حائط الصد الأخير للمفاوض المصري/ العربي/ الفلسطيني، فلا تحفروا الأرض تحت الحائط الأخير، ولا تكشفوا ورقة التوت الاخيرة عند الذات العربية.
الصفقة لن تمر، وحالة الضعف وغياب البوصلة الواضحة الحالية في المشهد العربي لن تستمر طويلا، فقط بعض الصمود والثبات على الموقف والمراكمة على المنجز العربي للمقاومة الشعبية، لا تفكيكه وتشويهه وسلب الطرف العربي أقوى أوراقه الكامنة.