تاريخ الخط العربي و مكان نشوء الإسلام

أمجد سيجري
2019 / 7 / 22

اللغة العربية لغة الفصاحة والأدب والأشعار الجاهلية والمعلقات التي طالما تغنينا بها وبقوة معانينها وبفصاحتها و الأهم من كل هذا والذي أعطاها أهميتها أنها لغة القرآن التي نزل وكتب بها " إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " بالتالي كان الإسلام وإنتشار الإسلام ولغته نقطة تحول خطيرة في تطور وإزدهار هذه اللغة وهيمنتها على من سبقها من لغات أو لهجات المنطقة السابقة التي إستفادت منها العربية ومن كتاباتها واحتوتها بداخلها لذلك تقبل الناطقين بتلك اللغات السابقة هذه اللغة التي حملها معهم المسلميين بكل بساطة وتحدثوا بها لأن كل ناطق رأى نفسه بهذه اللغة طبعاً ولا ننسى الدور الأهم ألا وهو الدور السياسي الذي لعبته الدولة الإسلامية في إنتشار لغتها المقدسة لغة القرآن .
إذا كان الإسلام هو الفيصل الذي أعطى هذه اللغة القداسة وأعطاها نتيجة لهذه القداسة جواز سفر وعبور لتصل لأقاصي الأرض وتنتشر مع المسلمين أينما إنتشروا إذا لفهم الإسلام يجب أن نفهم لغته المقدسة ولفهم تاريخ ومكان نشوء الإسلام يجب أن نفهم مكان نشوء لغته المقدسة.

- النقطة الأولى اللغة العربية :

يقول الدكتور جواد علي أن اللغة العربية هي لغة شمالية بتأثيرات حميرية ماذا يعني هذا القول :
نشأت اللغة العربية الشمالية في شمال شبه الجزيرة العربية داخل المناطق النبطية في الجنوب السوري و على تماس مباشر مع الأرامية النبطية بل يعتبرها البعض فرعاً منها و تعرضت أيضاً لتأثيرات عربية جنوبية حميرية نتيجة الهجرات اليمنية العكسية من الجنوب للشمال من هذه التأثيرات المستخدمة حتى اليوم " التنوين " والذي يشكل تعريفاً للكلام واليوم لايمكن وضع " أل" التعريف للكلمة التي تحتوي تنوين ومن التاثيرات أيضاً الحروف الروادف "ثفذضظغ " كما أن نقوشها في الشمال كانت تكتب بعدة خطوط جنوبية كالخط اللحياني والثمودي والصفوي المتفرعة من الخط المسند الحميري لذلك يرجع الباحث الدكتور أحمد الجلاد اللغة العربية الى الفترة الممتدة بين القرنين الرابع والثاني قبل الميلاد لعثوره على مقاطع فصيحة ضمن النقوش المسندية الشمالية حيث أكدت أبحاثه على فكرة أن اللغة العربية لم تنطلق من شبه الجزيرة العربية وتمتد إلى الشمال إنما انطلقت من البادية اﻷردنية وإمتدت إلى الجنوب باتجاه الحجاز وشبه الجزيرة العربية .

فيما معظم العلماء يرجعون بروز اللغة العربية للقرن الثاني ميلادي فالنقوش النبطية المكتوبة بالارامية النبطية متوفرة بكثرة للفترة الممتدة من القرن الثالث قبل الميﻼد وحتى قرون عديدة ﻻحقة ولكن هناك أربعة نقوش نبطية فقط باللغة العربية من أصل بضعة آﻻف باللغة اﻵرامية وقد قُدمت هذه النقوش اﻻربعة على أنها أدلة لتحوّل الكتابة النبطية الى الجزم وبروز اللغة العربية الشمالية من النبطية أقدمها نقش عين أفادات في النقب وقد إحتوى على سطرين فقط بالعربية ويرجع تأريخه الى اﻻعوام ( 88- 150 ) ميﻼدية ويليه في القدم النقش المكتشف في منطقة أم الجمال جنوب سورية وهو يعود الى العام 250-271 ميﻼدي .
النقش الثالث هو نقش رقّوش المكتشف في مدائن صالح شمال الحجاز ويرجع تاريخه الى العام 267 ميﻼدي وقد إحتوى هذا النقش على نص اضافي لملخص بأبجدية المسند الثمودي مكتوب عموديا وتضمن أيضا على حروف منقطة اما النقش الرابع فهو نقش النمارة الشهير المكتشف جنوب سوريا في المناطق النبطية في السويداء وسنعرض نقشي أم الجمال الأول ونقش النمارة.
1-نقش أم الجمال الأول :
وجد هذا النقش في موقع أم الجمال جنوب غرب السويداء في سورية يعود لسنة 271 م حسب ليتمان الذي نصه يقول :
1- دنة نفسو فهرو .
2- برشلي ربو جيمة .
3- ملك تنوخ .
ترجمه الكونت دي فوجي :
1-هذا قبر فهر .
2-ابن سُلّيْمربي جذيمة .
3-ملك تنوخ .

2-نقش النمارة:
أكتشف أيضاً في المناطق النبطية في السويداء سنة 1901م يعود لسنة 328 م ويعتبر أول نقش يظهر العرب كقومية حيث. يصف امرء القيس نفسه بملك العرب والنقش :
1- تي نفس مر القيس بر علمك ملك العرب كله ذو اسر التاج .
2- وملك اﻻسدين ونزرو وملوكهم وهرب مذحجو عكدي وجا .
3- بِزجَي في حبج نجران مدينة شمر وملك معدو ونزل بينه .
4- السعوب ووكلهم فرسو لروم فلم يبلغ ملك مبلغه .
5-عكدي هلك سنة 223 يوم 7 بكسللو بلسعد ذو ولده .
في العربية الحديثة :
هذا قبر
1- هذه نفس امرئ القيس بن عمرو ملك العرب كلها الذي نال عقد التاج
2-وملك قبيلتي اسد ونزار وملوكهم وشتت مذحجاً بالقوة وجاء الظفر الى السوار
3-واندفع في مشارف نجران مدينة شمر وملك معدا واستعمل وولى بنيه

4- الشعوب ووكله الفرس والروم – فلم يبلغ ملك مبلغه .
5- في القوة هلك سنة 223 يوم 7 من كسلول ليسعد الذي ولده .

- النقطة الثانية نشوء الكتابة العربية

كانت الكتابة النبطية تتمتع بشيء من التعقيد هي متفرعة من الكتابة الأرامية إستمرت هذه الكتابة بالتطور حتى حتى تم تميز شكلين لها الشكل الاول " نقشي " مختص بالنقوش كالشواهد والشكل الثاني نسخي مختص بأوراق البردي التي يدون عليها المعاملات التجارية والإتفاقات ومع أخر نقش نبطي متأخر في النمارة 328م كان أول نقش بالجزم الذي تم العثور عليه منقوشاً على الصخر قرب جبل الرم شرق العقبة ويعود للعام 328 ميﻼدي أيضاً وهو مكتوب بحروف من الجزم والمسند لذلك تقنسم مدرسة الجزم الى مدرستين الأولى تقول بتفرعه من المسند والثانية تقول بتفرعه من النبطية بالنسبة لي اعتبره ثمرة التزاوج للخطين النبطي الشمالي والمسند الجنوبي فنرى مثلاً في خط الجزم حروف الدال، العين، الواو، الطاء، والنون مثلاً قريبة في النبطية وحروف "الألف و الشين، العين، الهاء، الجيم، الفاء، القاف، الذال، الزاء، الكاف، والنون يمكن إرجاعها جميعا أيضاً للمسند مع ملاحظة ان بعض الحروف تتشابه بالكتابتين النبطية والمسندية الموصولة .
حتى اليوم لم بكتشف سوى سبعة نقوش للجزم لفترة ما قبل ظهور اﻻسﻼم كلها في المناطق النبطية أو بجوارها أقدمها كما أسلفت تم العثور عليه قرب جبل الرمّ الى الشرق من العقبة ويرجع تاريخه الى العام 328 ميﻼدي أما النقوش التالية في القدم فهي النقشان المكتشفان في سكاكة شمال غرب المملكه العربية السعودية ويعودان الى القرن الرابع او اوائل القرن الخامس الميﻼديين والرابع نقش أم الجمال الثانية في المناطق النبطية في السويداء يعود للقرن الخامس ميلادي .
أما النقوش الثﻼثة المتبقية فيرجع تأريخها جميعا إلى القرن السادس الميﻼدي الخامس هو نقش زبد المكتشف في شمال سوريا وهو نقش خربة زبد التي تقع بين قنسرين ونهر الفرات وتاريخه يعود الى سنة 512 م .
وعليه ثﻼث كتابات هي اليونانية والسريانية والخط النبطي( العربي القديم ) المتأخر وكتابته على حجر مثبت في بناية كنيسة وقد احتوت اسماء اﻻشخاص الخيرين الذين أسهموا في أنشائها و يتصف الخط المكتوب بشبهه بالخط الكوفي الإسلامي.

السادس فقد تم اكتشافه قرب جبل أسيس جنوب شرق دمشق ويرجع تاريخه الى العام 528 ميﻼدي أما السابع والأخير وهو الأهم في تاريخ اللغة العربية وهو أقدم نقش عربي متكامل بلغة عربية تماثل لغتنا العربية الفصحى القرآنية تم العثور عليه في المناطق النبطية في سورية - السويداء وهو نقش حُراَّن .

نقش حران : عثر عليه في المنطقة الشمالية من جبل العرب وهو مكتوب على حجر فوق باب كنيسة يوحنا المعمدان في اللجاة بلغتين اليونانية والعربية ويعود تاريخه على سنة 568 ويعتبر أول نص كامل بكلماته وتراكيبه جميعا بالإضافة يظهر فيه أول إستخدام ل" ال " التعريف بالإضافة لكتابته بخط يشبه الخط القرآني القديم لقربه من العصر اﻻسﻼمي المبكر ونصه :
1-انا شرحيل بر ظلموا بنيت ذ المرطول سنت
2-سنة 463 بعد مفسد .
3-خيبر .
4-بعم .
يقول ليتمان : ان مفسد خيبر انما يشير الى غزوة احد امراء بنى غسان لخيبر ويستدل بقول ابن قتيبة ثم ملك بعده الحارث بن ابي شمر وكان غزا خيبر فسبى من اهلها ثم اعتقهم بعدما قدم للشام.
تاريخ نقش حران المدون هو 463 تقويم بصرى من سقوط البتراء فيكون +105 التاريخ 568 ميلادي.

النقطة الثالثة الشعر الجاهلي و نقوش شبه الجزيرة العربية مركز الحدث الإسلامي التراث :

كانت اللغة العربية الفصحى هي لغة إقليمية محلية قبل الإسلام حسب السردية الإسلامية هي كانت لسان قريش الفصيح ولسان مكة وسوق عكاظ الشهير الذي تمت به كتابة الشعر الجاهلي الذي خلده لنا ونقله لنا التراث الإسلامي لكن المصادفة عظيمة ما تم نقله من أشعار كانت تتشابه بشكل غريب مع الأيات القرآنية في الإستعارات والصور البلاغية حتى المقاطع مما دفع العديد من المشككين لإعتبار القرآن انتحال لتلك الأشعار الجاهلية وعلى رأسهم الفرنسي كليمان هوارت الذي ادعى أن أشعار أمية ابن الصلت مصدر من مصادر القرآن في مقال نشره في المجلة الأسيوية عام 1904 وللأسف ما نزال نردد هذا الكلام الذي ينقص للعلمية فقليلاً من الشك في المحتوى الشعري الجاهلي قد يضع أمامنا العشرات من الأسئلة حول وصول هذا الشعر إلينا والبيئة التي خرج منها والألفاظ المستخدمة في هذا الشعر فنصل لنتائج مهمة في هذا المجال وبالفعل هذا مافعله عميد الأدب طه حسين بكتابه " في الشعر الجاهلي " سنة 1926 م حيث رد على ادعاءات كليمان حول الشعر الجاهلي كمصدر من مصادر القرآن تعامل مع قضية الشعر بمنهج علمي الجاهلي منطلقاً من الاسلوب الديكارتي العقلاني الذي يبتدئ بالشك كنت أظن أن طه حسين قد تأثر بما جاء به سمويل مرجليوث في عدة بحوث نشرها في المجلة الأسيوية الملكية :
- - الشعر الجاهلي في مادة محمد 1916
- أصول الشعر العربي 1925.
لكن في الحقيقة طه حسين أول من تعامل مع الشعر الجاهلي من هذا الباب وذلك في مقال نشره في مجلة الرسالة سنة 1914 يشكك فيه شعر الخنساء المنسوب لها.
عموماً العميد طه حسين ركز على عدة محاور ليدعم منهجة وهذه الخطوط تلخص كتاب طه حسين :
في أن الشعر الجاهلي أن الشعر الجاهلي قد وصل إلينا عن طريق الراوية الشفوية كما أنه ﻻ يمثل حياة الجاهلية الدينية والعقلية والسياسية والإقتصادية واﻻجتماعية للجزيرة العربية كما أنه يعبر عن وحدة اللغة فيه ﻻ تصور اللغة العربية في العصر الجاهلي حسب كتب التراث والتي أن لغة العرب منقسمة الى قحطانية وعدنانية .
كما أن النزاعات القبلية بعد، الإسلام وخصوصاً بين المهاجرين واﻷنصار خلقت مجاﻻً خصباً لوضع الشعر وتمجيد الأنساب
كما وجد في العصر اﻷموي والعباسي فئة من الناس اتخذوا من الحديث عن أخبار اﻷمم الماضية والسير والمغازي مهنةً لهم وقد عمد هؤﻻء إلى اختﻼق الشعر ليزينوا به قصصهم ويمتعوا المستمعين .
ولا ننسى دخول الأعاجم في الإسلام وخلق حالة الشعوبية كالخصومة التي ثارت بين العرب والفرس أثر واضح في وضع الشعر وإضافته إلى الشعراء الجاهليين فقد كان الفرس ينظمون بعض اﻷشعار التي تظهر عيوب العرب وينسبونها إلى شعراء جاهليين وبالمثل فقد فعل العرب الذين كانوا يردون عليهم .

اذاً بعد هذا العرض البسيط لوضع الشعر الجاهلي الحساس الذي وصفه طه حسين معظمه بالمنحول وبعد أن بينا أن الرحم الذي خرجت منها اللغة العربية والخط العربي كان الجنوب السوري في المناطق النبطية فهل من المعقول أن شبه جزيرة العرب ومركز الحدث الإسلامي لم تحتوي أي نقش؟
بصراحة في مركز الحدث الإسلامي مكة في الداخل السعودي لم يتم العثور على أي نقش باللغة العربية يعود لقبل الإسلام أو الفترات المبكرة بالإسلام جميع النقوش العربية التي تم العثور عليها في المناطق الشمالية من المملكة السعودية المجاورة للمناطق النبطية وأهمها نقش زهير الذي عثر عليه الدكتور علي ابراهيم الغبان سنة 1999 يعود لوقت وفاة عمر بن الخطاب سنة 24 هـ - 644 م بالقرب من مدائن صالح مكتوباً فيه :
( بسم الله أنا زهير كتبت زمن وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة أربع وعشرين .. أنا زهير مولى ابنت شيبة )

كما تم إيجاد عدة نقوش بمنطقة جبل سلع بالقرب من المدينة المنورة وكما نعرف تلك المدينة تاريخياً وديموغرافياً تنتمي للمناطق النبطية بساكنيها الاوس والخزرج المنتسبين للغساسنة بالتالي ليس غريباً أن نجد أقدم النقوش العربية لكن هناك أسئلة كثيرة حول هذه النقوش وعددها سبعة نقوش إكتشفها الهندي الدكتور حميد الله خان سنة 1939
M. Hamidullah, "Some Arabic In-script-ions Of Medinah Of The Early Years Of Hijrah", Islamic Culture, 1939 Volume XIII
مكتوبة ضمن الجروف الصخرية للجبل وقد تأذت هذه النقوش كثيراً نتيجة العوامل الجوية وقد نشر خان 4 منها أطولها طبعاً حميد خان كان مؤرخاً فإعتمد على حكاية معركة الخندق التي وقعت بالقرب من الجبل لتأريخ هذه النقوش فأرجع تاريخها لسنة 625 م - 4 هجري لكن بصراحة لا يوجد ما يدعم هذا التاريخ سوى إفتراضات للمؤرخ فبعض الدراسات الحديثة تقول أن هذه النصوص لاحقة كتبها البعض لتخليد الحدث الإسلامي المهم في تلك المنطقة فدون الكاتب أسماء الصحابة الذين شاركوا في تلك المعركة ويرى الدكتور عبد العزيز حميد صالح في كتابه تاريخ الخط العربي أن هذه النقوش تبعاً لتحليل الخط المكتوب وبه والأخطاء النحوية في العبارات أنها تعود لأواخر العصر الأموي وبداية العصر العباسي المبكر ومنها للقرن التاسع ميلادي ومن هذه النقوش :
" انا عمارة بن حزم انا ميمون [..]
انا محمد بن عبد الله انا و [...] بن عوسجة
انا خلف انا سليمن اﻻصغر
انا [.. ]انا سهل ابن [..]انا معقل الجهيني يا الله انا [.. ] انا سعد بن معذ [....] ابن [....] انا [....] انا على بن ابو طلب و محمد .

النقش الثاني :
-أمسى وأصبح عمرو
- وأبو بكر هكذا يتوبا ‏
-‏ إلى الله من كل
- مايكره

النقش الثالث :
-أشهد أن ﻻ [.....] ا [..] إله ‏[ إﻻ ا ‏] لله وأشهد أن محمد عبده ‏[ ورسولـ ‏] ـه
- برحمتك يا الله ﻻ إله إﻻ
- ‏[ هو علـ ‏] ـي ا توكلت وهو رب
- العرش العظيم .

اذا بعد هذا العرض السريع لأهم النقاط الخاصة في تشكل الخط العربي لابد أننا قد وجدنا تناقضات عديدة مع السردية التي تم تلقينها لنا حول اللغة العربية ونشوء اللغة والكتابة وخلق لدينا التعديد من التساؤلات والتي أعتقد أنني من خلال هذا المقال جاوبت على قسم منها وكونت لكل منكم رؤية خاصة حول الموضوع .... في النهاية الرأي الأول والأخير لكم .