خرافة الأمة الإسلامية

نضال نعيسة
2019 / 7 / 22

في دراسة وتحليل ظاهرة الدونية الوجودية والشعور بالنقص الحضاري والانحطاط والهوان والعجز الكلي عن اللحاق بركب "الأمم" القوية والمحترفة عمد المتأسلمون، كما المستعربون ومن في حكمهم، على اختلاق وهم الأمة الخاوية والاتجار بها والتصور، وسواسياً، بوجود كيانات وهمية افتراضية، كـ"الأمة الإسلامية"، بمواجهة أمم أخرى قوية موجودة فعلاً يعيشون حالة استعداد وصراع دائم أخلاقي وحضاري وحقوقي وإنساني معها، ومن ناحية أخرى بغية السيطرة السياسية وتأـبيد بقاء الطغم والفاشيات القائمة والحاكمة، التي تتحكم بمصير شعوب المنطقة وتتوارثها منذ قرون خلت لم تجلب لها سوى الفقر والجوع والاستبداد ورفع الشعارات النارية الضوضائية الغوغائية الفارغة، شبعت بموجبها هذه الشعوب من القمع والقهر والبؤس والعوز والعار والمهانات والإذلال والانحطاط الذي يكفيهم لقرون قادمة.
ولعل مفهوم الأمة الإسلامية، و"قريشستان" الذي يتاجر به مشعوذون مدفوعو الأجر بصفة أبواق بمنابر أسيادهم أئمة الدين الحق وأمراء المسلمين وولاة البشر خلفاء الله على الأرض اليباب، ويروجون له آناء الليل وأطراف النهار لإقناع الغوغاء والرعاع والدهماء به وسقط المتاع، هو واحد من تلك الخزعبلات الترويجية الكبرى التي يروجها هؤلاء، وستعني للسامع بأن هناك "أمة إسلامية"(رجاء ممنوع الضحك والمسخرة)، حقيقية كالأمة الفرنسية، والألمانية، والبريطانية التي تحمل خصائص ديمغرافية تاريخية وراثية واحدة وتعيش بكيان سياسي مستقل وموحد وله حدود معترف بها دوليا ولها تراث ومخرجات حضارية موحدة تعكس ثقافة وتجربة وتطور وسياق تاريخي موحد أيضاً، حسب مفهوم الأمة الجيني والتاريخي ورؤية ابن خلدون التطورية في نشوء الأمم وأصولها القبلية الواحدة.
فهم يفترضون أن الإيديولوجيا الأسطورية الخرافية الدينية التي تحملها مجموعات بشرية غير متجانسة لا ثقافياً ولا ديمغرافياً أو جينياً، وهي هنا ثقافة قريش في القرن السابع وتحديثاتها التوراتية من ورقة بن نوفل والراهب بحيرى، يطنطنون بها ويرهبون بها عدو الله الوهمي، هي عصب هذا الوجود الوهمي الكياني وكاف لوحده من جعلها قوة سياسية يتاجرون بها بالمحافل الدولية مع العلم أنه لا يوجد عناك "أمة" في التاريخ ولا شعوب تعيش حالة التشرذم والصراعات الطائفية والتكفير الجماعي والتوين والانفصال والانفصام والانقسامات المذهبية التي تعيشها هذه "الأمة الإسلامية" الافتراضية، واستعار الحرب القائمة فيما بين مكوناتها من 1400عام والتي لا يمكن توحيدها، فقهياً، وشرعياً، على الأقل قبل توحيدها سياسياً، كما أن حالة الصراع والعداء والكيد والترصد القائمة بين أقطابها الرئيسية السياسية الموجودة حتى، كالسعودية، وإيران، وتركيا، ومصر وغيرها، والتنافس المستعر فيما بينها، تنسف أي تصور لوجود أي شكل من أشكال "الأمة الإسلامية" حتى الافتراضية منها، علماً بأن كل ضحايا المسلمين وإرهاب الأمة الإسلامية الافتراضية، اليوم، هم من المسلمين بأيادي مسلمين، ولو كان هناك كيان سياسي إسلامي موحد "أمة إسلامية" لما احتاجت الدول الإسلامية التي نتحمل ذات الموروث الإيديولوجي، لمنظمة المؤتمر الإسلامي، المختلفة فيما بينها سياسياً والمتشرذمة عقائدياً وسياسياً، لتمثلها في جسد إقليمي لم يجتمع يوماً ما حول كلمة واحدة، تماماً كمسرحية التهريج والمسخرة الأخرى المسماة بـ"الجامعة العربية"، التي تفترض هي الأخرى وجود "أمة عربية واحدة" لمجرد أن مجموعات بشرية غير متجانسة لا جينياً، ولا ديمغرافياً، يتكلمون نفس اللغة.
وإذا كانت ذات الإيديولوجيا الدينية الخرافية الأسطورية التي يعتنقها ويحملها نفس البشر كافية لخلق أمة واحدة، فهذا يعني وجود "أمة مسيحية" واحدة،بين أكثر من مائة دولة بالعلم، و"أمة يهودية" في كل مكان يتواجد فيه اليهود، وأخرى "بوذية"، ورابعة "زرادشتية" وواحدة "تاوية"، وهكذا دواليك رغم الانتماء الجغرافي المتباين والمتباعد لهؤلاء فهل يجوز الحديث عن وجود "أمة" لمجرد حمل بشر ما لأفكار ما بغض النظر دائماً عن صحتها، وصوابيتها وأحقيتها وشرعيتها وقانونيتها أم لا؟
فهل الكوري والصيني والتايلاندي والبورمي والفيتنامي والنيبالي والكمبودي والياباني هم أبناء أمة بوذية واحدة لمجرد أنهم يحملون ذات الأفكار النيرفانية الواحدة للمعلم بوذا؟ إذا كان الأمر والمعيار كذلك، عندها يمكن الكلام عن وجود أمة أسلامية واحدة؟