الأخلاق...أين الطريق؟

محمد عودة الله
2019 / 7 / 22



هذا المقال لم ينتج عن كون الكاتب "مدرسة" في الأخلاق بل لأنه تائه ويتلمس طريقه في هذا الزمن المظلم، زمن المصلحة الفردية واقتصاد السوق وعبادة الدولار، زمن وفرة المعلومات وضحالتها، وزمن استخلاص "البركة" من التخلي عن القيم، وزمن الخداع الأكبر للجياع بالقضاء والقدر، وزمن الهاتف المحمول ومواقع التواصل الإجتماعي والعطش الإنساني، إنه زمن ترمب والرجل الأبيض وشريعة الغاب، ويأتي في وقت تفكك المجتمع ليقول: لا يمكن لمجتمع أن يعيش أبداً بدون أخلاق، ولا توجد أخلاق بدون حرية.
قال الرسول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، أي أن الأخلاق كانت موجودة قبل الرسالة وبعدها، وعليه ليس صحيحاً أن الإسلام يقول إن لا أخلاق بلا دين، بل أن هناك فلاسفة يرون العكس تماماً بأن الدين نقيض الأخلاق، لأن العمل الأخلاقي دينياً مرتبط بالفوز برضا الله والآخرة وبالتالي المنفعة الشخصية. إلا أن هناك مصادر في الديانات التوحيدية يمكن أن تشكل بعض الأساس للعمل الأخلاقي؛ مثل أن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه، على أن هذا المبدأ يتيح للغني مثلاً الذي أمن الفقر ألا يساعد الفقراء لأنه لا ينتظر المساعدة إذا أصبح فقيراً.
ما هو مصدر الأخلاق؟ يعتقد أن أوامر ونواهي الوالدين والمجتمع في مرحلة الطفولة تستدخل في الأنا العليا وتصبح شكلاً من الوازع الأخلاقي أو الضمير للشخص، وهو ما يفسر شعور الشخص بالذنب أو تأنيب الضمير عند تعديه/ا على نوازعه/ا الأخلاقية، وعليه فإن الأخلاق تبنى على بنية الأسرة والمجتمع في أي لحظة من التاريخ ولا تسقط من الفراغ.

هناك العديد من النظريات الأخلاقية ولا يوجد نظرية كاملة لحل معضلة الأخلاق، فهناك الأخلاق المطلقة، ومنها الصدق دائماً، فإن سألك لص معروف عن مكان تواجدك هذه الليلة، فهل ستقول له الحقيقة؟ أو لو سألك سفاح يحمل سكيناً عن مكان اختباء أطفالك، فهل ستجيب بالصدق؟ لا شك أن الكذب في هذه الحالات هو موضع الخير، وهناك أيضاً نظرية أرسطو في الأخلاق الطبيعية أي البحث عن المتعة واللذة وإشباع الرغبات، والتي تغفل أن الفقراء لا يمتلكون سوى أن يبحثوا عن لقمة العيش، ونظرية أخرى سائدة في النمط الرأسمالي هي الأخلاق الأنانية، أي أن البحث عن المنفعة الشخصية بغض النظر عن أي اعتبار مبرر أخلاقياً، وهذا النمط هو ما أخذ يتبلور شيئاً فشيئاً بعد أوسلو في فلسطين. لا يمكن للمصلحة الشخصية أن تكون أساساً لبناء مجتمع بل لتدميره لأنها في وقت قلة الموارد تتحول إلى ما يسمى "حرب الجميع ضد الجميع". نظرية أخرى هي الذاتية والتي تقول بأن الفرد هو معيار الأخلاق وهي مناسبة لمن يسعى إلى التحرر من أي "عبء" أخلاقي!
وهناك أيضا الأخلاق النسبية والتي تقول إن لكل مجتمع قيمه الأخلاقية والتي قد تختلف عن مجتمع آخر، فمثلاً الجنس قبل الزواج يمكن أن يكون طبيعياً في مجتمع ما ومن المحرمات في مجتمع آخر، وهذا إلى حد ما صحيح، ولكن هل يمكن اعتبار العبودية شأن داخلي لمجتمع ما؟ هل يمكن اعتبار التطهير العرقي الذي تمارسه "إسرائيل" وبموافقة المجتمع الصهيوني فعلاً "أخلاقياً"؟ إن النمو السكاني للشعب الفلسطيني ربما دليل على عدم ارتكاب الكيان للإبادة ولكن تآكل الرقعة الجغرافية التي يعيش عليها الفلسطينيون دليل على التطهير العرقي.
"إسرائيل" لن تمنحنا حقوقنا بلقاءات الفنادق، ومواجهة جرائم الصهيونية المتكررة ضد الإنسانية بالقوة مبررة في كل الأخلاق والشرائع، وعلينا أن نسعى إلى نقل تكنولوجيا الصواريخ المقدسة من غزة إلى الضفة بدل المسعى لنقل التنسيق الأمني الدنس من الضفة إلى غزة، وختاماً إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وضع حد لنسبية الأخلاق بشكل مطلق، وأوجد الحد الأدنى من الممارسات المقبولة على مستوى البشرية في العصر الحديث.
أما كانط فتحدث عن الأخلاق كأداء للواجب وأن للإنسان كرامة باعتباره أي الإنسان كائناً منطقياً، وهو صاحب مقولة الحتمية القاطعة في الأخلاق والتي تتحدث عن ضرورة معاملة الجميع على أنهن نهاية في حد ذاتهن وليس مجرد وسائل، وعليه لا يصح الزواج من شخص في سبيل مصلحة أنانية أو طمعاً في مال أو من أجل الحصول على جنسية أجنبية، إن الأخلاق الكانطية انعكاس لأخلاق البرجوازية الأوروبية في وقتها وهي ترتكز على جعل الفردية حالة طبيعية مما ينافي الطبيعة.
إن النظرية الأخلاقية الأكثر انتشاراً في الدول المتحدثة بالإنجليزية هي الأخلاق النفعية وشعارها المشهور لبنثام "أكبر كم من السعادة لأكبر عدد من الناس"، إنها ترتكز على السعادة وحسابات الألم والمتعة في قبول العمل أخلاقياً، أي أن العمل يعد أخلاقياً إذا أدى إلى زيادة السعادة، ولأنها تنظر إلى النتائج لا الأدوات فهي ترى أن الغاية تبرر الوسيلة، وكم من الجرائم ارتكبت بمبرر من مثل هذه الأخلاق، وإذا نظرنا إلى العالم العربي والإسلامي في هذا الزمن، والنظرة الغربية المختزلة إليه في أنه ينتج الوقود الأحفوري (ضار بالبيئة) وداعش، وأن مثل هذا الإنتاج ضار بالإنسانية، وأن هناك من ينادي بنشر الإسلام في كل الكوكب بالسيف، وبالتالي يسهل النظر إلينا "كخطر" على الإنسانية (شيطنتنا)، وتأتي الأخلاق النفعية لتبرير إبادتنا بالكامل مثلما بررت إبادة من سبقونا إلى محرقة التاريخ الأنجلو سكسوني، وعليه يذكر ترمب رجاله بأن أمريكا قوة "للخير" في الشرق الأوسط، ولا يتذكر أن الغرب ومن خلفه إسرائيل حرم المنطقة من التطور وفرض عليها سياسات التجريف الاقتصادي والسياسي، ولقحها بالإسلام الأصولي كبديل عن الصراع الطبقي والقومي، وما زال يدعم داعش في سوريا وفي أنظمة الكومبرادور العربي، والغريب أن النفط يصبح مسلماً عندما يدمر الكوكب، وأمريكياً عندما يعود بالأرباح الإقتصادية وبالدعم للإمبراطورية، وينسى أن النفط في المنطقة كان يمكن أن يعود باستخدام الطاقة النظيفة إلى دواء للجرب فقط لولا إدمان الغرب على عائداته.
لقد شاهدنا مؤخراً كيف قامت السلطة الفلسطينية بمعاقبة مفطري رمضان الفائت، وكيف عينت نفسها مكان الله لتقيس مقدار الإيمان في القلوب، إن إكراه الناس على الدين لن يحقق سوى الابتعاد عنه ويخلق ثقافة من النفاق الإجتماعي تعادي الحق والحقيقة، وإن المعاصي مجال عمل الخالق وهي ليست جرائم، القانون الوضعي يعاقب على الجريمة وقانون السماء يعاقب على المعصية، والخلط بين المعصية والجريمة من مجمل سياسات أوروبا العصور الوسطى، ومن كان من رجال السلطة وحماس بلا خطيئة فليرمنا بحجر، وإن أي مجتمع يعشق الحق والحقيقة عليه أن يراعي حرية التعبير، فمن يخطئ يعلمنا من خطئه ومن يصيب يمشي بنا خطوة إلى الأمام في طريق الحق، ولا يمكن بناء نظام عدالة وقانون يعتمد على الانتقام بحلق الرؤوس والترويع لأن مبدأ الثأر والعين بالعين "سيتركنا جميعا عميانا"، مفطر رمضان لم يدع صائم إلى الإفطار وهذا هو الاحترام، أما ما يتم البحث عنه من "احترام" حرمة الشهر الفضيل فهو القمع والخوف من المجموع لأن هنالك ربما من فقد الأمل في احترام الآخرين له ويسعى فقط إلى خوفهم منه، لهؤلاء أقول: إن الشقاء لا ينتهي بتعميمه.
لقد قدم كارل ماركس قراءته فيما يتعلق بالأخلاق، وتحدث عن أن أخلاق المجتمع هي أخلاق الطبقة المهيمنة، وتحدث عن الإغتراب الذي يعانيه الإنسان وعلى الأخص طبقة العمال في ظل النظام الرأسمالي، ورأى ماركس أن أخلاق التضامن وتعاطف الإنسان مع أخيه الإنسان أي أخلاق الطبقة العاملة هي الأخلاق الحقيقية، وقدم تصوراً لأخلاق ترتكز على الحرية لعالم متحرر من الحاجات والإغتراب والاستغلال، عالم خالي من الطبقات، وعالم يعمل فيه الفرد تعبيراً عن وجوده لا من أجل لقمة العيش، ويعمل الشخص ما يحب أن يعمله لا ما يتطلبه السوق، عالم يتحرر فيه الإبداع من العرض والطلب، عالم يرتكز على قيمة الإنسان الحر لا على حساب البنك أو الدين أو لون البشرة كما هو الحال اليوم، عالم تتحد فيه الغايات والأدوات، إلى أن يجيء ذلك اليوم سوف أظل أنظر إلى نوع الطريق الذي أسير فيه وليس إلى حسابات الربح والخسارة، لأنني تعلمت أن كل المكاسب لا تعوض أن تخسر نفسك أو من تحب.