حزب العدالة و التنمية و مرحلة الانهيار الشامل

الرفيق طه
2019 / 7 / 22

حزب العدالةةو التنمية و بعد انهياره الخارجي ،هاهو يسير خطوة تلو الاخرى نحو الانهيار التام.
من تتبع تأسيس العدالة و التنمية على انقاض تجربة الشبيبة الاسلامية الارهابية التي تورطت في اغتيال رموز اليسار ،و ضمن المسار الذي اختاره مجموعة بنكيران التي اعتبرت حركة الثوابون و التي اختارت طريق التخلي عن مواجهة النظام و الدفاع عن مؤسساته و شرعيته و الحفاظ على مواجهة اليسار و جعله اساس التناقض السياسي و محاولة احتكار تمثيلية الاسلام السياسي امام النظام مقابل تسهيلات النظام له.و منذ تاسيس الجمعية الاولى اصبح اخوان بنكيران عملاء للمخابرات و منفذين لمخططات محاربة المعرضة اليسارية و مراقبين لاتباع الحركات الاسلاموية الاخرى.و قد كان التعاون بين جماعة بنكيران و الداخلية في المساجد و المؤسسات و المناسبات الدينية و ضبط المنتسبين للحركات الاسلاموية خاصة اتباع الشبيبة الاسلامية الذين استمروا على نهج عبد الكريم مطيع.
و تطور هذا التعاون و العمالة بين جماعة بنكران و الداخلية الى الانخراط في اختراق الجامعة و مواجهة المد اليساري فيها بالتوازي مع جمع المجموعات الاسلامية و توحيدها في جماعة واحدة او جماعتين لعبت الداخلية و اقطاب النظام دورا اساسيا فيه .و كانت بداية التسعينات مرحلة القوة لهذا التجميع حيث تمكنت التنظيمات الاسلاموية من خلق وحدة بين العدل و الاحسان و جمعية بنكيران التي جمعت فيما بعد مجموعات اخرى انضمت لنفس الاطار الذي تبنى برنامج اختراق الجامعة و وأد الاطار النقابي للطلاب الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
لكن هذا التحالف لم يدم طويلا خاصة بعد الاغتيالات المتتالية التي راح ضحيتها شهيدين من الصف اليساري هما المعطي بوملي و ايت الجيد بنعيسى ،و بعدما انكشفت حقيقة التعاون بين جماعة بنكيران و الاختلاف على الموقف من ما سمي الاقامة الجبرية لعبد السلام ياسين بفيلا له بسلا.يضاف الى هذا فان خروج كوادر الشبيبة الاسلامية في اطار العفو لسنة 94 و تسابقهم على حزب الحركة الشعبية الدستورية الذي عرضه رئيسه عليهم من السجون و لضبط تحركاتهم و اظهار توبتهم و حسن نيتهم تجاه النظام و مساعي هذا الاخير الحميدة لاطلاق سراحهم بضمانات منه،تسابق بنكيران و الرميد و آخرين الى احتلال المواقع الامامية في الحزب بعدما كان البصري يشجع بعضهم على الالتحاق الجماعي بحزب الاستقلال.
سياسة ادريس البصري و تهييئا لمرحلة التناوب التي عزم عليها الحسن الثاني لتنفيذ وعده للكتلة الدمقراطية بتسلم الحكم في اطار سياسة التناوب ،جمع البصري اسلاميي المشاركة في حزب الحركة الشعبية الدستورية للدكتور الخطيب و جعل منهم حزبا جاهزا و منظما شارك في انتخابات 1997 و اصبح رقما عنيدا في المعادلة خاصة بعد انشطار كل من حزب الاتحاد الاشتراكي الى حزبين (الاتحاد الاشتراكي و المؤتمر الوطني) و تقسيم منظمة العمل الدمقراطي الشعبي الى مجموعتين(الحزب الاشتراكي الدمقراطي و منظمة العمل) كما انقسم حزب التقدم و الاشتراكية (التقدم و الاشتراكية و جبهة القوى الدمقراطية) و بقي حزب الاستقلال هو الناجي من مخططات النظام لانهاء دور الكتلة هو الناجي من آفة التقسيم .و هذه الاوضاع و آثارها السلبية على الحركة النقابية التي انشطرت كذلك مما سهل على الحزب الوليد الحركة الشعبيةالوطنية الدستورية و التي تحولت الى حزب العدالة و التنمية ان يصبح اهم رقم في العملية السياسية التي مازالت تدار بيد النظام و يده اليمنى ادريس البصري.
تولي حكومة التناوب و لتأدية دورها التاريخي في الانتقال السلس للسلطة من الملك الحسن الى ابنه محمد السادس لعب دور العدالة و التنمية دور المراقب الاوضاع تحت ما يسمى المعارضة النقدية ،اي دعم التناوب دون المشاركة فيه .و قد كان ينتظر اشارة البصري لاي تدخل و خلط للاوراق.لكن سرعان ما انتقل الى المعارضة الفعلية بعد اقالة ادريس البصري من منصب وزارة الداخلية.
و قد عاش حزب بنكيران مرحلة صعبة اثر الاهتزاز الذي عرفته الحركات الاسلاموية بين 2001و 2003 بعد احداث نيويورك و الدار البيضاء و عملية التصويت على قانون الارهاب و الاعتقالات التي عرفتها الحركات السلفية و تورط عدد من المنتسبين لحزب العدالة و التنمية في العمليات الارهابية بالدار البيضاء.
تعرض الحزب للتهديد بالحل و انهاء دوره في الحياة السياسية .لكن الذين دفعوا بمشروع حله لم يكونوا مطلعين على بواطن الامور و اعماق الحقائق السياسية على المستوى المحلي و الدولي.حيث اصطدموا بفيتو محلي من طرف الدولة العميقة التي تمثل النظام و الفاعلين الحقيقين في رسم الخريطة السياسية للمغرب انسجاما و مصالح قوى الضغط المحلي و الدولي.حيث ان حزب العدالة و التنمية لم يعد حزبا بسيطا في اللعبة و لكنه ذراع جزء مهم من قوى الضغط المحلي و ذراع حركة الاخوان المسلمين بالمغرب و التي تعتبر قوة سياسية مهمة تتحكم فيها مجموع المخابرات الدولية من البريطانية الى الامريكية.حيث ان حركة الاخوان المسلمين بكل اذرعها الدولية و المحلية تساهم في تنفيذ المخططات الامبريالية العالمية في مجموعة من مناطق العالم.
افغانستان ايام المجاهدين و محاربة الاتحاد السوفياتي، شق الصف المقاوم في فلسطين،حرب العشر سنوات بالجزائر ،البوسنة و الهرسك و تدمير يوغوزلافيا،كوسوف..الشيشان،افغانستان الثانية ،العراق و سوريا و السودان و الصومال. كلها احداث كانت حركة الاخوان المسلمين لاعبا اساسيا فيها اما محاربا او محاربا (كسر او فتح الراء).مع الاشارة الى ان حركة الاخوان تعد قوة مقاومة ضد اي تغيير في مصر منذ تأسيسها الى اليوم حيث تعرقل كل تطور نحو التحرر.
هكذا اصطدم مشروع حل الحزب بفيتو النظام الذي راهن على شل الحداثة و التغيير و حركاتها باستعمال الحزب الى جانب الاحزاب الادارية الاخرى.و يعتبر موقفه من الخطة الوطنية لتنمية المرأة خير نموذج لذلك و الموقف الذي لعبه اثناء انتفاضة حركة عشرين فبراير و توليه قيادة الحكومة بعد ذلك.
ففي الوقت الذي تبين فيه ان امكانية حل حزب العدالة و التنمية مستحيلة ليس لقوته او لشرعيته و لكن للدعم الذي يتلقاه من لوبي عميق في الدولة و لوضعه ضمن المخططات الاستراتيجية للقوى العظمى لتنفيذ ما يسمى بالفوضى الخلاقى و غيرها... اختار جزء آخر من لوبيات الضغط اسلوبا آخر لخلق التوازن على المستوى المحلي اولا و تجاوز عقدة الاحزاب الادارية و الاحزاب الوطنية التي كانت من الثقافة السياسية الوطنية.
هذا الاختيار انبنى على تاسيس حزب ذو وجه حداثي من وجوه و رموز لبيرالية و يسارية مستعدة للمشاركة ضمن ما يسمى بالمسلسل الدمقراطي و تخدم لتزكية مشرعية و شرعية النظام و بشعارات تركز على معادات الفكر الاسلاموي و منافسة الاسلامويين على خدمة النظام.هذا الحزب الذي لم يختلف في مساره التاسيسي عن مسار حزب العدالة و التنمية الا في بعض الرتوشات الشكلية في الشعارات و على البنى التي اعتمدها للاستقطاب.حيث بني بكوادر الحركات اليسارية الثورية التي اختارت التوبة للنظام و الاستعداد للعمل في اطار اللعبة الدمقراطية اضافة الى من استقطبوا من احزاب اخرى و من اعيان و آخرين.انه حزب الاصالة و المعاصرة الذي توفرت له كل الامكانات المالية و اللوجيستية و الرمزية ليكون الحزب الاقوى في فترة وجيزة بعد اعلان التاسيس.و هذا ما عرفته كل الاحزاب الادارية التي خرجت من رحم الدولة كحزب التجمع الوطني للاحرار و الاتحاد الدستوري و حزب العدالة و التنمية و بنسب ضعيفة المؤتمر الوطني الاتحادي و الحزب الاشتراكي الدمقراطي و جبهة القوى الدمقراطي اثناء اعلانها في الانتخابات الاولى.
و بالفعل تمكن الحزب الوليد من اكتساح الانتخابات طبعا بدعم اجهزة الدولة مما اثار حفيظة كل الاحزاب الاخرى و قياداتها التي استشعرت الخطر الداهم من طرف النخبة المسيطرة على الحزب و التي في اغلبها وجوه كانت يسارية معروفة بجرأتها و شجاعتها مدعومة بالاعيان الاساسيين و الذين يعدون القاعدة الخلفية لاغلبية الاحزاب خاصة الادارية منها.
و بعد تكوين مجموعة الثمانية و كان البام عمودها الفقري و التي تلاشت قبل اي محك على الواقع تكون تحالف غير منظم و غير معلن بين جميع احزاب الكتلة المنتهية و حزب العدالة و التنمية اضافة الى احزاب ادارية اخرى ضد البام.
و قد كان خروج حركة عشرين فبراير نقطة تحول في حياة الحزبين الاساسيين ،العدالة و التنمية و حزب البام ،الذين عولا عليهما كلاعبين اساسيين في المرحلة لتهميش احزاب الكتلة من المشهد السياسي و فتح آفاق اخرى امام الجمهور خاصة الشبابي منه العازف على السياسة و المشاركة في لعبة الانتخابات.
بالنسبة للبام تم ذبحه من الوريد الى الوريد برفع صور رموزه خاصة على الهمة على انه رمز فساد في مسيرات عشرين فبراير و اصبح نموذجا لحزب المافيا و الفساد .و قد لعبت العدل و الاحسان دورا اساسيا في هذا الذبح لان الحزب كان يعلن رموزه بشجاعة عن مواقفهم من الاسلام السياسي و من فكرهم االذي وجبت محاربته.و حسبت العدل و الاحسان انها معنية بهذه الحرب رغم البام كان يحارب فقط ضمن اللعبة الانتخابية اما دور العدل و الاحسان في رسم الخريطة السياسية فان البام و العدالة و التنمية متوافقان عليه.
.كما ان الحرب الاعلامية التي تجندت لها كل الطاقات الحزبية و المؤسسات و الحركات و الجمعيات لمواجهة عشرين فبراير ركزت اساسا على جعل البام نقيضا و سببا في فشل النموذج الدمقراطي و تجاوزا للاعراف.كما تم تصويره و كأنه الشيطان الاكبر في المسلسل الحزبي و شماعة علقت عليها كل الازمات التي انتجت حركة عشرين فبراير. و قد لعب العدالة و التنمية دورا مهما في هذه الحرب خاصة بعد المواقف الانتحارية التي اعلنها قادته بانضمامهم للجبهة المدافعة عن القصر و النظام و مواجهة شعارات حركة عشرين فبراير بل عزل كل من يعلن تعاطفه معها.
هكذا و في الوقت الذي غرب فيه نجم البام من سماء المشهد صعد كوكب العدالة و التنمية كاهم حزب في المشهد خاصة بعد تولي قيادة الاخوان المسلمين الحكم في مصر و النهضة في تونس و تمكن الفوضى من بزوغ الحركات الاسلاموية في كل من ليبيا و سوريا و صعود نجم قيادات الاخوان في اليمن بعد سقوط على عبد الله صالح و الاهم هو الدعم الذي اعلنته الدول الغربية و ادارة اوباما لحركات الاسلام السياسي. في هذا الجو احتل حزب العدالة و التنمية موقع العمود الفقري للمشهد الحزبي الرسمي.و استغل هذا الوضع و الدعم المطلق المتبادل بينه و بين النظام لفرض مقترحاته على دستور 2011 مما مكنه من دعم نظامي و دعم حزبي انضاف اليه اجماع لقوى الاسلام السياسي عليه لتولي سدة الحكم في ظل النظام.
هكذا تولى الحزب رآسة الحكومة بعد انتخابات اكتسح فيها عدظ مقاعد البرلمان بدعم كتلته الناخبة الجامدة و دعم حركة العدل و الاحسان و حركات اخرى كالسلفيين و غيرهم من الزوايا ،اضافة الى دعم الاحزاب الاخرى لقطع الطريق على البام. و هكذا انسحبت العدل و الاحسان من عشرين فبراير و توالت قرارات حكومة العدالة و التنمية لتمرير مخططات النظام و المؤسسات المالية الدولية و بدعم شعبي مبني على عاطفة المظلومية و الثقة العاطفية في رجال الدين.
و رغم كارثية النتائج المحصل عليها في تجربة الحكومة الاولى الا ان النظام لم يتخلص من الحزب و الكتلة الناخبة لم تتخلى عن حزبها في الانتخابات الثانية بسبب العزوف و التراجع الكبير عن المشاركة في الانتخابات و التي رفعت من اسهم الحزب من الاصوات في بورصة الانتخابات.
و بعد تولي حكومة سعد الدين العثماني و بعد الادارة الاعلامية الناجحة للفشل في تكوين حكومة عبد الاله بنكيران و بعد ظهور صراعات بين اقطاب الحزب و انتشار فضائح قادة الحزب من الجنسية الاخلاقية الى وصول بعضهم للسجون بسبب الرشوة و بعد تورط وزرائهم في علاقات مشبوهة و تورط بنكيران الرمز في الاستفادة من تقاعد سمين جدا 8 ملايين شهريا ...اصبحت صورة الحزب ،حزب العدالة و التنمية،صورة مشوهة عند ابناء الحزب قبل غيرهم ،و اصبح ملائكته شياطين في نظر اغلبية الناس بل اصبح وكرا للمنافقين و الفاسدين و الظالمين.
حزب العدالة و التنمية اليوم فقد طهرانيته و انتهى دور برنامجه المبني على الاستعطاف الديني ،لم تعد لغة المظلومية لها دور في كسب الاصوات و الاستقطابات .اذن انتهت مرحلة من حياة الحزب و هي الصورة الخارجية التي يسوقها للناس. و اليوم لم تبق لدى الحزب غير قوته الداخلية و التي يعبر عنها بما يسمى حزب المؤسسات.
لكن هذه القوة لم تكن حقيقية و لم تكن هناك قوة تنظيمية و لكنها فقط انعكاس للصورة التي تظهر للخارج .لان كل التناقضات الداخلية كانت تصدر على حساب النقيض المفترض الذي ياخذ في كل مرحلة اسما و وجها مختلفا تصنعه الالة الاعلامية للحزب و تراتبيته التنظيمية المبنية على الامر و الطاعة.
سوق للناس ان البام و الهمة عدو الحزب و سرعان ما عانق بنكران الهمة.سارع بنكيران و الحزب الى شيطنة حزب الاتحاد الاشتراكي و الاشكر و بعده تمت شيطنة حزب الاستقلال امينه العام و عاد و تحالفوا معهما .و في مرحلة اخرى شيطنوا حزب الاحرار و اخنوش و سرعان ما اختاروه حليفا لهم .من هنا تبين للداني قبل غيره ان هذا الحزب و قادته في كل مرحلة يصنعون لجمهوره شيطانا يحاربونه و سرعان ما يعودون لغسل وجهه و جعله وليا صالحا. و هي طريقة لتنفيس التناقضات و الصراعات الداخلية للحزب.
لكن اليوم اصبحت التناقضات الداخلية هي التي تطفو على السطح و لكنها تسيطر على كل شيء في حياة الحزب في ظل الفشل الذريع الذي حققه في فترة حكمه و في ظل الازمة الخانقة و انسداد اي افق امام النظام لحل الازمة على كل المستويات.
اذن الوضع الذي عرفه الحزب على المستوى الخارجي هاهو يكتمل بالانهيار الداخلي الذي بزغ بتولي العثماني لحقيبة رآسة الحكومة بعد اعفاء بنكيران و كذلك ما عرفه الحزب من انشقاق بعد ازمة الطاحونة الحمراء بباريز و السيدة امينة ماء العينين تنضاف لها ازمة التصويت على قانون الاطار للتربية و التعليم و التي ادت الى اعلان بنكيران تفكيره في الانسحاب من الحزب و دعوته للانسحاب من الحكومة و تخلي الازمي عن رآسة الفريق البرلماني.هذا الوضع ينبأ بالانهيار الداخلي للحزب .هذا الانهيار الذي اذا اضيف الى الانهيار الخارجي فان الحزب يعتبر في عداد المنته .
من هنا و بعد الانهيار الداخلي فلن يجمع الحزب الا المسؤولية الحكومية و المواقع التي يسيطر عليها النافذون في الحزب لمنعه من الانهيار. لكن اي اعفاء للحزب من منصب المسؤولية الحكومية سيعتبر اعلانا للانهيار الشامل للحزب .اللهم اذا ما ظهر مستجد يعيد اللحمة بين اعضاء الحزب تجعلهم يجتمعون في انتظار من يجدد انهيارهم.

سي محمد طه الدار البيضاء 2z/07/2019