الصهبجية:بين مطرقة الفن الهابط وسندان الزمن الجميل

محمود الصباغ
2019 / 7 / 22

"يا ملتقى الصحبة.. يا لاللي
يا ورد في الصحبة.. يا لا للي
منورين في القعدة تملّي
يا صهبجية.. إيه يا لا للي
عاوزين شوية.. إيه يا لا للي
حاجة مِ اللي هيّه.. إيه يا لا للي
حبة آهات على ليل على عين
على ترلا للي"
يشير موقع "ويكيبيديا" أن هذه الكلمات* هي للشاعر صلاح جاهين و التلحين و الغناء للفنان سيد مكاوي.
غير أن تاريخ الصهبجية أقدم من ذلك بكثير ويعود في رأي البعض إلى منتصف القرن التاسع عشر حين ظهر في مدينة بورسعيد نوع من الغناء يسمى الضمة كان يؤديه عمال التراحيل الذين شاركوا في حفر قناة السويس، حيث كانوا يجتمعون في نهاية كل يوم للغناء، وسرعان ما تحولت سهرات الضمة هذه إلى ظاهرة فنية ميزت المدينة لاحقاً، ومن الواضح من الاسم أن الضمة كاصطلاح لغوي -وكما يعرفها الدكتور محمد شبانة- تعني: "الجماعة من الناس وغيرهم ينضم بعضهم إلى بعض وليس يجمعهم أصل واحد". أي مثل الذين شاركوا في حفر القناة والذين أتوا من مناطق مختلفة في مصر وتتشابه ضمة بورسعيد في محتواها مع ضمة السويس، أما في الإسكندرية، بلد سيد درويش فتسمى بالصهبة وأصحابها صهبجية ممن كانوا يؤدون الموشحات والقدود و التواشيح الحلبية التي جلبها شاكر الحلبي في القرن السابع عشر الميلادي معه من حلب. والضمة والصهبة و الصحبة شديدة القرب من أدوار الدراويش والمتصوفة، حيث يشير الباحثون إلى أن كثيراً من مرتادي الضمات كانوا من مرتادي حلقات الذكر، حيث يرتدي الصحبجية في الضمة الجلابيب البيضاء والعمامات الخضراء وهم يرددون الأغنية التراثية الدينيةالشهيرة:
"إيه العمل يا أحمد
يوم طلعت المشهد
/والأنبياء تشهد
إنك رسول الله"
وقد ظهرت الصهبجية كجوقات غنائية بين جماعات حرفية كالنجارين والحدادين والعمال والمكوجية كانوا يجتمعون لأداء أغاني من تأليفهم وارتجالهم مرتبطة بحرفتهم و عاداتهم وتقاليدهم، وتتألف هذه الجوقة في أغلب الحالات من خمسة أفراد هواة يرأسهم مغن حاذق وعلى معرفة بطريقة ما بالموشحات، فكانوا يقصدون المقاهي والمحلات العامة مثل فرق سعد دبل ومحمد الحصري بين أعوام1865 -1890،غير أن أشهرها ماكان في زمن عبده الحامولي 1845-1901. فمع بداية القرن العشرين بدأ الموشح يفقد مكانته الريادية في الغناء العربي بظهور ملحنين ومطربين كبار تعاملوا مع الأوزان و المقامات بطرق مبتكرة مثل الشيخ درويش الحريري، الذي تغنى بقصائد الفصحى والعامية في الافراح والمناسبات الشعبية مما ساهم في انتشار الألحان الجديدة في الأحياء الشعبية والمقاهي. وفي هذا الصدد يقول الموسيقار والمؤرخ محمد كامل الخلعي : "فلما تعلم بعض الشبان الموشحات على أوزانها منا وصاروا يغنون بها في أخريات الليل في حالة أنسهم ونشوتهم في تلك القهاوي، تنبه أصحابها إلى أن هناك أوزان منظومة عليها تلك الموشحات، وهي التي تحدث الطرب المطلوب البعيد عنهم، فأخذ بعضهم بطريق السرقة أو التودد بضعاً من هذه الأوزان. وفي مدة عشر سنوات انتشر أكثرها. هذا من جهة الأوزان، أما من جهة تنغيم تلك الموشحات فحدث عن الخطأ البين والتبديل والتغيير فيه ولا حرج، وهم معذورون في ذلك لأسباب، أولها لعدم استعداد أصواتهم لهذا الفن، ثانيًا لعدم أخذهم ممن يوثق بالأخذ عنه".
كانت فرق الصهبجية تؤدي أغانٍ بكلمات لا وزن ولا معنى لها مثل:
جابو رواية من حدا الكسباني
نغزل صمولي للطحال الضاني
ويطلعوا منها الفراخ كتله
زي الجاموس يطرح بلح حياني
وكل بلحةفيها معمل طرشي
وان خمّروها تطلع فول سوداني
وأيضاً
يا طالع الشجرة
هات لي معك بقرة
تحلب وتسقيني
بالمعلقة الصيني..
مستخدمين ألحان الموشحات أو غيرها من الأغاني التراثية، دون أدنى اهتمام بالوزن أوالمعنى والميل للإكثار من ترديد عبارات بعينها، وهو ما اعتمد عليه فيما بعد كبار الموسيقيين أمثال صالح عبد الحى وسيد درويش، مثل الآهات و "يا لالالي" و "ياعين يا ليل"...إلخ. ويرى عباس السباعي في كتابه (قالب الموشح ودوره في الأغنية السودانية) أن مثل هذه العبارات إنما استخدمت" لتطابق الإيقاع الغنائي الذي يراد التلحين عليه و لتكملة الميزان الإيقاعي لما يراه المؤدي"... ولعل مثل هذه اللازمة هي التي أوحت لجاهين بأغنيته مخاطباً مكاوي" يا منورني فى القعدة تملى.. آه يالالى" فيمسك الأخير عوده ليبعث في الكلمات البسيطة غير المترابطة حياة من نوع آخر تجعل كل من سمعها يهتز -ربما دون قصد- نشوة و طرباً وسلطنة.( اداها سيد مكاوي في جلسة خاصة سنة1986، والسلطنة كلمة منحوتة من السلطان ومجازه الذي يعني المقام العالي ... لذلك استحدث المطربون والعازفون مصطلح السلطنة للدلالة على المزاج العالي الذي يصاحب الجلسات الفنية التي يعزف ويطرب فيها أقوى وأصعب الأغاني ذات المستوى العالي من الموشحات والمواويل والأغاني القديمة).
ورغم ما عرف عن الصهبجية بعدم احتراف أعضائها للغناء بالدرجة الأولى. إلا أنه كان لهم أكبر الأثر في نهضة و تطور الموسيقا في مصر لاحقاً على يد محمد عثمان ( صاحب الموشح الشهير "ملا الكاسات") و عبده الحامولي( وهذا الأخير استمرت فرقته حتى العام 1901)، رغم تعرض الصهبجية للهجوم ووصفهم بالحشاشين وغير مؤهلين للغناء والفن وما يقدمونه ليس سوى نوع مبتذل من الغناء لايتفق مع القواعد الفنية و الأسس الموسيقية . فيقول صاحب كتاب "الموسيقا الشرقية" محمد كامل الخلعي في فصل خاص بعنوان "فصل في التحذير عن الأخذ عن قهاوي الحشيش المعروفين بالصهبجية" كيف أفسد هؤلاء الصهبجية (أو العصبجية) كثيراً من أوزان الموشّحات، وحفظها عنهم خلقٌ كثير ممن امتهن الغناء. ويستشهد على ذلك بقوله: "إن جماعات الصهبجية أو أصحاب قهاوي الحشيش كانوا يجلسون جماعتين متقابلتين على دكتين وسطهما طاولة عليها شمع وزجاجات الخمر البخس، يغنون الموشحات المصرية والشامية وعند نهاية الموشح يبدأ أحد الصبية بغناء موال غاية في سخافة الألفاظ وقبح المعاني. وأما " النابغون منهم تلقوا بعض الموشحات على رؤسائهم في القهاوي كسعد دعبل ومحمد الخضري، وغيرهما بدون أوزان... ويربو عمر كل منهما على الثمانين، وقد اختبرتهما فوجدتهما لا يعرفان اسماً لأي وزن". رغم أن الخلعي نفسه ابتكر بعض الأوزان يتعارف عليها أهل الاختصاص بالأسماء التالية:
العجيــب – ميزان 17 / 4
المفـــرح – ميزان 19 / 4
العويـص:وهو مركب من خمسة أوزان: الورشان ، الفاخت ، المحجر ، النوخت الهندى والسربند.....ويقول الخلعي عن سبب قيامه بوضع هذه الأوزان الجديدة، طريقته التى ابتكرها فى التلحين، وهى العمل على مطابقة الميزان الشعرى بالميزان الموسيقى، فلا يكون فى الغناء قصر فيما يجب مده من الحروف ولا مد فيما يجب قصره منها، كما يطالب الأجيال الجديدة من الفنانين بأن يخترعوا أوزانا تنطبق على الأوزان الشعرية أو يضعوا أوزانا حديثة..وهذا يعني بطريقة ما خضوع الخلعي للذائقة الشعبية ولما هو سائد في عصره.
لم تمنع هذه الملاحظات استمرار الصهبجية وانتشارها كطرب شعبي يمتلك أصالته ومكانته الخاصة في الذاكرة المصرية، لاسيما التطور الحاصل في فن الموشح الموزون الذي صار يلهج به لسان المطربين في المقاهي و المنتديات الفنية، وكما يقال " إذا وقع في يدك يوم السرور فلا تخلّه فإنك إذا وقعت في يوم الغم لم يخلك." ويمكن تتبع أثر الصهبجية فيما بات بعرف بالمونولوج الفكاهي الساخر و الطقطوقة ( أو الأغنية الخفيفة ذات الإيقاع الراقص دون التركيز على المعنى أو الموضوع، وكانت الطقطوقة في البداية فسحة للتعبير عن "المشاعر" الجنسية تقدم بين فصول المسرحيات بهدف تسلية الجمهور خلالها، وهي ما تعرف بتسمية الهنك و الرنك بمعنى الميوعة والطراوة في الغناء كان قد ابتكرها محمد عثمان منذ أيام الخديوي اسماعيل. إذ لم يكن المغني ،وقتها، يمانع من التلاعب بصوته بطريقة تدعو للضجر مردداً جملة أو شطراً من قصيدة. وكانت منيرة المهدية تثير حواس المستمعين ببحة في صوتها فيها طابع جنسي"على ما يذكر فتحي غانم في كتابه"الفن في حياتنا"). مثلما هو حال"فرقة الدراويش" للهواة في الإسكندرية، التي أسسها محمد درويش في خمسينيات القرن الماضي"وهو بالأساس طالب حقوق" والتي استمرت لعدة سنوات قدمت خلالها العديد من الحفلات و شاركت في أفلام سينمائية مختلفة ثم اختفت ،و لعل السبب في ذلك أن معظم أفرادها من الهواة و الذين لديهم أعمال و مشاغل أخرى طغت على عملهم في الفرقة، بما يشبه نهاية معظم فرق الصهبجية.
وتعد طريقة عمل الشيخ عبد الرحيم المسلوب وهو من ملحني القرن التاسع عشر من أشهر طرق الصهبجية، من خلال ابتكاره ألحاناً جديدة مستمدة بالدرجة الأولى من إرث الصهبجية، فضلاً عن دوره الهام في الابتعاد عن الغناء التركي وتقديم فن مصري أصيل، الأمر الذي استمر وتطور على يد تلميذه عبده الحامولي. وكان المطرب صالح عبد الحى أول من قدم أغاني الصهبجية فى الإذاعة المصرية في العام 1934، كما كان له الفضل فى استعادة أغانى الحامولى ومحمد عثمان والشيخ القبانى ووداد حسني وغيرهم، من خلال معايشته لأغانيهم وإعادة غنائها بنفس الطريقة التى كانوا يؤدونها، على الرغم من أن الإذاعة المصرية لم تسجل ألحانًا كثيرة بصوته، وكان هو والشيخ زكريا أحمد من أهم من حفظ ألحان كبار المطربين وشيوخ الغناء من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
يقال ان الثورة على القوالب الفنية لمجرد الثورة لا يمكنها أن تخلق فناً جديداً.
.... طيب، ما الذي، إذن، يجعل من الفن الذي قدمه المطرب "الشعبي" أحمد عدوية ينافس في مرحلة ما من تاريخ مصر أم كلثوم" الرسمية" من حيث عدد السمّيعة؟ هل يعود ذلك إلى تغير الزمن و الأذواق؟ والحاجة إلى قوالب موسيقية حديثة مختصرة وقصيرة زمنياً وذت إيقاع أسرع يتناسب مع "المرحلة"؟ وهل ما قدمه عدوية ينتمي لهذه القوالب؟ هل ما نشهده حالياً على الساحة الفنية يحمل سمات الثورة في وجه أعمال سيد درويش والقصبجي والسنباطي ومنير مراد والرحابنة وآخرين غيرهم تحت بند حاجة الموسيقى دائماً لافكار حديثة منسجمة مع روح العصر، بغض النظر عن القوالب الموسيقية حديثة كانت أم كلاسيكية؟.
لاشك أنها أسئلة تثير الكثير من القلق عند المهتمين في الشأن الموسيقي والغناء. ولعل الجواب يكمن في أننا جميعنا أو معظمنا مازال يذكر أغنية الصهبجية في فيلم الكيت كات** دون تفاصيل أخرى من الفيلم ذاته، وهو ما يعني من بين أشياء كثيرة سهولة انتقال"الحدوتة" عبر اللحن و الكلمة أكثر منها عبر الكلمة فقط، إذ لا تستلزم الموسيقا التفكير العميق للاندماج فيها.
أخيراً، لاينبغي النظر إلى الصهبجية بمعيار القيمة الحسابي، أي كنوع غنائي هابط أو غير هابط، فالصهبجية لها ظروفها التاريخية و أسبابها الذاتية لنشأتها التي لاتدخل في حكم القيمة، فقد راج في مراحل مختلفة من تاريخ الأغنية مصطلح الغناء الهابط ويقابله الغناء الراقي"ليس بالضرورة ذلك النوع الجدي أو الملتزم"، ورغم تداخل المعايير لتعيين الحدود التي تفصل هذين النوعين فثمة معطيات عامة تستخدم على نطاق واسع لتصنيف الأغاني الهابطة تركز في معظمها على الكلمات أي الشعر الحاوي على ألفاظ وعبارات غير شعرية ثم على المطرب وأخيراً اللحن. (ولست أدري كيف يمكن أن يقال عن لحن أو نغم انه هابط )، فماذا يعني الهبوط هنا؟
سأل أحدهم الشاعر الكبير ابن الرومي، صاحب أطول ديوان شعر عربي: " لمَ لا تشبه تشبيه ابن المعتز وأنت أشعر منه؟ فقال له أنشدني شيئاً من شعره أعجز عن مثله،فأنشده وصف ابن المعتز للهلال:
أنظرُ إليهِ كزورقٍ من فضةٍ....قد أثقلته حمولةٌ من عنبرِ
فقال ابن الرومي له ، زدني، فأنشده:
كأنَّ آذَريونَها...والشمسُ فيه كاليَهْ
مداهنٌ من ذهبً..فيه بقايا غاليَهْ
وصاح ابن الرومي:واغوثاه، لا يكلف الله نفساً إلاوسعها، ذلك إنما يصف ماعون بيته ....إلى آخر الحكاية"***..نعم "كلٌّ يصف ماعون بيته"، فالإنسان مولع بالتعبير عما ينقصه أو يحتاجه ويستمد ما يحتاجه من بيئته و محيطه ، فهل ينطبق هذا على الأغنية الهابطة التي لا تختاج إلى جهد في تذوقها ولا إلى عمق في تأملها حين تستجدي متعة سريعة يستشعرها السمّيع فيحلق بعيداً عن معيشه؟ فإذا كان الأمر كذلك ، فمثل هذه الأغاني تمثل هروباً من الواقع، دون أن تستطيع الابتعاد عنه، فالأغنية سواء قلنا عنها هابطة أم لا شديدة الالتصاق بالواقع بحكم وظيفتها.و إذن فالمقصود بالهبوط -بوصفه حكم قيمة- تقديم عمل سطحي لم يبذل صانعوه جهد كبير في خلقه وسوف نصاب بالدهشة حين نكتشف أن أساطين الغناء وعمالقة الاحن و الكلمة لم يتورعوا على إنتاج مثل هذه الأعمال ، فثمة طقطوقة لأم كلثوم غنتها سنة 1926 من كلمات يونس القاضي و ألحان أحمد صبري النجريدي بعنوان"الخلاعة والدلاعة مذهبي...من زمان أهوى صفاها والنبي.." ويقال ان الرئيس عبد الناصر أبدى تذمره من كلمات هذه الأغنية بعد نجاح الثورة سنة1953، مما جعل السيدة أم كلثوم تسحب أسطوانات الأغنية من السوق، واقترح عليها أحمد رامي أن تستبدل كلمات الأغنية بأُخرى على نفس اللحن. دون أن يغيب عن بالنا أغنية محمد عبد الوهاب "عشرة كوتشينة" التي انتشرت بعد أغنية أم كلثوم بعام، وكذلك أغنية سيد درويش "وأنا مالي ما هي إللي قالتلي"، التي أثارت اندهاش وغضب الجمهور لما تحمله من إيحاءات جنسية واضحة مما دفع درويش لنسبها إلى المُطربة أمينة القبانية، و سلطانة الطرب منيرة المهدية حين غنت "إرخي الستارة" و "بعد العشا يحلى السهر والفرفشة"، كما قدم صالح عبد الحي "لابسة الشراب لحم الهانم". ومن ينسى بديعة مصابني والسيد سليمان حين قدما كوبليه "جوزني يا بابا" سنة1949، فتقول بديعة "جوزني يا بابا ليتلفوني بنات اليوم" ويرد عليها السيد "البنت لسه من البيضة طالعة بتيجي لابسة وفي السكة قالعة".
فإذا كانت الأغنية الشعبية تتسم بالبساطة في الكلمات والمعاني و اللحن وعفوية التعبير و تلقائية المشاعر مما يجعلها قريبة من وجدان الشعب فيستوعبها بسهولة و يرددها مثلما كان الحال مع مواويل محمد طه في خمسينيات و ستينيات القرن الماضي وأغاني محمد العزبي ومحمد رشدي و شفيق جلال في السلعينيات و ما بعدها، أقول، إذا كانت الأغنية الشعبية تشتمل على كل هءا ، فهي في الوقت ذاته أكثر قر باً من غيرها من السقوط في التكرار و الصحالة و الإسفاف، ولو استمربنا في معايير حكم اىقيمة -بمعنى السلب و الإيجاب- فسوف نصل إلى نتيجة ترى في كثير من الأغاني القديمة التي طالما طربنا لها أنها اغاني سلبية هابطة مثل أغنية ليلى مراد"اضحك كركر" من كلمات أبو السعود الإبياري ولحن محمد القصبجي، و أغنية عبد الوهاب "خَيّ خَيّ"، وسو يكون لزاماً علينا تفسير طربنا و تصفبقنا لكوبلييه شادية في مسرحة ريا و سكينة "نسبنا الحكومة وبقينا أقاريب"في مسرحية ريا و سكينة، ؟ أو أغنية علي الحجار "الهُؤّة المُؤّة الزَّلَمُؤّة. "في مسلسل رحلة السيد أبو العلا البشري سنة 1986 وهي من كلمات الابنودي و ألحان عمار الشريعي ، وصولاً إلى أحمد عدوية أشهر رواد الأغنية الشعبية بمصر منذ سبعينيات القرن العشرين إلى اليوم ، و أغنياته مثل "بنت السلطان" و " السح الدح امبو" و"،لو الباب يخبط نعرف بره مين" ولاحقاً "،بحبك يا حمار".
أليس الكلمة هي المعيار في تحديد مدى هبوط أو عدم هبوط أغنية ما؟ ألم يقم عبد الحليم حافظ في فيلم دليلة1956 بتقديم أغنية غير راضٍ عنها: (الحقّ عليه ويخاصمني، من كلمات حسين السيد ولحن منير مراد) ، ليجمع أي مبلغ من المال لإنقاذ حبيبته دليلة/شادية المريضة بالسّل؟ ...أليست تلك الأغاني تعبر عن الوجدان الشعبي و بلغته و بذائقته ، مثلما هو حال أغنية محمد منير “مش كل كل ولا أي أي / ساعات باسورَق من وانتَ جَيّ.” .
الفن بخضع للذائقة المدربة بقدر ما هو لحظة تأملية نقترب فيها من رؤية الأشياء بذاتها و على خقيقتها كما يقول برغسون، فالعمل الفني بصورة عامة يحررنا في تأمله ولو للحظة من أي وعد واقعي أو ينتمي للواقع ويجعلنا ننظر له باعتباره هدفاً لتأمل جمالي محض وهو ما يجعلنا نقترب من حقيقته ، وعلى هذا لبس بالضرورة أن نسير على كوبري عباس حتى نشعر بكلمات عدوية و لا أن نستحضر الجوع و الشبع عند تأملنا للوحة طبيعية تمثل حقولاً ساسعة من القمح ، مثلاً، و لعل ما قاله الفيلسوف الأمريكي إروين إدمان في كتابه ( الفنون والإنسان) هو أصدق تعبير عن هذه الحالة:" الفنون الجميلة هروبٌ من الواقع، فهي تتيح للفنان أن يعمل بانطلاق في مادّةٍ طيّعة؛ وقد تكون المشكلات الفنية التي تعترض الشاعر أو الموسيقي صعبة لكنها قابلة للحل، وهو يجد في حلّها نوعاً خلاباً من الغبطة".
......
* كلمات أغنية صلاح جاهين:
يا ملتقى الصحبة.. يا لاللي
يا ورد في الصحبة.. يا لا للي
منورين في القعدة تملّي
يا صهبجية.. إيه يا لا للي
عاوزين شوية.. إيه يا لا للي
حاجة م اللي هيّه.. إيه يا لا للي
حبة آهات على ليل على عين على ترلا للي
الحلو قال جاي ولا جاشي
بقيت أكلم روحي وأنا ماشي
هي الأسية شوية عليَّا
يا صهبجية.. إيه يا لا للي
عاوزين شوية.. إيه يا لا للي
حاجة م اللي هيّه.. إيه يا لا للي
حبة آهات على ليل على عين على ترلا للي
يوعدني قال ويقول معلشي
أورِّي للناس إزاي وشي
يا صهبجية.. إيه يا لا للي
أنا وحبيبي روحين في زكيبة
يتعلموا منا الحبِّيبة
أما العواذل جتها رزية
يا صهبجية.. إيه يا لا للي
عاوزين شوية.. إيه يا لا للي
حاجة م اللي هيّه.. إيه يا لا للي
حبة آهات على ليل على عين على ترلا للي
يذكر أن اسم الصهبة أو الصهباء المكية يطلق على نمط من الغناء الشعبي ينتشر في الحجاز و له تقاليده المعروفة، ومصطلحاته الخاصة. وتسمى محموعة الأبيات المغنّاة من الموشح اسم "الدور". و تتكون جوقة الصهبة الحجازية من "الحادي" و"الشاوون" و"الرديدة"، ويلزمهم جميعاً الحفظ المتقن لما سيؤدّونه، كما أن ترتيبهم من حيث المكان والأداء مهمّ جداً، فهم يتكاملون جميعاً لأداء الدور بشكل متواصل دون توقف، ويسمون الغناء المتواصل هذا "الشيلة"، وقبل إنهاء الشيلة تتم (الشبشرة) وهي علامة بقرب إيقاف الغناء للاستراحة. ويصاحب الصهبة نوعين من الإيقاع
-إيقاع خاص عن طريق "النقاقيل" وهي عبارة عن طبلتين صغيرتين، الواحدة منهما تشبه القصعة، يضرب عليهما بعيدان خشبية نحيلة، وكل واحدة منهما لها إيقاعها الخاص الذي يقوم بوظيفة محددة.
-إيقاع خاص عن طريق الضرب بالكفّ بتصفيق منضبط زمنياً، إذ تكون هناك ضربتان بالكفّ متلاحقتان في المرة الواحدة ثم ضربة منفردة مصاحبة لنقرة النقاقيل.
وتقسم الصهبة الحجازية أو المكية إلى نوعين مصرية ويمانية، وهذا لايعني ان ثمة علاقة تربطهما بمصر أو اليمن ، ولكل منهما إيقاعاته الخاصة التي اشتهرت بها فرق الصهبة في الحجاز. ومن نماذج الأدوار الشهيرة التي يغنيها صهبجية الحجاز: "الهوى أضنى فؤادي/ وبرى جسمي السقام/ وتزايد بي الغرام/ يا تري أبلغ مرادي/ وأرى بدر التمام... لاح من تحت الغمام/ قد وفى جفني سهادي/ وغدا جافي المنام/ ودموعي في انسجام"...
**ظهرت الأغنية في فيلم "الكيت كات" من إخراج داود عبد السيد 1991,على لسان الشيخ حسني
https://m.youtube.com/watch?v=0JJAOQAl7U0&feature=share وقبل ذلك ظهرت الأغنية بصوت إيمان البحر درويش، في فيلم "لقاء في شهر العسل" من إخراج ناجي أنجلو 1987، غير أن طريقة أداء إيمان البحر درويش أثرت بطريقة سلبية على اللحن و لم تظهر جمال مقام البيات ولا بساطة وسهولة الجملة اللحنية الذي ظهر في صوت الشيخ حسني، بل كانت باهتة ومتسرعة وبدى التوزيع الجديد مصطنعاً للأغنية القديمة المنسوبة لسيد درويش، كما ينبغي أن نذكر أن الفنانة سهير المرشدي أدت دور "الصهبجية" في أوائل التسعينيات في مسلسل"ليالي الحلمية"، في أداء سيء أيضاً غلب عليه المشهد التمثيلي. وذات الأمر يقال على أداء خالد الصاوي للأغنية في مسلسل "هي ودافنشي" رغم جهده في إضفاء الحيوية على الأغنية. هذا بالإضافة إلى العديد ممن أدوا أغنية الصهبجية بطرق مختلفة.
***وردت في النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة ليوسف بن تغري بردي ج3، ص 96, طبعة وزارة الثقافة - مصر 1963