نصف تفاحة

محمد أبو قمر
2019 / 7 / 22

لست من النوع الذي يقف أمام المرآة طويلا ، ولا يمنحني دولابي رفاهية اختيار ما الذي أرتديه كل صباح ، لا يميزني شيء عن أي امرأة في المدينة ، ربما فقط ذلك الإحساس الذي ينتابني عندما أتذكر اللحظة التي اقتحم الحب فيها قلبي ، رعشة خفيفة في روحي ، وربما اختلال لا يبين في خطواتي ، وبعض من الضوء أخاله يصدر من عيني حين أري بعضا من علامات الدهشة مرسومة علي وجه من وقعت عيناه في عيني صدفة.
لا شيء يظل علي حاله ، فلم تكن هناك قصة في هذا الشأن تصلح لإثارتها ، فكل النساء سواء ، أركب الميكروباص متجهة كل صباح إلي عملي ، ليس الزحام هو ما يقلقني ، فأنا أشعر بكينونتي بين الناس ، لكن الأكاذيب التي تتدحرج بكثافة عبر الطرقات ، والتي تتكوم بشكل مقزز علي ناصية كل شارع هي ماتجعلني أعود إلي البيت متعبة.
لم أتعلم في أروقة الدراسة الكثير ، لكنني أدركت خارجها أن الحب قد تحول في وطني إلي شعار ضمن الشعارات المرفوعة عن الحرية والمساواة والعدالة ، هل تعرف معني الحرية ؟! ، فلماذا إذن أنا مدرجة دائما في قائمة أملاكك ، رصيدك البنكي ، العقار ، البضاعة المعرضة للتلف ، والديون المشكوك في تحصيلها ؟! . هل تحبني حقا؟؟! ، تحدثني كثيرا عن المساواة ، غير أن ما يتساقط من سيارة جمع القمامة في الطريق ليس فقط بعض من الأوراق الملوثة بكثير من الإدعاءات ، وإنما أيضا كثير من الأكاذيب التي تتجمع كل يوم علي ناصية كل شارع .
أنت نفسك من احتد علي بائعة الخضار ، كنّا في السوق معا نبحث عما يوحدنا ، لكي تغرينا بائعة الفاكهة شقت لنا تفاحة إلي نصفين ، لكنها اشترطت قبل أن نقضمهما سعرأ أعلي مما كنت أنت تظن ، أنت اتهمتها بالجشع ، هي لم ترد عليك ، وإنما حذرتني أنا من أنك تريد أن تتذوق بلا مقابل ، بدا أن كرامتك قد أهينت ، فهددتها باستدعاء البوليس ، فلعنتك ، ولعنت معك الحكومة والرئيس ، كان نصف التفاحة في يدي يكبر، ويتضخم ، ويثقل مثل ذنب لا أعرف كيف ارتكبته ، بينما راح بعض الناس يهدئون من ثورتك ، قال لك أحدهم : لا تأخذ كلام هذه المرأة علي محمل الجد فكُلهنّ ناقصات عقل ودين ، هدأتك العبارة ، وجعلتك تنظر نحوي نظرة التصقت في روحي مثل قيح قديم ، ولاحت علي محياك علامات الزهو كأنك انتصرت في معركة ، غير أنك لم تعرف ، ولن تعرف أبدا ما الذي قالته النسوة للبائعة عن نواقصك وهنّ يهدئنّ من ثورتها ، فيما سرت أنا أجر قدميّ وأنا أحمل نصف التفاحة التي بدت لي في عيون من أصادفهم في الطريق في حجم كل مآسي وآلام وخطايا جميع الرجال الذين يشبهونك.
في البيت ليس لدي وقت أضيعه ، لا أشاهد المسلسلات التركية ، ولا تستهويني برامح تفسير الأحلام ، وأكره هذا السمج الذي يطل من الشاشة بوجه مصبوغ بتقوي ملونة وهو يكرر في كل مرة ما الذي ينبغي أن أتحلي به لكي أروق في عيني رجل في مثل صلاحه المصنوع في الاستديو قبل ظهوره علي الهواء ، عليّ إذن تقشير البطاطس ، ثم أقشر معها ذاكرتي ، وبعد وضع القدر علي النار ، لابد من تحطيم المرآة التي كانت تظهرني في قاعها مضغوطة لا أكاد أبين ، الملاءات التي تشربت بالكوابيس السوداء التي تنتابني كل ليلة سأبدلها بملاءات ملونة ومطعمة برسومات خيالية ومزركشة بأحلام وردية ونجوم وفراشات ، ثم عليّ أن أجد طريقة لوقف تدهور مسكني الذي لم أكن ألحظ أنه يضيق مع مرور الوقت حتي كدت أن أختنق من صعوبة التنفس داخله ، سأحرك جدرانه ليستوعب المساحة الخضراء الممتدة أمامه ، وأُعدل من اتجاهاته لكي تتمكن الشمس من اللجوء إليه هربا من الظلام ، وسأبعده قدر الإمكان عن تلك الناصية التي تتكوم فيها الأكاذيب اليومية ، وبحيث تكون نوافذه مهيأة لمبيت العصافير كل ليلة .
في الصباح سأقف أمام مرآتي الجديدة لكي أزيل التقيحات التي حولت روحي إلي كتلة من الوجع ، ثم أعيد قلبي إلي مكانه الأصلي بعد أن تزحزح دون أن أدري وتسرب من بين جنبي واستقر في صندوق العاديات ، وحين أري قامتي في مقدمة المرآة معتدلة ومكتملة سألقف من دولابي ما تقع عليه يدي لأرتديه ، ثم أُسرع لآخذ مكاني في الميكروباص المتجه إلي عملي .