المنهزمون!

فاطمة ناعوت
2019 / 7 / 21



ما الهزيمةُ؟ ليستِ الهزيمةُ أن يقصّوا ريشَك لكيلا تطير، بل أن يقصّوا روحَك لكيلا تحبّ. إن نجح خصومُنا في أن يجعلونا نبغض ونحذر ونلبس أقنعة الزيف مثلهم؛ فقد انتصروا، وانهزمنا. الهزيمةُ تحلُّ بنا لو نجح الأشرارُ في قتل براءتنا، وتدنيس أفكارنا بالطائفية والبغضاء وتمرير الظلم. إن نجح خصومُنا في تحريضنا على كراهيتهم، فقد انتصروا علينا. لأننا آنذاك سنصبحُ "ردّة فعل" لبغضائهم. يكرهُني فأكرهُه، ما الفارق بيننا؟ كلانا شريرٌ، كلانا آثم.
ليس السَّجنُ قضبانًا تُشيّدُ حول أجسادِنا، فنفقد حريّتَنا، وتُحدُّ إقامتُنا جبريًّا. ذاك أضعفُ السجون. السِّجنُ الحقيقي خيوطُ البلادة واللامبالاة التي تنسجُ شرانقَ باردة حول قلوبِنا، فتفقد قلوبُنا القدرةَ على الخفق والمحبة. إن دخلنا السِّجنَ أنقياءَ القلب، وخرجنا منه بعد سنواتٍ أنقياءَ القلب كما دخلنا، فكأنما لم نُسجَن ساعةً. وإن نجونا من السجن لأننا أشرار، فكأنما عمّرنا في السجن أعمارًا وسنواتٍ وحِقبًا، وسوف نؤبّد فيه إلى أبد الدهر.
إن ظلموا وكذبوا ودفعونا للبكاء والوجع، هلّلوا فرحًا مظنّة انتصارهم. لكننا لن ننهزم إلا إن تضاءلت أرواحُنا فنضمرُ كما ضمروا. قد نبتسم في وجوههم ونشرب نخبَ خيبتهم، لكننا لا وعدًا بأن نصير أشرارًا مثلهم، مادام في أدمغتنا عقلٌ يفكر، وفي صدورنا قلبٌ ينبض ويحبّ.
حتى إن قصفوا أقلامَنا، لن يغنموا انهزامنا. لأن القلم يُوثّق ما يجول في الرأس من أفكار. فإن قُصف القلمُ، غاب التوثيق، ولم تغبِ الفكرةُ. فللأفكار أجنحةٌ، لا يُقصُّ ريشها.
في كل معركة، ثمّة منتصرٌ، وثمّة خاسرٌ. في الحروب والغزوات والغارات؛ ثمة جائرٌ وثمة مُجارٌ عليه. ثمة قاتلٌ وثمة مقتول. ثمة مستعمِر، وثمة مستعمَر. ثمة موجبٌ وثمة سالب. لكن الأمر مختلفٌ في معارك الأفكار وفي معارك القلوب والمشاعر. فهناك منتصران، لا منتصرٌ واحد. وهناك مهزومان، لا منهزمٌ واحد.
حين يفترقٌ طيبٌ وشريرٌ وتتشعّب بهما السُّبل. كلاهما منتصرٌ ولا منهزم هناك. الطيبُ ينجو بنفسه من الدنس، والشريرُ يهرب نحو ضحية جديدة غافلة.
فالذي أفتى بقتل المفكّر "فرج فودة"، شعُر أنه انتصر حين أوحى لرجل أُميٍّ بقتله. فقتل العاملُ الأميُّ "جسدَ" العالم المفكّر فرج فودة. هذا حق. انتصر الرجلان على فرج فودة وأرقداه رقدته الأبدية. وفي المقابل، انتصر "فرج فودة" على قاتليه إذ عاشت أفكاره أكثر مما عاش هو، وأكثر مما سيعيش قاتلوه. فرج فودة، منهزمٌ أم منتصر؟ الإجابة تعرفها كتب التاريخ.
والذين صلبوا وشنقوا ومزّقوا وقطّعوا أطراف الحلاج والسهروردي وأضرابهما، والذين أحرقوا كتب ابن رشد وابن المقفع وأضرابهما، لا شك قرعوا كؤوسَ الانتصار وهلّلوا تهليلات الفرح بالفوز المبين، لكن، هل ترون أن مَن هُزموا قد هُزموا؟ لم يُهزموا. ليس فقط لأن التاريخ ذكرهم وأغفل قاتليهم ومعذّبيهم، بل لم يُهزم الطيبون لأن أرواحَهم لم تتبدّل، ولم يخافوا ولم يُداهنوا شانقيهم لحظة الشنق.
تصوّروا لو أن التاريخ قد ذكر لنا أن الحلاج قد ارتعبَ لحظة الشنق وغيّرَ أفكاره الصوفية الطوباوية واستبدل بها أفكارًا جامدة لا حب فيها ولا ذوبان في عشق الله، بل خوف من جحيم وطمع في نعيم؟ هنا كان بوسعنا أن نُقرّ بهزيمته وخذلانه. تصوروا لو أن فرج فودة قد خُيّر بين النجاة من القتل، مقابل الإقرار لخصومه بما ألصقوه بالله من عنف ودموية، عكس ما كان يرى، وبين أن يثبت على أفكاره ويُقتل كما قُتل وحُرم منه أطفالُه الصغار آنذاك؟ هل تتصورون أنه كان يقبل؟ لهذا انتصر فرج فوده، رغم انتصار قاتليه. لكن الفارق بين الانتصارين يشبه الفارق بين انتصار المرض على جسد فيقتله، وانتصار عالِمٍ على مرض بابتكار دواء يهزم المرض. إنها نسبية الانتصار، ونسبية الهزيمة.
مادامت أرواحُنا بريئةً من البغض والسواد، فنحن منتصرون، سواءً دخلنا السجن أو قُتلنا أو نُفينا عن أوطاننا. الهزيمة تضربنا حين نتبدّل ونفقد براءتنا ونقاءنا، حتى وإن شيّدوا لنا القصورَ المنيفة ونثروا الألماسَ تحت أقدامنا.
هزيمةُ الشخص الطيب ليست في أن نسجنه أو أن نقتله أو نسبّه أو نسخر منه أمام الناس. هزيمتُه الوحيدة هي أن نجعله شريرًا. اللهم لا تسمح بأن نخسر معركتنا ونُهزم الهزيمةَ التي لا نجاة منها، حين نغدو أشرارًا. و“الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن.”

***