زيارة القدس.. شرعنة الاحتلال وتجميل لوجهه

حاتم الجوهرى
2019 / 7 / 20

مؤخرا خرجت من مصر بعض الدعاوي طيبة النية حسنة القصد لزيارة الأماكن المقدسة بمدينة القدس في الأرض الفلسطينية المحتلة، الحجة الأساسية لهذه الدعوات هى دعم الداخل الفلسطيني وإبراز الحضور العربي المساند له، لكنني أعتقد أن ذلك الاجتهاد جانبه الصواب كثيرا..
هناك ألف طريقة وطريقة يمكن لأصحاب الدعوة تلك دعم الصمود الفلسطيني والحق العربي والقدس المحتلة بها، هناك يوم الأرض ويوم القدس العالمي وذكرى النكبة وعشرات المناسبات الأخرى التي يمكن أن يمارس فيها هؤلاء حقهم في التعبير عن دعمهم للقضية وأهلها، من داخل مصر وكل البلدان العربية عبر مختلف المنابر الإعلامية والجماهيرية والثقافية.
لذا فحجة دعم الداخل الفلسطيني من خلال الزيارة مردود عليها بأن الدعم المنتشر في كل البلدان العربية، هو خير رسالة لكل العالم والفلسطينيين أنفسهم بأن العرب مازالوا يحتفظون بقضيتهم المركزية في القلب، رغم كل الظروف والتقاطبات التي تتعرض لها المنطقة في لحظة تاريخية حرجة ومفصلية.
أما من زاوية أوسع فهذه الدعوة تفتقد لمهارة إدراك الظرف التاريخي الراهن التي تتعرض له المنطقة العربية، خاصة بعد موجة الثورات العربية في مطلع هذا العقد، ولعب الغرب على التناقضات العربية ليجد لنفسه الدور الذي يحقق مصالحه وهدف السيطرة على المقدرات العربية الإسلامية، ووصولنا لذروة لحظة السيطرة والمواجهة بالمؤامرة وتصفية القضية الفلسطينية المسماة صفقة القرن، والمصحوبة بعدة تغيرات إقليمية في المنطقة وتسخين معظم تناقضاتها خاصة في ظل التمدد الإيراني في الملف العراقي واليمني واللبناني والسوري، وفي ظل مرور الدول العربية العريقة بذروة الأزمة لنموذج دولة ما بعد الاستقلال والبحث عن مخارج لدور المؤسسسة العسكرية في الدولة، وذلك في بلدان مثل: مصر، الجزائر، السودان.
في كل هذه الضغوط والملفات الساخنة والهدف الرئيسي لأمريكا لاستغلال الظرف وتصفية القضية، يخرج علينا بعض حسني النية برفع شعار هيا نزور القدس لندعم الفلسطينيين ونقاوم سلميا! وكأن إسرائيل/ سلطة الاحتلال هى كيان يحترم القانون الدولي، وكأن الأمم المتحدة ستلزمها بذلك في حين وقفت عاجزة عن إصدار قرار أممي في مواجهة قرار ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعتبارها عاصمة لإسرائيل! يخرجون بهذه الدعوة لزيارة القدس في حين لا يقومون بالدعوة لعقد مؤتمر جماهيري داخلي لدعم القدس والصمود الفلسطيني وتصويره في وسائل الإعلام لتصل الرسالة للعالم أجمع.
وفي الوقت نفسه تتجاهل هذه الدعوة حال الداخل المصري؛ فمصر ما بعد 25 يناير تحاول لملمة الملفات المفتوحة بشق الأنفس، وكم التناقضات التي تفجرت بين مركز دولة ما بعد الاستقلال/ المؤسسة العسكرية، واليمين الديني من السلفية والإخوان إلى الجهادية، واليسار والقوميين والليبراليين؛ شديدة الاتساع بحيث تقف البلاد حاليا في حالة بحث عن فكرة مركزية جديدة يجتمع عليها الفرقاء، وتتحرك البلاد حاليا في معظم الملفات بالقدر الأدني ووفق المستجدات خوفا من تصدع التوازن المرحلي الذي تتحرك من خلاله، فكيف في ظل مثل هذه الظروف وتعرض مصر لضغط أمريكي هائل في ملف سيناء كأحد أوجه تصفية القضية المسماة صفقة القرن، يقترح البعض بحسن النية توريط مصر في مسألة زيارة القدس، التي يمكن أن تؤولها أمريكا على هواها، ولا يمكن لمصر الدولة أن تروج لها كأحد فعاليات المقاومة!
أقصى ما يمكن أن تقوم بها هذه الدعوة إذا تم تمريرها سياسيا هو أن تُوظف لشرعنة الاحتلال، نعم توظف لشرعنة سلطة الاحتلال كسلطة ستروج أنها ديمقراطية نبيلة تسمح للعرب بزيارة الأماكن المقدسة، إذا لماذا الغضب العربي لماذا لا يتم تطبيع الأمر وتصير المسألة رسمية! وكفى الله المؤمنين شر القتال! أليس ذلك في واقع الأمر هو لب مؤامرة تصفية القضية المسماة صفقة القرن! بأن يقبل العرب بالوضع الحالي في مقابل تحسين شروط الاحتلال وضخ الأموال والاستثمارات والتسهيلات! إن الدعوة لزيارة القدس وفلسطين في مثل هذه الظروف ولو أنها تتسم بحسن النية إلا أنها تفتقد لأبسط بديهيات الوعي السياسي والحضاري والتاريخي.
بأبسط طرق التفكير؛ من طرحوا الفكرة يعلمون أنه من الممكن تنفيذها؛ فكيف يظنون أنه في ظل هذه الظروف الضاغطة ستسمح الصهيونية بفعالية تمر من تحت أنفها، وهى تؤسس لدعم الصمود الفلسطيني! إذا مررتها الصهيونية سيكون ذلك بهدف مصلحتها الخاصة وقدرتها على الترويج لنفسها وشرعنة وجه الاحتلال وتجميله، كيف نقبل نحن العرب بزيارة فلسطين تحت سلطة الاحتلال! وتصور أن ذلك ممارسة للمقاومة الشعبية هو خرافة كبرى، وشقا لصف المقاومة العربية وموقفها الثابت من سلطة الاحتلال، وعدم القيام بزيارة الأراضي المحتلة إلا بعد أن تتحرر وتعود لحاضنتها العربية.
وفي الوقت نفسه يحاول الداخل الفلسطيني الصمود؛ وقد يرى بعضهم التحرك في بعض الملفات كآليات للصمود في وجه سلطة الاحتلال، وكسر حصارها السياسي والاقتصادي على الداخل الفلسطيني المحتل، لكن هناك فرق بين بين التكتيك والاستراتيجية، لنا كمصريين وعرب استراتيجية المقاومة وعدم شرعنة سلطة الاحتلال والدخول للآراضي المحتلة قبل ان تتحرر، ولا يجوز لتكتيك تخفيف الضغوط الفلسطيني أن يتعارض مع استراتيجية المقاومة العربية، فزيارة القدس وإن حسبها بعض الفلسطينيين تخفيفا للضغوط، فإنني أقول لهم هيهات.. لو أن الصهيونية وسلطة الاحتلال رأت في هذا التحرك بالفعل تغييرا في موزايين القوى، لأوقفته بكل عنف وحدة، واقصى ما يمكن لمثل هذه الزيارة أن تفعله هو أن تكسر صرامة الاستراتيجية المصرية والعربية في المقاومة الشعبية ورفض زيارة الأراضي المحتلة، كما أن الصهيونية لن تسمح لها بالتحول لحركة واسعة ولا مصر/ الدولة تسمح ظروفها بتسخين هذا الملف في مثل هذه الظروف غير المواتية تماما.
تاريخ المقاومة الشعبية والرفض المصري الشعبي للتطبيع معروف انطلاقا من عزل "اتفاقية السلام" وحصرها في المستوى السياسي والنفور من المروجين لها، مرورا بمواقف اتحاد كتاب مصر الرافضة لزيارة الأرض المحتلة، ورفض المثقفين لمشاركة إسرائيل في معرض الكتاب في التسعينيات، وكذلك مواقف مهرجان القاهرة السينمائي حديث وقديما.. حديثا عند محاولة تكريم الفرنسي الصهيوني كلود ليلوش، وقديما والموقف الصلب لسعد الدين وهبة ضد التطبيع، وغيرهم من عشرات المواقف التي تعبر عن المقاومة الشعبية والرفض الشعبي المصري للتطبيع بكافة أشكاله..
من هنا أقول: من اجتهد وأخطأ فله أجر، وعلَّ كمال الأجر هو العودة للصواب والموقف التاريخي العربي والمصري لدعاة المقاومة والصمود الشعبي في وجه التطبيع وضغوط الصهيونية وأمريكا، لأن مثل تلك الزيارة إذا تمت في مثل هذه الظروف فلن تكون سوى شرعنة للاحتلال، وتطبيعا لوجود سلطته العنصرية وتجميلا لوجهها القبيح، ونفخا للريح في أشرعة الصفقة المشئومة بعد جنحت في ميناء البحرين دون حراك.