فتح أم غزو ؟ - حكايات الدخول - 1

ميشيل دانيال
2019 / 7 / 20

مقدمة
هي هوامش . ترصد ما حدث وكيف حدث . بتوثيق من مصادرنا ومصادرهم . كتاباتنا وكتاباتهم لنعلم كيف كانت تلك النكبة التي حلت بمصر منذ ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام .
نبدأها بهامش لمخطوطة قبطية يتم تجاهلها من الباحثين بسبب ديانتهم، وإن تناولوها قدحوا فيها وأوردوا فيها من الأقوال ما لم يقله مالك في ذم الخمر .
ونبين توافقها مع وقائع التاريخ الصحيح مستشهدين بهامشنا الثاني لما خطته أقلام مؤرخين مسلمين لم تخل كتاباتهم من التعصب، ولكن أقروا بما حدث، ولكنه إقرار من باب أنه حق للغازي أن يفعل ما يشاء .
ويأتي هامشنا الثالث بما حدث في الإسكندرية وقت الغزو موثقين إياه من مصادر شتى .
وأتركك في تلك الرحلة مع بحثي هذا لترى كيف ضاعت مصر وتحولت من منارة العالم إلى محط رحال إبل بدو الصحراء .


هامش أول : مخطوطة النقيوسي :-
يرى الكثيرون أن الفتح العربي لمصر كان نزهة خلوية استقبل القبط فيها العرب بالأحضان وحاربوا في صفوفهم ضد الرومان الغزاة المعتدين إلى آخر تلك الأوصاف، ولكن.. هل هذه هي الصورة الحقيقية فعلاً؟ وهل تلك هي القراءة الصحيحة لأحداث الغزو الاستيطاني العربي لمصر؟ .
إن الدخول قد حدث وقد صار العرب جزءًا من تركيبة مصر وصارت اللغة العربية هي اللغة الرسمية فما حدث قد حدث.. ولكن هل يعني هذا أن نتوقف عن قراءة التاريخ لنتعلم مما حدث ونصحح مفاهيمنا الخاطئة فيه أم نكتفي بما ورثناه ونردد قول الجاهليين "هذا ما وجدنا عليه آباءنا وإنا على آثارهم مقتفون
*وفي البحث عن التاريخ يعتد دائمًا بالقديم من الكتابات فهي التي تكون أقرب إلى الصواب، وعند احتياج لكاتب للرجوع إلى فقرة في كتابه فإنه يرجع إلى "المسودة" التي كتبها أولاً.
ولهذا.. فإن أقدم المخطوطات التي سجلت أحداث الفتح العربي وذكرت ما حل فيه من تداعيات هي مخطوطة "يوحنا النقيوسي" الذي عاصر الفتح العربي فقد عاش في أواخر القرن السابع للميلاد وبداية القرن الثامن الميلادي ولم يكن "يوحنا النقيوسي" مؤرخًا قبطيًا عاديًا، فقد كان أحد أهم اثنين من الأساقفة في مصر وعُيّن في عهد البابا يوحنا الثالث رئيسًا لأساقفة مصر السفلى وغيرها من المناصب.
ومن المثير للعجب تجاهل الدارسين العرب لفترات طويلة لتلك المخطوطة الأم.. بينما كانت الدراسات الغربية لتاريخ مصر في أواخر العهد الروماني وأوائل العهد العربي تعتمد عليها.
ومن الأعجب أيضًا فقدان النسخ الأصلية للمخطوطة "القبطية" وفقدت كذلك كلاً من النسخة اليونانية والعربية اللتان تم ترجمتهما عن القبطية!، ولم تبق إلا نسخة أثيوبية مترجمة عن القبطية حفظت بمكتبة الكنيسة بأثيوبيا حتى قام الدكتور "زوتنبرج" بتقديمها مع ترجمة فرنسية لها ولم تذكر في الدراسات العربية إلا آخرًا على يد المؤرخ المصري المعاصر عبد الرحمن الرافعي.
لقطات من المخطوطة تشرح ما حدث:
1 - عندما عرف المسلمون أن "دمنديانوس" هرب ساروا في ابتهاج واستولوا على مدينة "قيوم" و"بويط" وأراقوا منها دمًا غزيرًا. مخطوطة يوحنا النقيوسي.

- 2 يتكلم "النقيوسي" عن فتح بابليون فيقول: وقبض عمرو على كل مًن يخالفه من حُكّام الرومان وكَبّل أيديهم وأرجلهم بأغلال الحديد والخشب ونهب أموالاً كثيرة بعنف وضاعف فرض الضرائب على العمال وكان يُسخّرهم ليحملوا طعام أفراسهم وارتكب آثامًا كبيرة لا تحصى" .

3 - عقد "كيرلس" -البابا الخلقيدوني- عقد التسليم وأداء الجزية واستولى المسلمون على كل بلاد مصر جنوبًا وشمالاً وضاعفوا عليهم فريضة الضرائب ثلاثة أمثال" .
4 - والمدن التي شرعت في المقاومة كان جيش الإسماعيليين ينشب النار في أسوارها وبيوتها وطرقها وزروعها. .

5 - عندما دخلوا مدينة "نقيوس" واحتلوها ولم يجدوا أحدًا من المحاربين فكانوا يقتلون كل مَن وجدوه في الطريق وفي الكنائس رجالاً وأطفالاً ولم يشفقوا على أحد" .
6 - ونهبوا كثيرًا من الأسلاب وأسروا النساء والأطفال وتقاسموهم فيما بينهم وجعلوا نقيوس فقيرة.
+ وقد نبر "النقيوسي" وأشار مرات عديدة إلى وجود مقاومة قبطية أمام الاجتياح العربي -رغم عزلة القبط- حتى أن عمرو رئيس المسلمين مكث إثني عشر شهرًا يحارب المسيحيين الذين كانوا في شمال مصر ولم يستطع فتح مدنهم.
لقد سجل يوحنا النيقوسى في مخطوطته بلغة شفيقة مترعة بالحزن النبيل وقائع المهانة ووقائع التنكيل التي مارسها الغزاة العرب بحق سكان مصر الأصليين.
يقول في الفصل 121 من المخطوطة: " يستحيل على الإنسان وصف أوجاع المدينة بأكملها, فكان الأهالي يقدمون أولادهم للعرب بدلاً من المبالغ الضخمة المطلوب دفعها شهرياً. ولم يوجد هناك من يقوم بمساعدتهم.
وفي فصل 112 يفصل ذلك ويتحدث عن استيلاء العرب على إقليم الفيوم وبويط فيقول: إن العرب استولوا على إقليم الفيوم وبويط وأحدثوا فيهما مذبحة هائلة. مات فيها خلق كثيرون من الأطفال والنساء والشيب.
ويمضي يوحنا النيقوسى في الفصل 113 ليصف احتلال العرب لأتريب ومنوف فيقول: إن عمرو قبض على القضاة الرومان والقبط وقيد أيديهم وأرجلهم بالسلاسل والأطواق الخشبية, ونهب هو وجنوده أموالاً كثيرة وضاعف ضريبة المال على الفلاحين وأجبرهم على تقديم علف الخيول, وقام بأعمال فظيعة عديدة لا تعد ولا تحصى, وحدث الرعب في كل أنحاء مصر. وأخذ الأهالي في الهرب إلى مدينة الإسكندرية تاركين أملاكهم وأموالهم وحيواناتهم .
وفي الفصل 115 يذكر النيقوسى وقائع غزو أنصنا وبلاد الريف ونيقوس فيقول: في زمن الصيف سار عمرو إلى سخا وطوخ دمسيس آملا في إخضاع المصريين قبل الفيضان ولكنه فشل, وكذا صدمته دمياط حيث أراد أن يحرق ثمار المزارع. وأخيرا عاد إلى جيوشه المقيمة في بابليون مصر, وأعطاهم الغنيمة التي أخذها من الأهالي الذين هاجروا إلى الإسكندرية, بعد أن هدم منازلهم وبنى من الحديد والأخشاب التي جمعها من الهدم قنطرة توصل بين قلعة بابليون ومدينة البحرين, ثم أمر بحرق المدينة كلها, وقد تنبه السكان إلى هذا الخطر فخلصوا أموالهم وتركوا مدينتهم. وقام العرب بحرقها, ولكن السكان عادوا إلى المدينة وأطفئوا الحريق, ووجه العرب حملتهم على مدن أخرى ونهبوا أموال سكانها وارتكبوا ضدهم أعمالاً عنيفة.
وفي الفصل 118, يصف وقائع الاستيلاء على نيقوس بعد هروب الجيش الروماني من المدينة فيقول: أتى المسلمون بعد ذلك إلى نيقوس واستولوا على المدينة ولم يجدوا جندياً واحداً يقاومهم, فقتلوا كل من صادفهم في الشوارع وفي الكنائس. ثم توجهوا بعد ذلك إلى بلدان أخرى وأغاروا عليها وقتلوا كل من وجوده فيها. وتقابلوا في مدينة صا باستكوتارس ورجاله الذين كانوا من عائلة القائد تيورد ور داخل سياج كرم فقتلوهم. وهنا فلــنصمت لآنه يصــعب علينــا ذكــر الفــظائــع التي ارتكبها الغزاة عندما احتلوا جزيرة نيقوس في يوم الأحد 25 مايو سنة 642 .
+ وهنا سؤال هو السبب من وراء كل ما كُتب وسيكتب ها هنا:-
هل هذا يتشابه مع ما قيل عن سماحة وعدالة الفتح العربي؟ هل علينا الامتثال للصمت كما نفعل الآن؟ أم أن علينا قراءة التاريخ مرة أخرى وتصحيح أخطائه والاعتراف بها لعلنا يومًا نصل لدولة مدنية تضم كل المصريين بحقوق متساوية لا فرق فيها على حساب الدين أو اللون أو الجنس؟
الأيام هي التي ستجيب.



هامش ثاني : الطبري والبلازري كمثال
في الأصوات العربية التي لم تخرج عن رضا الحاكم كان الطبري والبلازري أشهر صوتين اتفقا مع النقيوسي وابن المقفع القبطيين ... وذلك في مقاطع وإشارات عارضة تجاهلها الكثيرون الكثر، ولكنها لا تغيب عن أقل باحث مدقق يسعى لسبر غور الحقيقة وإماطة لثامها .

الطبري : -
يقول الطبري بأن الجيش العربى الفاتح / الغازي قد أسر أعداداً كبيرة من المصريين ، أو أن صفوف العبيد من القبط امتدت من مصر إلى المدينة ، فينقل عن رجل من أهل مصر - أو بمعنى أصح عن عربي سكن أرض مصر - وكان في جند عمرو بن العاص أثناء الفتح / الغزو أنه قال لما فتحنا "باب إليون" (بابليون أي مصر القديمة ألان) تدنينا قرى الريف فيما بيننا وبين ألأسكندرية قرية فقرية ، حتى إنتهينا بلهيب - وهى مدينة الزناطرة بالبحيرة ، ومحلها اليوم فزارة بمركز المحمودية - قرية من قرى مصر - يقال لها الريش وقد بلغت سبايانا المدينة ومكة واليمن ) .

وتنقل هذه الرواية الصفوف الطويلة من العبيد والجواري الذين انتزعهم الجيش العربي الإسلامي من قراهم وبعث بهم في ذلة وانكسار إلى مدن الجزيرة العربية بعد فقدان حريتهم ووطنهم مصر. هذا يعني بداية أن جيش عمرو بن العاص المعزز ببدو سيناء لم يحارب الرومان فقط، وإنما واجه مقاومة قبطية شديدة كانوا بمئات الألوف ... فإذا كانت السبايا بتلك الأعداد التي ذكرها الطبري فكم عدد من حاربوا ؟ وكم عدد من قُتِلوا ؟ وكم بلغ عدد الذين فروا من ساحة المعركة بعد أن حلت الهزيمة بساحتهم ؟؟؟ .. هو مجرد استنباط منطقي، ولا أظن أنه يخالفني فيه الكثير إلا لو كان لديه مخرج يقول بأن تلك الأعداد من أقباط مصر كانت أعدادا ً قليلة وأن الطبري كاذب في سرده .

ولكن .. هل كانت تلك الإشارة إشارة " طبرية " فقط ؟؟؟ . الحق أنه لا .. فإن :
" البلاذري " في " فتوح البلدان " ينبر ويذكر ويشهد عن تلك الواقعة فيقول :
( وكانت قرى من مصر قاتلت فسبى منهم والقرى بلهيت والخيس وسلطيس ، فوقع سباؤهم بالمدينة )
وهنا يحضرني سؤال :

إذا كان كل من الطبري والبلاذري قد أشارا لوقوع تلك السبايا والأسرى في صفوف أقباط مصر من الجيش الغازي – الفاتح – فلماذا استنكر المستنكرون إشارة النقيوسى إلى أن العرب : نهبوا الكثير من الأسلاب واسروا النساء والأطفال وتقاسمهم فيما بينهم ، ولا نستنكر إشارات الطبرى والبلاذرى وابن عبد الحكم إلى السبي المصري الذي تم إرساله إلى المدينة بعد القهر الحربي لهم ؟؟؟؟ .. مجرد سؤال .

وإشارة البلاذرى وأبن عبد الحكم إلى أن عمر بن عبد الحطاب رد هؤلاء المصريين (حينما صيرهم وجماعة القبط أهل ذمة) أو أنه طلب إيقاف وقود السبي الجديد، بينما تغاضى عما تفرق فى أيدي العرب لأنه لا يستطيع لهم رداً، هل كانت هذه الإشارة تعنى تسامح ابن الخطاب مع القبط ودفاعه عن حريتهم ... ؟ !! أم كانت تعنى انه ينظر بعين الحاكم العملي الذي يريد ترسيخ نوع آخر من العبودية الجماعية، هي عبودية العمل وأداء الجزية ومختلف أنواع الضرائب (مجرد فرض الأموال على الأقباط وجبايتها) التي تعود على بيت المال بفائدة أكبر، وهو نفسه القائل : ( لجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحب إلى من فئ يقسم ثم كأنه لم يكن ) .

والحادثة لم تقف الإشارة فيها فقط عند هذين المؤرخين ، ولكن ابن عبد الحكم يشير إلى نفس الواقعة متفقا ً مع النقيوسي القبطي – مع الإشارة أن ابن عبد الحكم اختلف مع النقيوسي في توقيت الحادثة . فابن الحكم ذكر أنها جاءت مع الفتح الثاني للإسكندرية .فيصف ابن الحكم ما فعله جنود عمرو في " الخربة " فيقول عن أهلها : " كانوا كلهم رهباناً . ومع ذلك قتلهم ابن العاص جميعاً وخرب المدينة خرابا لم تشهد مثله من قبل حتى سميت بعد ذلك وحتى الآن بالخربة . "
إن ما قاله المقريزي عن تخريب الإسكندرية وقتل رهبانها لا يختلف – كما أسلفت سابقاً – عما أورده النقيوسي عن أحداث الغزو الهمجي فهو يقول نصاً :
" وكان عمرو حين توجه إلى الإسكندرية، خرب القرية التي تعرف اليوم بخربة وردان. واختلف علينا السبب الذي خربت له، فحدثنا سعيد بن عفير أن عمرو لما توجه إلى نقيوس لقتال الروم، عدل وردان لقضاء حاجته عند الصبح، فاختطفه أهل الخربة فغيبوه، ففقده عمر وسأل عنه وقفا أثره، فوجدوه في بعض دورهم فأمر باخرابها وإخراجهم منها .وقيل كان أهل الخربة رهبانا كلهم، فغدروا بقوم من ساقة عمرو، فقتلوهم بعد أن بلغ عمرو الكريون، فأقام عمرو ووجه إليهم وردان فقتلهم وخربها، فهي خراب إلى اليوم، وقيل كان أهل الخربة أهل تويت وخبث، فأرسل عمرو إلى أرضهم فأخذ له منها جراب فيه تراب من ترابها، فكلمهم فلم يجيبوه إلى شيء، فأمر بإخراجهم، ثم أمر بالتراب ففرش تحت مصلاه، ثم قعد عليه، ثم دعاهم فكلمهم، فأجابوه إلى ما أحب ثم أمر بالتراب فرفع، ثم دعاهم فلم يجيبوه إلى شيء ... فعل ذلك مرارا. فلما رأى عمرو ذلك قال : هذه بلدة لا يصلح أن توطأ، فأمر باخرابها. "
وهذا عين ما قاله النقيوسي عن بعض أحداث الغزو :
فيقول في مخطوطته في الفصل ( 112 ) الثاني عشر بعد المائة استيلاء العرب على إقليم الفيوم وبويط : " أن العرب استولوا على إقليم الفيوم وبويط وأحدثوا فيهما مذبحة هائلة".
وفي الفصل (115 ) يذكر فتح أنصنا وبلاد الريف ونقيوس فيقول: " في زمن الصيف سار عمرو إلى سخا وطوخ دمسيس أملا في إخضاع المصريين قبل الفيضان ولكنه فشل، وكذا صدته دمياط حيث أراد أن يحرق ثمار المزارع وأخيرا عاد إلى جيوشه المقيمة في بابيلون مصر وأعطاهم الغنيمة التي أخذها من الأهالي الذين هاجروا إلى الإسكندرية بعد أن هدم منازلهم وبنى من الحديد والأخشاب التي جمعها من الهدم قنطرة توصل بين قلعة بابيلون ومدينة البحرين ثم أمر بحرق المدينة، وقد تنبه السكان إلى هذا الخطر فخلصوا أموالهم وتركوا مدينتهم، وقام المسلمون بحرقها."
ويوافق المقريزي مضمون ذلك حينما ينقل واقعة من وقائع إذلال عمرو بن العاص لأقباط مصر فيقول :
" ثم كتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن تختم في رقاب أهل الذمة بالرصاص، ويظهروا مناطقهم، ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الأكف عرضا، ... ولا تدعهم يتشبهون بالمسلمين في ملبوسهم. وعليهم من أرزاق المسلمين من الحنطة والزيت مدان من حنطة وثلاثة أقساط من زيت في كل شهر لكل إنسان من أهل الشام والجزيرة، وودك، وعسل لا أدري كم هو. ومن كان من أهل مصر فإردب في كل شهر لكل إنسان، ولا أدري كم الودك والعسل، وعليهم من البز الكسوة التي يكسوها أمير المؤمنين الناس، ويضيفون من نزل بهم من أهل الإسلام ثلاثة أيام " .


هامش ثالث : حرق الإسكندرية :-
إن عبد اللطيف البغدادي المتوفى سنة 629 هـ ( سنة 1230 مـ ) والمشهود له بتوخي الحقيقة والكتابة الجدية كتب يصف عمود السواري فقال عنه إنه الأثر الوحيد الباقي من ذلك البناء الفخم الذي علم فيه أرسطاليس وتلاميذه من بعده " ... ثم أضاف هذا الطبيب البغدادي الشهير إلى ذلك الوصف قوله " وهناك كانت تقوم المكتبة التي أحرقها عمرو بن العاص بأمر عمر
وقد استدل جاستون فيت المستشرق الفرنسي والأمين السابق لمكتبة دار الآثار العربية برواية البغدادي وأكدها بشواهدها من مصادر أخرى مثل ما ذكره " أبو الفرج الملطي " في " مختصر الدول " عن تلك الحادثة كما ذكرها البغدادي تماماً .
وقد أحرق ابن العاص الإسكندرية بعد حربه مع البيزنطيين فإنه كان قد أقسم إن كان له النصر فسيهدم أسوار الإسكندرية فنفذ بالفعل ما كان قد أقسم به وأمر جنده أن يدكوا الأسوار حتى يسووا بها الأرض ، ثم أمر جنوده أن يضرموا النار في المدينة بأكملها

وقد جاء في كتاب " مصر الإسلامية " لإلياس الأيوبي ص 99 ما نصه " فحلف عمرو بن العاص لئن أظفره الله عليهم ليهدمن ذلك السور حتى يكون مثل بيت الزانية يؤتى من كل مكان " .
إن خطاب عمر بن الخطاب إلى عمر بن العاص كان خطابا ً قاطعا ً لا هوادة فيه، وقد أورد ابن خلدون هذا الخطاب في مقدمته مبينا ً أن الخليفة بعث إلى سعد ابن أبي وقاص فاتح بلاد الفرس وخاصا ً بمكتبتهم قال له فيه وكان رأي الخليفة هذا عاما على جميع الكتب في الأقطار التي فتحتها يد الاسلام قال صاحب ( كشف الظنون ) 1 ص 446 : إن المسلمين لما فتحوا بلاد فارس وأصابوا من كتبهم كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في شأنها ونقلها للمسلمين فكتب إليه عمر رضي الله عنه : أن اطرحوها في الماء فإن يكن ما فيها هدى ؟ فقد هدانا الله تعالى بأهدى منه ، وإن يكن ضلالا ؟ فقد كفانا الله تعالى. فطرحوها في الماء أو في النار فذهبت علوم الفرس فيها.
وقد ورد في المواعظ والاعتبار ما يلي :
" كتب الخليفة عمر بن الخطاب كتابا إلى عمرو ابن العاص قائلا : " إذا كانت هذه الكتب لا تحتوى على شيء غير المسطور في القرآن فهي كعدمها و اذا كانت هذه الكتب تنافى ما جاء بالقرآن فهي ضارة ومؤذيه لا يجب حفظها إذا ففي كلتا الحالتين يجب حرقها و إبادتها من الوجود " وأمر عمرو بن العاص باستعمال هذه الذخائر والنفائس كوقود في حمامات الإسكندرية " .
وكان بطليموس الأول الذي حكم مصر ما بين 285 و 246 ق م هو الذي يرجع له الفضل في إنشاء هذا الصرح العظيم الذي ضم ترجمات بعشرات الآلاف لكل أنواع الثقافات المنتشرة في ذلك الوقت بما فيها الفلسفات الوثنية و الهرطقات و كل البدع، و جعل في أجنحتها أمناء من ذوي المعارف والعلوم المتعددة، و من بين الكتب التي أمر بطليموس بترجمتها العهد القديم و وكل لذلك اثنين وسبعين من أشهر المترجمين اليهود و جعل كل واحد في مكان بعيد حتى يضمن ترجمات متطابقة .
وقد قال ابن خلدون في تاريخه 1/32 تعليقا ً في الخطاب على ماتحويه المكتبات " لهذا استندت هذه الخطابات على اسس خاطئه فكانت النتائج مدمره للعالم كله؛ لأن مكتبة الإسكندرية كانت تحوى تسجيلا كاملا ودقيقا لأسس حضاره العالم ومقوماته الفكرية والثقافية والعلمية وعند تدمير الأساس ( السجل الحضاري ) انهارت العلوم ورجعت البشرية قرونا من التخلف الحضاري " .

ثم يعرض لنا أيضاً المؤرخ المسلم العربى الشهير ( المقريزى ) فى كتابه ( المواعظ والاعتبار فى ذكر الخطط والآثار ) فى حديثه عن عمود السوارى فى ص 159 فكتب يقول ... "... إن هذا العمود من جملة أعمدة كانت تحمل رواق أرسطاطاليس الذى كان يدرس به الحكمة وانه كان دار علم وفيه خزانة كتب أحرقها عمرو بن العاص بإشارة من عمر بن الخطاب رضى الله عنه " .
لقد ذكر المستشرق جيبون Gibbon بأن عدد الحمامات التى تغذت على مكتبة الإسكندرية طيلة ستة أشهر كان أربعة آلاف حمام ... فلك أن تتخيل الكم الهائل من الكتب التى تظل تتغذى عليها أربعة آلاف حمام طيلة ستة أشهر ... كم يكون ؟؟؟ "
ويواصل ابن خلدون فيقول : إن العرب ليسوا أهل علم " ، و " ... من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية إلا في القليل النادر وان كان منهم العربي في نسبه فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع العلم أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي والسبب في ذلك أن الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة، وأما العلوم العقلية أيضا فلم تظهر في الملة إلا بعد أن تميز العلم ومؤلفوه واستقر العلم كله صناعة فاختصت بالعجم وتركتها العرب وانصرفوا عن انتحالها فلم يحمله إلا المعربون من العجم .
ولهذا نجد أوطان العرب وما ملكوه في السلام قليل الصنائع بالجملة حتى تجلب إليه من قطر آخر وانظر بلاد العجم من الصين والهند والترك وأمم النصرانية كيف استكثرت فيهم الصنائع فلا عجب ان يدمر العرب حضارة البلاد التي احتلوها " .