هزيمة المؤمن أمام الدين

ميشيل نجيب
2019 / 7 / 19

Michael Nagib

منذ نشأة مهنة السحرة والذى تكلم عنها موسى نبى بنى إسرائيل فى قصة الخروج من أرض مصر، حيث طلب منه الفرعون آية حتى يرسل معه بنى أسرائيل وجاءت سحرة فرعون وألقوا العصيّ والحبال، فتحولت إلى حيات صغيرة أرهبوا بها الناس وخافوا منها وأعتبروه سحر عظيم، لكن موسى ألقى عصاه كما أمره ربه فتحولت إلى ثعبان كبير إلتهم كل الحيات التى صنعها سحرة فرعون، الذى ما ان رأوا ذلك حتى خروا ساجدين وقالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون!!

معنى هذه الواقعة أن الله كان "مادياً موجود" فى وسطهم "بعيونه" يشاهد السحرة "وتكلم بفمه" وطلب من موسى صنع سحراً مثلما صنع بقية السحرة، ولو رجعنا إلى سورة الأعراف 106 قال فرعون لموسى: "إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين"، هنا نلاحظ أن الله "سمع" طلب فرعون بآية لكن الله إذا كان فعلاً إله له وجود حقيقى ويريد إخراج شعبه كان يجب أن يصنع معجزة مع فرعون نفسه، لكن موسى أدعى إن الله طلب منه ممارسة السحر مثلهم ولم يصنع آية كطلب فرعون، وكما حول السحرة العصىّ إلى حيات وثعابين حول موسى عصاه إلى ثعبان كبير، وكلنا يعرف أن السحرة فى وقتنا الحالى يوجد بينهم من يستطيع إخراج الأرانب من جيوب المشاهدين بينما آخرين يجعلون أجسادهم تختفى أو أن يفصلوا نصف جسدهم العلوى عن السفلى، وغير ذلك من أعمال السحرة التى تبهر المشاهدين فى القرن الواحد والعشرين ويمكن الرجوع لها على الأنترنت.

الأستنتاج المنطقى الوحيد أن موسى وهارون كانوا بمفردهم وكانوا يعيشون مع المصريين وتعلموا ألاعيب السحرة، وعندما مارس السحرة سحرهم مارس أيضاً موسى وهارون سحرهم ويبدو واضحاً خبرتهم الكبيرة فى السحر، لأنهم فعلوا نفس ما فعله سحرة فرعون الأختلاف الوحيد أنه كان ثعبان كبير حسب خبرتهم التى أبهرت السحرة أيضاً، لكن فرعون لم تؤثر عليه تلك الأعمال السحرية ولم يؤمن بإله موسى، فلو كان حقاً كان هناك إله أو الله موجود مع موسى لصنع آية كبيرة تليق به كإله خالق الكون رب العالمين القادر على كل شئ، لكن الجبار المهيمن المتكبر القهار السميع البصير العليم لم يستطيع تغيير فكرة المصريين عنه وأعتبروا أن الآيات التى يقوم بها موسى ما هى إلا لساحر عليم!!

إذا كان الإله أو الله يكفر السحرة والمشعوذين فكيف يكون حاضراً فى وسطهم ويشجع نبيه موسى على ممارسة السحر، بدلاً من قيامه بعمل آية أو معجزة تليق به كإله قادر أن يقول للشئ كن فيكون وليس ساحراً بشرياً أو شيطانياً؟؟

إن المؤمنين أى شعب بنى إسرائيل رغم المعجزات أى الضربات التى صنعها الله أو موسى مثل الضفادع والبعوض والجراد وتحويل الماء إلى دم وغيرها من الضربات العشر على بنى فرعون، لم يؤمنوا كثيراً وبعد السحر الذى مارسه موسى أيضاً وبعد خروجهم فتنهم الله وأضلهم السامرى وصنع لهم عجلاً من الذهب يعبدونه، أى أنهم شعروا بضعف إيمانهم بالله وهزيمتهم أمام آيات كأنها أعمال سحرية لم تغير شيئاً فى نفوسهم تجاه هذا الإله، وكفروا بالله أكثر من مرة ولم تؤثر فيهم معجزات وعجائب الله لهم مثلما لم يتأثر المصريين وفرعون مصر وكانت فى عيونهم مثل أعمال السحرة والمشعوذين.

هذا نموذج رأيناه فى كتب التاريخ التى يقدسها أتباع الأديان يكشف عن العقلية الدينية التى تقمع إرادة المؤمنين، وتصنع منهم عبيد للدين وطقوسه خوفاً من العقاب الأبدى وطمعاً فى الجنة والنعيم الأبدى، ويبين إلى أى مدى يصل الضعف الإنسانى الذى يتسلل إلى داخل المؤمن عبر الأفكار التصويرية للعار والبشاعة فى صور التعذيب ونار جهنم، التى يبالغ رجال الدين فيها لترويع المؤمنين كأنذار وتذكيره بما ينتظره إذا خالف الدين والفكر الجمعى للجماعة الدينية، أو مجرد التفكير والشك فى وجود هذا الدين أو ذاك ومحاولة الخروج منه.

كل ذلك يُشعر المؤمن بالهزيمة الداخلية وأنه خسر إرادته وقوته أما قوة الدين التى تتحكم فى قراراته، ويؤدى إلى إختلال فى ترابط المشاعر الإنسانية الدينية وكأنه مسجون ومعزول عن العالم الحقيقى، مما يدفعه إلى التسليم بهزيمته وعدم قدرته على التخلى عن الدين فالجميع يقنعوه بالأهميه الكبرى للدين فى حياتنا، ليظل يعيش فى أفكارهم الرجعية التراثية التى تدمر مراكز الأفكار الإبداعية فى عقل الإنسان السوى، وتكتسب شخصيته الصورة النرجسية للدين بأعتباره الدين الوحيد الذى يمتلك الحقيقة ويمتلك الجنة التى تنتظرهم بالحوريات بجمالهم المثير للغرائز، ليصل فى النهاية إلى التطبيع الفعلى مع ثقافة القطيع وينسى أنه يملك عقلاً يفكر به، وأن الجماعة ورجال الدين عليهم مسئولية التفكير مكانه وتقديم النصح له وإقناعه بأن له مكان فى خير أمة أخرجت للناس.

التحرر من ضعفنا الإنسانى والأنتصار على كل معوقات الأفكار القمعية التى تمارس علينا دينياً، يحتاج أستخدام عقولنا والتفكير بها لأن هذه وظيفتها فى داخل جسم الإنسان، والعقل ليس عضو زائد فى الجسم حتى نسير ونجلس لنسمع ما يلقيه علينا فقهاء الدين من نصوص محفوظة عطلت عقولهم عن التفكير، ويريدون تعطيل عقولنا مثلهم ولكن علينا ألا نتخلى عن عقلنا لنفهم ونفكر ونحلل وندرس به كل شئ حولنا بأسلوب منطقى، وحتماً سنصل إلى أهدافنا المرجوة والأنتصار على هزيمة الدين لضعاف النفوس.
ليس فقط المؤمن مهزوم وحالته ميؤوس منه بل أمته العربية الإسلامية تعانى من الهزائم المتكررة حضارياً ودينياً حتى جعلها تخضع وتقتات من تراث تخجل منه الأمم الحية من كثرة الظلام والتخلف واليأس من وجد أملاً فى عبور تلك المرحلة الغبراء التى تفاخر بالدين الذى يسحق عقول شبابها.

مرة أخرى نتساءل: هل حقاً كان هناك إله موجود مع موسى وهارون؟؟ أم أن قصة وجود إله هى قصة تاريخية موجودة فى عقول البشر؟