ثقافة نخبوية باهية..نجيب المانع يكتب في الموسيقى والأدب

شكيب كاظم
2019 / 7 / 19

هذه مجموعة مقالات نافت على العشرين مقالاً، مقالات مكثفة كأنها خارجة من زجاجة مختبر، جاد بها علينا نحن قرّاءه، المقالي الأنيق والمترجم الدقيق نجيب (عبد الرحمن) المانع (١٩٢٦١٩٩١)،

وكتب مقدمة لها القاص والأديب والدبلوماسي العراقي، الذي أخذته الوظيفة الدبلوماسية- كما أرى- أو لعلها الخيبة التي عصفت بمرهفي الحس والوجدان، وهم يرون ما آل إليه العراق بُعَيْد ١٩٥٨؛ عدنان رؤوف الأديب الذي قدم لنا روايته (من يوميات السيد علي سعيد) وطوحت به الدنيا بعد العمل الدبلوماسي، والعمل في الجامعة العربية، ومشاركاً في (مركز دراسات الوحدة العربية) الذي أسسه في بيروت المفكر العراقي الدكتور خير الدين حسيب، الذي أبعدته بعض مراكز القوى عن مركزه الأثير هذا.

أقول: طوحت الدنيا بعدنان، ليقبع في قبرص وليموت سنة ١٩٩٨ في مدينة ليماسول القبرصية.

مقدمة الأستاذ عدنان رؤوف(١) للكتاب، الذي كان قريباً من نجيب المانع، قرابة روحية وثقافية، فهو ما أن يأتي إلى بغداد، وهو العامل في سفارات العراق، حتى يكون نجيب المانع من أوائل من يلتقي بهم، يتحدثان في الثقافة والكتب، ويستمعان إلى الموسيقى الكلاسيكية، فهما مولعان بها، لذا فلا غرو أن يحتوي هذا الكتاب الذي أصدرته ( دار المدى) بطبعته الأولى سنة ٢٠١٨، وعنونه ناشروه ( في الموسيقى والأدب)، لا غرو أن يحتوي هذا الكتاب على مقالات وافية وضافية عن الموسيقى العالمية وأعلامها: باخ. شوبان. شوبرت. بتهوفن. شتراوس. موتزارت. جايكوفسكي. بالديني. فاكنر. روسيني. بلليني. شومان. وبرامز(1831- 1897). وهذه الثقافة الموسيقية، التي كانت مزدهرة في أوساط شباب الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، قبل أن يوقف ازدهار العراق وتحضره، هذه الثقافة ضرورية ومطلوبة، كي تنمي أذواق الأجيال الشابة الطالعة، التي تفتحت أذواقها على الألحان النشاز، والأصوات التي جاء ذكرها في القرآن الكريم! وكأن الأستاذ نجيب المانع، شعر أن مقالاته المعرفية النظرية قد لا تؤتي أكلها إلا إذا اقترنت بالتطبيق الموسيقي، الذي يتعذر الإتيان به، واضعين في الحسبان، إن هذه المقالات نشرت أول مرة في إحدى الصحف العربية الصادرة في لندن، ومشيراً إلى أن الكتابة عن الموسيقى من غير تقديم أمثلة سماعية، تشبه محاولة السباحة في بانيو! لكنه في كتابته الموسيقية هذي، يهدف إلى توجيه أنظار الشباب إلى هذه الأعمال الباذخة لم يعتن بإرثه في مقالته المكتنزة (فلوبير الفرنسي وبرامز الألماني" الشحيحان") يأسى نجيب المانع ويأسف لشح كوستاف فلوبير (١٨١١١٨٨٠) الذي يصفه بالكاتب الفاتح، والموسيقي الألماني يوهانس برامز ١٨٣١-١٨٩٧) وتقتيرهما على البشرية، نعم يجمع بينهما وهما المقتدران على الفيض أنهما كانا يُنَقِطّان إبداعهما تنقيطا شحيحا، ولأن فلوبير كان يرى أن سلة المهملات أفضل أصدقاء الكاتب، فكان يكتب بطيئا ويمزق كثيرا، ولا يرضى عن عمله إلا بشق الأنفس، مخاطباً إياهما: "من الذي جعلكما حكمين على عملكما؟ من الذي أباح لكما أن ترسلا أوراقكما إلى سلة المهملات (...) نقدكما الذاتي كارثة حرمتنا من عجائب أخرى ذهبت مع الريح، فمن يدري إن كانت سلة المهملات (...) قد التهمت صفحات أخاذة مشدودة مثل صفحات (مدام بوفاري)؟ وأنت يا أستاذ برامز: أربع سمفونيات فقط هذا كل ما تجود به علينا نحن فقراء العالم"" تنظر ص١٦.

وإذ يعاتب نجيب المانع فلوبير وبرامز لشحهما وتقتيرهما، فإني-- وقد مضى الوقت؛ وقت العتاب بسبب الغياب-- لأعاتب المانع على شحه وتقتيره علينا، هو المثقف النخبوي الباهي الأنيق، لماذا رواية واحدة (تماس المدن)، ومقالات لولا من اعتنى بها وأخرجها من بطون الجرائد لظلت قابعة هناك؟ لماذا لم تعتن بإخراج ما كتبت في حياتك، وتدري أننا نفتقر إلى مؤسسات ثقافية تعتني بنشر إرث الراحلين، أقدر ظروفك العاصفة يا سيدي، فكلنا أخذنا نصيبنا من العصف والعسف؟ ولولا جهود الشاعر الباحث والمترجم الدقيق صلاح نيازي لظل جزء ثر وثري من هذه المقالات النخبوية السامقة في مهاوي الزمان والنسيان، فنشر منتقيات من مقالاتك في كتاب عنوانه (جسارة التعبير).

حتى إنك في مقالتك (لماذا الأوبرا؟) وبعد أن تعتذر لأنك تجاوزت الرقعة المخصصة لك في الصحيفة، تخبرنا أن كل نقطة في هذه المقالة تستدعي مقالات، ربما اكتبها مستقبلاً. تنظر ص٢٥ وما كتبت، أخذتك الحياة وهمومها ومشاغلها، ونسياننا هذا الذئب المترصد بنا كل مرصد، مع أنني لم أنسه أبدا؟

ويتكرر الأمر في مقالات أخر" لا شك إن هذا الموضوع واسع يحتمل استطرادات وتنويعات كثيرة وربما أعود إليه مرة أخرى"" ص١٣ من مقالة (هل في الإمكان تكوين إذن عالمية؟).
""ربما أعود مرة أخرى للحديث عن فورية وموسيقاه وشخصيته وعصره ففي موسيقاه من الطهارة ما يخجلنا مع أنه أشد منا خجلا"" تراجع ص٥٤ من مقال (موسيقى جابرييل فورية الخجلى).

حين تمسي النخبوية مثلبة وسُبّة!

في مقالاته النخبوية الباهية، هو الذي يؤكد أن هناك من يتهمه بأنه نخبوي، ويا لعارنا أن تكون النخبوية تهمة ومثلبة، لكنه لا يأبه لرأي القطيع، مؤكدا أن هذا الاتهام تشريف يتجاوز ما استحقه، غير أن لي أن أعبر عن رأيي بأن قانون كريشام الاقتصادي، ان العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، في المقالات الثقافية هذه، يتناول نجيب المانع قضايا ثقافية ومعرفية بحاجة إلى سبر أغوار وكشف حقائق، من ذلك دفاعه عن النثر إزاء سطوة الشعر الذي ظل يحظى بالاهتمام في دنيا العرب والعالم، لأنه يرى أن صاحب النثر العظيم يحق له أن يمارس الشعر بوصفه هواية عابرة، لا حرفة حقيقية والهاوي لا ينتقد لعدم إجادته هوايته، أما الشاعر السيء النثر مثل بدر شاكر السياب، فلا يستطيع أن يقول إن النثر هواية، لان النثر كل الحياة والحياة لاتعد هواية. تنظر ص٨١

لقد أجاد العقاد وطه حسين في الكتابة النثرية والبحثية، لكن مراجعة لشعرهما الذي خلا من الروح، فضلاً عن أشعار الباحث الكبير الدكتور مصطفى جواد، الأقرب إلى الشعر التعليمي، لقد كانت ممارستهم نظم الشعر هواية عابرة والهاوي لا ينتقد، واضعين في الحسبان حتى شعر الجاحظ الذي يصفه نجيب المانع، بأستاذ الأساتيذ في العبارة النثرية الجميلة الساخرة المفكرة الشفافة، حتى شعر الجاحظ ما كان يرقى إلى عشر معشار نثره، ويوم أبديت رأيي في سخف شعر العقاد، وعدم أهلية طه حسين لكتابة الرواية خريف سنة ١٩٩٦، رد علي مومياوات الكتابة المتحجرة!

ضرورة الكتاب الصائت الناطق

أخبرني صديق لي إنه يشعر بالإثم لأنه يلحن في قراءة القرآن الكريم ويخطئ، وإنه لا يجيد قراءة مخارج حروف بعض كلماته وتصريفها على الوجه الأمثل، سائلا اياي عن الحل؟ أجبته بضرورة اقتناء تسجيل كامل للقرآن الكريم، ومتابعة القارىء مع نسختك من القرآن والمقارنة بينهما، وبذلك تخلص من هذه المعضلة. المانع الذي أمضى شطرا طويلا من حياته في اوربة، وبريطانية تحديداً، وقد لمس استفادة الأوربيين من الكتاب الصائت، رغب في مقاله (هل التراث بستان أم معتقل؟) نقل هذه الحالة إلى الوطن العربي، واضعين في الحسبان أن اللغة العربية، لغة معربة وليست مبنية مثل كثير من اللغات ومنها الإنكليزية، مما يوقع الكثير في الحرج والخلط، مثلما عاناه صديقي انف الذكر. يؤكد المانع "لا بد من تبني هذا الإطار الصائت للتراث العربي المكتوب، ابتغاء نشره وجدانيا على أوسع نطاق وتعميق هوية الانتماء القومي العام له بتوكيد نبرته السمعية ( ...) فبتسجيل شعر المتنبي أو نثر الجاحظ مثلا، تقرؤه حناجر متمكنة لا الحناجر التي نسمعها أحياناً تنطق الفصحى في التلفزيون، يغذى الذوق (...) وإن تكرار سماعه وهو يلقى القاء عربيا سليما يثري السليقة العربية، حينذاك يعرف من لا يعرف مخارج كلمات كان ينطقها من قبل على نحو مغلوط، وما أكثر عددها حتى لدى ممارسي الكتابة، كلمات ترسم بدون نطق فيحار القارئ ما لم يسمعها أو يرها (...) إن استعادة سليقة النطق تحدث تواصلا عضويا مع اللغة العربية (...) إصاتة اللغة عن طريق قراءة الأعمال الإبداعية يثبت الصواب"" تراجع ص١٠٥

إن دعوة الأديب المانع هذه التي أطلقها أواخر عقد الثمانين من القرن العشرين، في نشر الكتاب الناطق، ستكون أكثر أهمية، ونحن نرى كثرة الإذاعات والفضائيات التي لا يجيد مذيعوها ومذيعاتها نطق الكلمات وتصريفها على الوجه الصحيح، لأنهم ما تدربوا على ذلك، ومنطلقاً أنا من تجربة عشتها في إحدى الإذاعات (٢٠١٢٢٠١٥) مصححا لغوياً، وفاحص نصوص نشرات الأخبار، وأشرف على تسجيل البرامج، لألمس الضعف المؤسف حقاً في النطق والإعراب واللغة ومخارج الحروف والكلمات.

إن كتاب (في الموسيقى والأدب) الذي قرأته مرتين، واعدت قراءة بعض فقراته مرات ومرات، استمتاعا وإفادة، بحاجة إلى حديث عن كل مقال من مقالاته، وهو أمر من العسير تنفيذه، ولعل في هذا التسويغ بعض اعتذار من مقالات أراها تعاتبني إذ لم أقف عندها!

حاشية.

(١)................وهو ليس القاص والروائي الدكتور عدنان رؤوف، صاحب المجموعة القصصية (الشخص الثاني) ورواية (أفكار الرجل الطويل) وهو من جماعة (الوقت الضائع)، وكانوا يلتقون في مقهى أطلقوا عليه اسم (الواق واق) الواقع في الأعظمية مقابل ساحة عنتر، كان ذلك سنة ١٩٤٦ ومن أعضائها: جواد سليم وشقيقه نزار، ونهاد التكرلي وشقيقه فؤاد، وبلند الحيدري، واكرم الوتري، وإبراهيم اليتيم، ومحسن مهدي، وعبد الملك نوري، وسلمان محمود حلمي، وجميل حمودي وغيرهم، ومن أجل أن ننوه بأهل الفضل علينا، وجب أن أشير أني أفدت من هذه المعلومة، -وكنت في حيص بيص بشأنها- من دراسات للباحث الموثق، وذاكرة حية من ذاكرات العراق؛ الأستاذ باسم عبد الحميد حمودي، نشرها في ( المدى) وأخرى في جريدة ( بين نهرين) سنة ٢٠١٨.