إشكاليات التاريخ كردياً- الجزء الثاني

محمود عباس
2019 / 7 / 19

في الأونة الأخيرة بدأت تظهر أساليب أكثر خباثة من تحريف التاريخ، فلقد بدأوا يطعنون بالوطنية الكردية وقضيتنا بشكل غير مباشر، واعتبارنا مواطنون ضمن الدولة مع إنكار تاريخنا في المنطقة. فتحت ادعاءات الاعتراف بحقوقنا كقومية من جهة، يخون أطراف من حراكنا من جهة أخرى، ويتهجمون على طرف حزبي على حساب عموم الحركة. وهذه نقلة خبيثة في أساليب محاربتهم لنا، وتشويه العلاقات الكردية العربية في المنطقة، وهي تتماشى وعصر الإنترنيت، لان الطرق القديمة، حيث الإنكار التام لوجود الأمة الكردية لم تعد تجدي نفعا.
كما وظهرت على الساحة الثقافية والسياسية العروبية تحريفات لتاريخنا أغرب من السابقة، تتبين وللوهلة الأولى بسيطة، لكنها في الواقع خطيرة، وهي تدعم النهج القديم، والمؤسف له أنه سقطت فيها شريحة من كردنا، فسردوا الجدلية بخباثتها، المنشورة من قبل البعض من الكتاب والمثقفين العروبيين والمتبنية الأساليب الحديثة في التهجم، المروجة على أن بعض القبائل الكردية في الجزيرة كانت تدفع الأموال للقبائل العربية لحمايتهم، أي كانت تدفع (الخوة) إلى القبائل العربية الحديثة الحضور في جزيرتنا- تيمننً بما كانت تفرضه القبائل العربية الغازية في بدايات الإسلام على شعوب المنطقة ومن ضمنهم الكرد وكانت تسمى بـ (الجزية في العصر الإسلامي-العربي)
ينشرون هذا التلفيق ليظهروا على أن القبائل العربية في المنطقة، الطي والشمر والرولة والجبور والعنزة والعبيدات والعكيدات وتوابعهم، كانوا هنا قبل الكرد وكانوا حماة للمنطقة وللعشائر الكردية، وفي الواقع الدعاية لهذا التشويه التاريخي غايتها نقلهم من عشائر حديثة العهد في الجزيرة إلى أصحابها، والطعن في كردستانية جزيرتنا وعفرينتنا، في الوقت الذي كان من المفروض على المثقفين العرب، التركيز على الوطنية الصادقة والعيش المشترك الآمن مع الكرد ضمن جغرافية كردستانية تحتضننا جميعا.
ومن المؤسف أن البعض من الباحثين والكتاب الكرد يلتقطون تحريفات هؤلاء المتربصين بنا بدون تمعن، ويبنون عليها دراسات تغلب عليها السذاجة بماضينا المكتوب بتحريف منذ قرون، والبعض يقدمونها لمجتمعنا وقراءنا للدراسة من أبعاد أكاديمية، وبمنطق الضليع في التاريخ (اللهم لا شماتة بتاريخنا ولا ما آل إليه مصير قبائلنا وأجدادنا والأجيال الماضية، وما ستؤول إليه مصير أحفادنا إذا استمرينا على هذه الجهالة في قراءة التاريخ وممارسة السياسة، نقولها لتنبيه الإخوة على ما يفعلونه بدراية أو عدمه) دون أن يدركوا بما ستنتج عن هذه الكتابات البحثية من كوارث، والتي بها يسندون وبدون وعي غاية الكتاب العروبيين المختفي ما وراء السطور والصفحات.
وبناء على ما نشروه من تحريفات، تم الطعن في معظم الثورات الكردية، فظهرت على صفحات تاريخهم على أنها كانت، ليس فقط فاشلة في أبعادها القومية والثقافية والاجتماعية، بل خيانات بالوطن الإسلامي، ومثلها أظهروا الهجرات ضمن الجغرافية الكردستانية الواحدة، كهجرات خارجية، وجل غايتهم الطعن في كردستانية الجزيرة التي كانت في الماضي تمثل نهر الفرات حدودها الجنوبية، وقد جرت محاولات عدة سابقة لإثارة هذه الإشكالية الديمغرافية، وكردستانية جغرافية الجزيرة، من خلال إبراز ما تسمى بالـ(خوة) للقبائل العربية، ليبينوا على أنهم:
1- الأصل في المنطقة.
2- وهم الأقدم في السكن والتحضر.
3- والكرد هم الدخلاء أو كما أدعى البعض من الكتاب العروبيين، بالوافدون الجدد. وبالتالي الضعفاء، أو الضيوف غير المرغوب فيهم، إلا من باب المواطنة.
ومن المؤسف أنه مررت هذه التشويهات التاريخية تحت هيمنة السلطات، واستمرت الجدلية المطعونة فيها على مدى العقود الماضية، والأن يثيرها البعض من كتابنا الكرد لتضاف إلى الكوارث التاريخية-السياسية السابقة (نبني حاضر ساذج على أركان قديم محرف) فنتناسى أن الدراسات الخاطئة للتاريخ، وتسويد صفحات لتبييض بعضها دون خلفية وسند، أي تحريف التاريخ المحرف أصلا، جريمة ستعاقبون عليها يوما ما من أبناء أمتنا الذين سيعيدون دراسة تاريخهم بمهنية.
ومن المؤلم أن البعض منا لا ينتبهون أنهم بهذه الأساليب يمدحون وبشكل مباشر الأعداء (الذين روجوا لتلك الإشكاليات وحاولوا تثبيتها كحقيقة) في الجهة المقابلة، أي عرضهم العشائر العربية، المدعومة من السلطات العروبية والذين ثبتوهم كحضر في الجزيرة من بدايات العقد الثالث للقرن الماضي، كقوة لا سلطان عليهم، وأصحاب الأرض، واصفين بشكل مباشر أو غير مباشر وعلى حساب الكرد، هذه القبائل المهاجرة من شمال شبه الجزيرة العربية والمستعمرة لجزيرتنا الكردستانية، بمالكي جنوب غربي كردستان، بعدما يقسمونها إلى أجزاء ثلاث منفصلة عن بعضها جغرافيا وديمغرافيا، كما يروق قولها لبعض من حراكنا ويبنون عليها دراساتهم وتحليلاتهم السياسية! فيتحدثون عن الجزيرة قبل عفرين، وكوباني قبل تل كوجر، أو بشكل أكثر تدقيقا، الغربية مقابل الأشتية، أو كوجر قبل أليان، أو الكيكان قبل الدقورية، أو البرازية قبل الملية، أو بالعكس، وهلمجرا حتى جبال الكرد مرورا بعشائر عفرين، المذكورة أسمائهم في كتب الباحث القدير الدكتور محمد عبدو.
يتبع هؤلاء الكتاب البعض من قرائهم، وبسذاجة، لا تقل عن سذاجة الكتاب ذاتهم، يدعمون مثل هذه الروايات التاريخية الملفقة والمطعونة فيها، ومن بينها الخوة، والتي يقال إن القبائل الكردية في منطقة (أشيتا) كانت تدفعها للقبائل العربية كالطي والشمر، وهي من الأحاديث التي دفعت السلطات العروبية المحلية، ببعض الكتاب العرب وخاصة من لدن قبيلة الطي، لترويجها والتبجح بها وتضخيم الذات على أنهم سادة المنطقة، وقد فعلها في الماضي العديد من شعرائهم، وكتبوا فيها شبه ملاحم فضفاضة.
ويذكرني هنا معلقة عمر بن كلثوم وهو يمدح قبيلته وفيها هجاء للأخر، يقول فيها:
" إِذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا".
فالعديد منا ككتاب نتيه أمام هذا النوع من التبجح، ونسقط فيها عندما ندرس التاريخ كما يريده الأعداء أن يدرس، فنكرر هذا المدح الهجاء والذي ليس لنا فيه سوى الانتكاسات!؟ دون أن نحللها بوعي ونستنتج منها التجارب، بل وبالعكس البعض منا أصبحوا ينسخونها كما هي، لأنها تسهل لهم التمجيد بذوات مصنوعة لغايات، ويخرجنها على شكل طوطم، دون وعي وتحليل منطقي لماضينا، ودون أن يتأولوا الحوادث بحمكه...

يتبع...