هل لنا أن نجعل الدين ديمقراطيا في الواقع؟

عباس علي العلي
2019 / 7 / 19

الدين حكم كلي في بناءه الفكري ومراده العام دون النظر مثلا إلى صيغة الخطاب وتوجهه للكل أو طلبه من المتلقي أن يؤمن به أو لا يؤمن على قاعدة النهائي والخلاصة التامة، هذه قضية منفصلة بذاتها دون موضوعها العام فهو أي الدين كفكرة أو رؤية فكرية متكاملة يمتاز بخط متصل من المبدأ لما يسمى الغائية البعدية المؤسسة على نتيجة بدية أو غاية النتائج منه، هنا منطقا لا يمكن أن نزج فيه ما ليس من المقدمات ولا ينتج ما في النهاية من مرادات، لأننا بذلك نخرق الواحدية في النسق أو حتى في نمطية الأداء المثالي المطلوب، علينا أما أن يؤخذ كوحدة واحدة ذات خصوصية ذاتية تنسجم مع كونية وكيفية المشرع وهدفه أو علته الكاملة، لأنه وبطبيعته ومصدره ومنهجه يبتغي شيء محدد لا يتحقق إلا بما جاء بهذه الوحدة وسعى لها، أو نبقي على الحال الذي هو فيه الآن دون الخشية من خلط الأفكار والنظريات دون أن ندرس إمكانية نجاح المحاولة الأفتراضية أولا.
قد تكون بين بعض الأديان التي تشترك بروابط وقواعد عمل وأهداف وغايات ما يسمى بالفهم الواحد أو الرؤية المشتركة وخاصة في النهايات المطلوبة أو في بعض مظاهر العمل بها، ويمكن أن تشترك بعض الرؤى الوضعية اللا دينية مع بعض مظاهر وجزئيات الأديان أيضا ببعض من الروابط التي تجمع المجموعة البشرية وتعتمد كقيم أو معارف أو حتى أخلاقيات عامة عليا، وهذا يرجع بالأساس لحقيقة يجب أن لا ننكرها أو نتجاوز عليها وهي أن الدين بغض النظر عما يلفه البعض من هالات تعظيم وتقديس وربطه بالحد الفوقي الغيبي المطلق، ما هو إلا حل بشري في صورة أو أخرى لمشكلة بشرية أساسها الإنسان وغايتها الإنسان ككائن فاعل وجودي عضوي في عالم لا يوجد فيه من ينافسه على هذه الوظيفة، وبالتالي وإن سلمنا أن بأن الدين وأفتراضا أو حقيقة مصدره من وراء منطقة الوعي الذاتي الفردي، فهو بالأخر يتعامل مع إشكالية بشرية يقودها بشر ويفهما بشر ويسوقها بشر في كل التفاصيل والنتائج، وليبقى مفهوم المصدر المطلق محصور بالغائية البعدية التي نلتمسها مثلا بالدين المسمى سماوي ومن خلال النصوص المجمع عليها أو المؤسس عليها الإيمان العام بها، إنما هي امتدادات لحاجة الإنسان للطمأنة والبقاء والاستمرارية الدائمة له في الوجود، أولها التعارف والأعمار والخيرية التي تنتهي بمفهوم الرحمة الكلية المطلقة .
كل ما يتعامل مع هذه العلل الغائية سواء أكانت نظرية أو تجربة أو فكر غير ديني فهو مشترك بشري مع الدين بالوجه الذي ذكرناه ولا يخرج بالضرورة عنه، ولكن هل يمكن دمج البشري أستنادا لبشريته مع الفكر والرؤية الدينية تحت علة البشرية هذه، الجواب السريع قد يكون نعم ولكن الجواب العملي والتجريبي قد يقودنا إلى نتيجة مغايرة ومخالفة, مثلا في نظرية الحكم العامة أو ما يسمى نظرية الاحتكام العامة في الأمور الكلية عند الإسلام كمثال في حالة التنازع هي " أن الحكم لله"، أي أن المرجعية النهاية ستكون لرؤية الله وحده حسب المنطق الحاكم فيه من النص ومن التطبيق والإيمان الديني، بمعنى ما يفسر ويوضح حكم الله هو حكم النص الديني الذي نؤمن بمصدريته المطلقة من الله وحده، الفهم الطبيعي يفسر حكم الله هو السنة الطبيعية بأعتبار أنها حكم الله وهو الذي نظم قوانين الكلية فيها، على أنها الأساس السليم الكامل والمطلق وكل خروج عن نظام الطبيعة هذا هو فساد وإفساد، أما الواقع الوضعي فلا يرى أحقية لأحد في تسطير وبسط الحكم إلا للعقل البشري الذي هو وحده مخول بتمييز الحكم والأختيار الحر على قاعدة المسئولية والتكليف، التي بدورها قد تتنافى عقلا ومنطقا من بعد التكليف والأختيار أن نخرج عن قاعدتها لقاعدة أخرى، مع ملاحظة أن الله هو الذي أختاره العقل حكما نهائيا للإنسان ولا سواه (بك أعاقب وبك أثيب).
الدين قد يلتقي في السيرورة مع كثير من الأفكار الوضعية الإنسانية ومنها مثلا مفهوم الديمقراطية والحرية والسلام والحب والتسامح، طالما أنه يتعامل مع الإنسان ويشارك في إرشاد البشر للكمالات التي يتصورها في سعيه، هذا التلاقي إن كان دائم ومتطابق يمكننا أن نقول أن بين المتلاقيان وحدة يمكن الحفاظ عليها وتنميتها بما يعزز المسيرة البشرية ومنها الغائية من الدين والغائية من الفكر الوضعي، ولكن حينما نجد أن هناك تقاطعات وأحيانا أفتراقات في قضية أو أخرى وفي الجزئيات أيضا لا يمكننا أن نحكم بالكليات على أنها ستكون واحدة على أساس التغاضي عن الأختلافات الجزئية التي تقود بالنهاية لنتائج غير متطابقة .
الدين الذي يرى أن مصلحة الإنسان مثلا تتجلى بالعمل المنتج الإيجابي ويمنحه درجة عالية من الأهتمام في الرعاية والدعوة ويربط ذلك بنتائج الأخيرية والأحسنية في الحياة الدنيا، كذلك يربطها مع عواقب أخروية مؤجلة قد تكون في الكثير من الأحيان هي الدافع الأقوى في تحقيق النتيجة، هذا لا يتنافى مثلا مع حق الإنسان في العمل وحقه في أن يصون المجتمع هذا الحق ويسعى لضمانه، ولكن أيضا ليس مع نفس المنهج الواحد الجامع بينهما، ولربما يكون المبرر الأصلي والحقيقي أكثر حيادية بالنسبة للرؤية البشرية منه في الرؤية الدينية، الحق وحده بأعتباره مفهوم كلي مطلق بالنسبة للدين ليس كافيا في الواقع المادي اليومي مثلا، ولكن الدين أيضا يضع من جانب أخر على الإنسان واجب أن يسعى في مناكبها وأن لا يبقى أسير الواقع ومتحكماته الوجوبية، في الديمقراطية مثلا المجتمع ممكن أن يساعد الإنسان في منحه الحق ولكن ليس مسئولا عن دفعه للسعي في مناكبها بكل تأكيد بأعتبار أن الإنسان حر بخيارته الذاتية المتعلقة به وحده، العامل يعمل ليعيش والعامل الذي لا يعمل سيموت هذه مشكلته وعليه تحمل وزرها مع أن المجتمع يدين هذه الحالة ويستنكرها, ولكن ليس للمجتمع أن يبقى مراقبا وحاثا للعمل ويرتب على هذا الكسل أعتبارات أخروية قد تدفعه للعمل والأنتاج كما يفعل الدين .
هذا المثال البسيط يقودنا إلى إشكالية الدمج بين مفهوم الديمقراطية ومفهوم الدين عند البعض أو ما يعرف عند البعض بدمقرطة الدين أو تدين الديمقراطية بالمثل، وخاصة من الذين لا يرون تعارض حقيقي بين إنسانية الديمقراطية باعتبارها تستهدف احترام الخيار البشري وتقدس إرادته في تجسيد ما يريد، ومحاولة إخراجه من نظام العبودية التي تتبنى نظم العمل السياسي ونظريات الحكم و وبين الإسلام الذي يتبنى قاعدة من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، لأنه بذلك يخضع عموم نتاج التجربة الإنسانية في الحياة وفرضها على إرادة الإنسان وكيفية تدبيره الخاص والعام كما يفعل الدين، الحقيقة هذا التلاقي ليس كافيا وليس مبررا للدعوة إلى دمقرطة الدين وخاصة أن مفهوم الدين عند الإنسان اليوم لا يتحدد بمفاهيم الإسلام وحدها، فمثلا الدين اليهودي لا يمنح المساواة التامة بين الجنس البشري بل يتبنى مبدأ العبودية والعنصرية التميزية أصلا كقاعدة إيمانية ذاتية لا تقبل المناقشة، ثانيا حتى في الخيار الإسلامي هناك قراءات متباينة تخرج الكثير من القواعد الديمقراطية عن العمل وتعطلها بل تكفر من يتبناها .
علينا أن نكون أكثر وعيا للخلاف الطبيعي بين فكرة الدين الكلية والتي تعني بالنهاية استحالة تبني فكرة (الدين هو الحل)، أنه ليس بنظام عمل كامل وتفصيلي يمكن أعتماده ليكون ركيزة سياسية أو دستور حاكم للواقع، بل أن الدين في هذا الإطار الكلي النظري ليس إلا راشد عقلي ومرشد توجيهي يساعد في صنع وتبني خيار ناضج ومناسب وواقعي ليس إلا، ولا مطلوب منه أن يكون حلا أو طريق يتبنى حلا جاهزا وكاملا بمعزل عن التجربة البشرية، ولا واجب عليه أن يقود المجتمع سياسيا وإداريا خلاف القاعدة الطبيعية التي يتبناه أصلا في قاعدة "وأمرهم شورى بينهم"، الدين لا يمكنه أن يكون ديمقراطيا لهذا الحد وفقا لقاعدة الشعب مصدر السلطة ومادة المشروعية، لأنه وببساطة أمر حكمي سابق وفوق التجربة المبسوطة تاريخيا والناتجة عن خيار الإنسان وحقه فيها، أي أنه مسبوق بأحكام ثابتة وإرادات مبنية على قواعد فوقية خارجة عن التبدل والتغير ولا يمكن تعديلها أو تبديلها وفقا لقرار بشري، بينما الديمقراطية هي تبني خيارات العمل البرغماتي حسب الظروف والمعطيات الإنسانية والتبدلات والتحولات المرتبطة بوعي الظرف ووعي الحاجة، حسب ما ينتج من التجربة الإنسانية تفصيليا وكليا، وهنا نصل لحقيقة أننا لا يمكن دمج مفهومين مختلفين لفكرتين لا تلتقيان لا بالكيف ولا بالكون التوصيفي المفاهيمي الذي يؤهل كل منهما لأن يندمجا معا أو يسيرا في خط وسطي بينهما .