خطأ الملك ، كيف نتعامل معه ؟

خالد الصلعي
2019 / 7 / 18

خطأ الملك كيف نتعامل معه ؟
----------------------------

في المغرب يمكن الحديث عن الخطأ الملكي بصيغة الخطاب الملكي او بصيغة الأمر الملكي . الى درجة يصبح فيها الخطأ مقدسا وغير قابل للنقاش او الوصف بما هو ، باعتباره خطأ ، يمكن تصحيحه او تعديله او نقده .
وكما يقول الدكتور حسن لهويرة ، فان ادماج مفهوم القداسة في الدستور أدت الى دسترة مفهوم القداسة ، وتحييده عن أي مس او انتقاد ، وفرض الانقياد لكل ما ياتيه الملك ، وان كان خطأ فاضحا . وهو ما تفطن له دستور 2011 حيث عمل على اقصاء الفصل 23 من دستور 1996 وياقي الدساتير السابقة منذ دستور 1961 .
لكن واقع الأمر يقول عكس ذلك ، حتى وان ارتبط الأمر بخطأ نابع من طبيعة شخصية الملك باعتباره كائنا بشريا يستحيل أن لا يخطئ . وقد سبق لمحمد السادس أن صرح في احدى خطبه بطبيعته البشرية الخطاءة ، كاقتراب من مضامين بعض النصوص الحداثية التي تضمنها دستور 2011 ، وملامسة حدوده وهوامشه العصرية .فالملك عمل على ملامسة حقيقته ككائن بشري ومسؤول يمكن ان يخطأ في أكثر من مجال .
واذا كانت الملكية في المخيال الشعبي عامة ، وفي بعض الأدبيات السياسية خاصة ، قد ارتبطت بالوحدة والاستقلالية ومدى شرعية انتساب الدولة ككيان عام لأسرة بعينها ، ما يضعها في مكانها الاعتباري ويمنحها رمزية دونها جميع الرمزيات الزمنية ، فان هذا البعد التقليدي حاول الملك محمد السادس أن يعقلنه ويمنحه بعدا حداثيا يقترب من روح العصر . وخاصة في بداية سنوات حكمه الأولى . غير أن شيئا ما طرأ في سياق التحول الزمني ، وعادت الأعراف والتقاليد الى دسترة ذاتها فوق ظهر الدستور المكتوب ، بدعوى قصور المغاربة عن الحداثة ، وتخلفهم عن ضبط تحولات العصر ، والخوف من انفلات الأمور من بين يد الأجهزة الأمنية الحريصة على تكبيل المغاربة وابقائهم مجرد عبيد ، لكنهم عبيد القرن 21 كما وصفت ذلك احدى الجرائد الأسترالية مؤخرا .
ولئن استطاع المخزن ان يوفر نصا دستوريا قريبا من مفاهيم الحداثة السياسية ، بدءا بديباجته ، فانه من الواجب ان لا يهرب عن أذهاننا السياق التاريخي والاجتماعي لدستور 2011 ، حيث كان للحراك الشعبي دورا حاسما في تدبيج الدستور وتطعيمه بتلك الانفلاتات الحداثية ، كتوسيع هامش الحرية ، وفتح أوراش الديمقراطية ، وتشسيع مجالات حقوق الانسان .
لكن هذه الامتدادات والهوامش التي راكمها الشعب المغربي عبر تاريخه القصير ، سرعان ما تم الالتفاف عليها وتحجيمها ، بل وحجبها تماما . الى درجة أن قداسة الملك عادت أقوى مما كانت عليه . وباسمه بدأت مختلف الأجهزة تزداد تغولا وهيمنة .
وقد منح حزب العدالة والتنمية رافدا آخر للملكية ، وتخلى زعيمه الشعبوي عن اختصاصات دستورية طوعا للملك . الى درجة التذلل والمسكنة والاسترزاق ، مع العلم ان الملك يحتاج الى مساعدين أكفاء كلما كانت صناديق الاقتراع صانعتهم كلما اقترب المغرب اكثر من عمق الديمقراطية ،ذلك أن أي ملك يعجز عن تدبير كل تلك الاختصاصات بروح العدالة والانصاف ، او بقدر من التوازن والكفاءة .
وقد تمت صياغة تعبير غامض وتنزيله منزلة القانون السمى وهو "أوامر عليا " لربط كل قرار بالملك ، أو الاحالة عليه والايحاء به ، وتحميله كل الأخطاء ، مهما كانت فظيعة وكبيرة وضخمة وكارثية . ما دام أن ربط الخطأ بالملك قد يجر تحت ذريعة المس بشخص الملك بما يتضمنه من تقدير واحترام ، الى متاعب شتى ، قد يكون أقصاها الموت ، بطريقة او أخرى . وبما أن الخطأ من الملك فلا داعي للسؤال والنقد والمحاسبة .
العقل المخزني المتحجر ، وعجز الملك كفرد وشخص عن متابعة شؤون أيالته ، أديا الى قتل ووأد الملك كرمز ، الى درجة أن قيدوم الصحافة المغربية مصطفى العلوي عنون احد مقالاته بتعبير صادم فحواه "من الخوف من الملك الى الخوف على الملك " .
ان الخلط بين تصرفات الملك الرسمية ، كالخطب وتوقيع الظهائر وبين سلوكاته كانسان عادي يشتري اليخوت ويقبض أجرا مجزيا ، ويستثمر الأموال ، هو ما يربك الباحث عند غربلة أفعال الملك . وفي تنزيلها وترتيبها . فاذا كانت خطابات الملك نفسها تحتمل المناقشة والنقد في عصر الذكاء الاصطناعي ، وانتشار المعلومات وثقافة ما بعد الحداثة ، فكيف لمشترياته الباذخة التي تقصف ذهن وعقل أكثر من نصف سكان المغرب أن لاتثير الاشمئزاز والغضب ؟ . فالمغرب مصنف من ضمن الدول الأكثر بؤسا ، والأكثر فسادا ، والأكثر فقرا ، والأكثر رشوة ، والأكثر ظلما .
وفي ظل هذه الأوضاع المزرية العامة ، كيف يتأتى للملك شراء يخت بكلفة مالية باهضة ؟ .بل وكيف يرسل مساعدات مالية ضخمة الى جول المعمور بينما أكثر من نصف شعبه يعيش ويلات الفقر والعوز ؟ . انها أسئلة محرجة لم تعد تقبع في أغوار الخوف ومتاهات الحيرة .
فهل ننفي عن المملك ممارسة السياسة ؟ ، هل ننفي عنه ممارسته حياة انسانية ؟ ، هل نقيده بما لا يلزمه ؟ ، فمن يكون اذن الملك ؟ ، أمير المؤمنين ؟ ، قياسا الى أي أمير مؤمنين ؟ . هل نسمي الأمور بمسمياتها كما خاطبنا ذات خطاب ، ونعلن انها تيوقراطية تقليدية لم يعد لها مكان في دول المعمور ؟ . هل نصل الى مستوى آل سعود ، وحالة البحرين ؟ ام علينا أن نتبع خطوات دستور 2011 باعتباره القانون المنظم والشريعة العامة ؟ .
لا ينفي احد مركزية الملك ودور الملكية في المغرب ، لكن احدا لايمكن ان يدحض منطق تطور العقليات ، والسلوكيات ، خاصة في عصر انفجار علم الأعصاب وتكنولوجيا المعلومات ، وتشابك المعطيات ، فضلا عن جنوح الملك الى التملك المادي لعديد من الشركات وطنيا واقليميا ودوليا ، والمال وكر الشرور كما يقول المثل الصيني .
قد يتلبس السياسي بالأخلاقي وبالديني ، وهذا جوهر ثقافتنا . لكننا في عصر تفككت فيه مجموعة من العلوم وتفرعت الى تخصصات بذاتها ، واستولى علم الاجتماع بتشعباته على مكانة الفلسفة ، وأثير كثير من الغبار حول ما هو ديني أزلي وما هو ديني تاريخي ، وأصبح النص القرآني ذا معاني متجددة .
بل ان الدستور المغربي الجديد ، واعتراف الملك بانسانيته الخطاءة ، يفتح الباب واسعا أمام مناقشة أخطاء الملك ، وانعكاسها على السير العادي للمواطنين والوطن . ولعل وضع المغرب الاقتصادي والاجتماعي لم يعد يجد معه الاختباء وراء شعار قدسية الملك ، مع واجب الاحترام لشخصه ومكانته ومنصبه . لكن يبقى الخطأ خطأ ولو أتاه نبي .
ان تنبه المشرع المغربي الى تجاوز نص "شخص الملك مقدس " ، الى نص " شخص الملك لا تنتهك حرمته، وللملك واجب التوقير والاحترام” ، كان نفاذا الى منطق العصر او روحه بتعبير هيجل . لكن هناك ارادة غير خفية لاثبات النص الأول واخفاء النص الثاني ، أي اعادة المغاربة الى سنة 1961 ، او الى سنة 1908 حيث نص الدستور "يجب على كل أبناء السلطنة الطاعة للإمام الشريف والاحترام لذاته، لأنه وارث البركة الشريفة" . واذا كان لفظ "السلطنة " قد اختفى ، ولفظ "الطاعة "قد امحى ، وعبارة " الامام الشريف " قد ضاعت ، وعبارة " البركة الشريفة " ، قد كنست . فان ورح العبارة برمتها تم احياؤها في السنوات الأخيرة . . اكثر من قرن وكأن المغاربة قد أهالوا عليهم التراب ، ولم يعد لهم من مكان فوق سطح الأرض الذي تغير خلال عقد فقط من الزمن .