يوميات عراقي - قادسية مقدم ركن خضر العلوان!

ملهم الملائكة
2019 / 7 / 17

في تلك اللحظة انتهت حرب القادسية بالنسبة للمقدم الركن خضر العلوان (اسم رمزي) آمر لواء المشاة 23. لم يكن قد مرّ على اندلاع معارك قادسية صدام سوى ثلاثة أسابيع.

في أوج المعركة، لم يجد مقدم ركن خضر في حوض سربيل زهاب الخصيب الجميل، سوى قنطرة حجرية تحت الشارع المؤدي إلى الطريق الدولي المسافر إلى مفترق الطرق بين كيلان غرب وكرمانشاه تحميه من جحيم القذائف والصواريخ التي تستهدف مقره.
كانت خرائط هيئة الأركان العامة، قد رسمت للقوة المهاجمة من محوري سربيل زهاب وكيلان غرب هدفاً نهائياً تمثل في احتلال مضيق بايطاق، وعزل كل ما خلفه غرباً عن سائر إيران.
لكن مضيق بايطاق (الذي أطلق عليه في عام 1987 أسم مضيق مرصاد) كان يبعد 60 كيلومتراً عن تنك حمام في عنق حوض سربيل زهاب، وعجزت القطعات العراقية بعز زخمها عن الوصول الى مضيق حمام، فكيف الحال مع بايطاق؟
كان على المقدم ركن خضر بمقره الجوال تحت القنطرة الحجرية أن يقود جحفل معركة مشاة، وبدعم كتائب مدفعية محددة بصرفيات قنابل معينة، لكي يتسلق سفوح جبل زرده الغربية، ويعتلي الأكتاف الشاهقة للجبل والسلسلة المتصلة به بما يصل إلى هضبة كرند، ثم يهبط بهذه القوة ليحتل مضيق بايطاق.
وأرسلت له تعزيزات بألف مقاتل مسلح بالبنادق من الأفواج الخفيفة يقودهم سردار الجاف، وكان عليّ أن أذهب بالأخير وسط ظلام حالك عبر نياسم جبلية تتساقط القذائف عليها بلا توقف إلى مقر اللواء الجوال، الذي يستقر فيه آمر اللواء، وهذه فحوى الحديث الذي دار بين القائدين:
مقدم ركن خضر: أهلا بك كاكه (سردار)، ما هي القوة التي معك؟
أهلا كاكه (خضر)، معي ألف مقاتل مسلحين بالبنادق ومعهم عتاد الخط الأول فحسب ( 120 إطلاقة لكل مقاتل). لدينا 10 هاونات ستين ملم دون عتاد، و10 رشاشات بي كي سي، ومع كل رشاشة شريط عتاد 380 طلقة.
تبسّم مقدم ركن خضر بمرارة، وضوء الفوانيس في القنطرة يسقط على وجهه الشاحب الذي ذهب جهد وعرق المعركة بوسامته، وقال : كاكه، عندي لكم واجب واحد، احتلال السفوح الغربية لجبل زرده، وتأمينها لنا لنتقدم باتجاه تنك حمام.
بُهت المقاتل العتيق سردار الجاف (أو قائد كان ينوب عنه ولست متأكداً من اسمه)، ونظر برعب إلى محدثه وقال: هذا غير ممكن كاكه، الجبل كله مدافع ودبابات وقوات كثيفة، كيف نقاتلهم بالبنادق؟! يجب أن تتخطى قواتكم الجبل باحتلال حوض سربيل زهاب ثم العبور الى تنك حمام، فيكون الجبل خلفكم وتسقطه الطائرات والمدفعية والدبابات!
شكرا لك كاكه، هذا لا يساعدنا، لا أحتاج قواتكم هنا إذن.
وعدت بالقائد الكردي إلى مقر اللواء، ليرحل بمقاتليه عائدا من حيث أتى.
في الساعة 12 ليلا، شرعت القوات العراقية بهجوم جديد يتوخى الوصول إلى مضيق (تنك) حمام الذي يمسك عنق حوض سربيل زهاب. كان على القطعات تخطّي سلسلة التلال والقمم الصغيرة الممهدة لجبل زرده، في الطنف المعروف باسم المهد، لتصعد بعدها عبر كهوف ومسالك جبلية قَطعا حاداً يمثل سفوح جبل زرده الشاهق. وخلال اسبوعين من المعارك، فشلت القطعات في تخطي عارضة المهد، وهي طنف الجبل فحدث ولا حرج عن سفوح الجبل الشامخ المكللة قممه بجليدٍ باقٍ من شتاء العام الماضي.
ما إن تقدمت القطعات، حتى انفتحت عليها فوهات الجحيم، فقد حشد الإيرانيون فوهات نارية كثيرة فاقت إلى حد كبير القدرة النارية للقوة المهاجمة. وتساقط جنود الفوج الثاني والثالث ضحية انفتاحهم فوق هضبة المهد، كما تداعت سرية مغاوير اللواء التي كانت مكلفة بالتوغل من جنوب المضيق عبر فتحة الشارع عند خط شروعها، فقد دخلت حقل ألغام وتساقط عدد كبير من منتسبيها وجرح اثنان من ضباطها.
وبات على القطعات في ظهرة المهد الاحتماء بأجساد القتلى على الهضبة الصخرية المكشوفة الخالية من أي عارضة قد تستتر خلفها القطعات. لم يكن إخلاء الضحايا ممكناً بسبب كثافة النار، سقطت القوات في كماشة.
نداءات الاستغاثة ظلت تتصاعد عبر أجهزة الاتصال اللاسلكي بعد أن توقفت الاتصالات السلكية تماما، استترت مفارزنا السلكية في أخاديد حوض سربيل زهاب بسبب كثافة النار. واضطرت قيادة الفرقة إلى زج فوج قوات خاصة، لدعم القطعات المنهارة، وما لبث الفوج أن انهار بعد أن قتل آمره الرائد الركن أحمد العبيدي، إثر تطويق الإيرانيون لمقره، فخرج يقاتلهم بالقاذفة، وقتل وبقيت جثته على الهضبة الصخرية أياماً طويلة حتى جرى اخلاؤها بعميلة خاصة.
الساعة الرابعة صباحاً، كسر الإيرانيون الجناح الجنوبي للقطعات، وتخطوا سرية المغاوير مقتربين من مواضع الفوج الأول من اللواء الخامس الذي كان ممسكاً بجبل سيسر، وتوجهوا لاحتلال السفح الشرقي للجبل، وهذا كان سيعني تهديد القطعات العراقية وقد يقود إلى إجبارها على الانسحاب إلى ما وراء خط الشروع، وعلى شبكة القيادة اللاسلكية اتش اف التي تصل إلى الإيرانيين أيضا، تفجّر غضب المقدم الركن خضر العلوان، وبدأ بشتم قائد الفرقة، مستهلاً عبارته بالجملة المفصلية القاتلة:
لأني لست تكريتيا، وضعتموني في هذا الموقف القاتل، اللواء قد دُمر، وفوج القوات الخاصة الرابع قد أبيد وقتل آمره، والقوة غير كافية، ومع ذلك تصرون على أن واجبي احتلال سفوح جبل زرده. هذا الواجب يحتاج إلى قوة بمستوى فرقة! لماذا لا تأتي بفلان (أمر اللواء الثالث) وفلان (آمر اللواء 22) لدعمنا؟ سأقول لك لماذا، لأنهم تكارتة ولا تريد أن تزجهم في هذا الجحيم . نحن ذاهبون للموت، وخطيتنا برقبتك، واللعنة على أبيك وعلى كل تكريتي بلا غيرة مثلك!
سمعت هذا الكلام كل محطات القيادة الداخلة على شبكة اتش اف، وسمعته محطات التنصت العراقية والإيرانية، وكان يعني عملياً النهاية للمقدم الركن خضر العلوان، لاسيما أنّ قائد الفرقة كان العميد الركن عبد الرحيم طه الأحمد، وهو أبن عمة صدام حسين.
الساعة العاشرة صباحا اليوم التالي، دخلت مقر اللواء سيارتان لاندكروزر من مديرية الاستخبارات العسكرية العامة، في إحداهما ضابط برتبة رائد، وأخذتا المقدم الركن خضر العلوان إلى مصير مظلم. وانتهت القصة بالحكم عليه بالسجن لمدة 7 سنوات بتهمة إهانة المافوق وعدم تنفيذ الأوامر. والفضل في تخفيف الحكم، لوالد خضر العلوان، الذي كان قد استضاف صدام حسين لبضعة أيام أثناء هروبه بعد محاولته اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم عام 1961، (حسب ما كان يتردد في أوساط العسكر). خرج خضر العلوان من السجن عام 1982، وأحيل إلى التقاعد وانتهت بالنسبة له بسلام قادسية صدام.

*هذه الوقائع، مشاهدات في حرب السنوات الثمان التي أؤكد على تسميتها "قادسية صدام" لأنّها حربه وحده. أنقل اليوميات كما عشتها وعاشها أغلب ذكور العراق المكلفين بالخدمة الإلزامية ضباطاً وجنوداً ومراتب. بعضها شهدته بنفسي، وأخرى رواها لي بأمانة شهود عيان.