حلم غبي

ماجد الحيدر
2019 / 7 / 17

طبق الأصل
ماجد الحيدر
حلم غبي

الأحلام أيضاً، مثل البشر، فيها الغبي وفيها الذكي، فيها القَنوع المتواضع جَمّ الأدب، وفيها الوقح الجامح الجانح الى ما لا يكون.
حلمي هذا الذي سأقصه على حضراتكم، كان حلماً غبياً.. بل مفعماً بالغباء.. تشم منه رائحة الغباء على بعد فراسخ وتلمسه فيه لمس اليد وتبصره وتسمعه ملء العين والسمع..
لكنه حلم.. حلم أيها السادة.. ولهذا أرجو ألاّ تغضبوا أو تسخروا أو تؤولوه على أنني، أنا الآخر، غبي مثله.. فأنا كما يشهد الناس إنسان عاقل، رشيد، موظف مواظب ورب أسرة محترم.. أعرف حدودي وألزمها. ولهذا فإن أول ما قمت به بعد استيقاظي هو أن لعنت الشيطان الرجيم وقرأت المعوذتين وغسلت وجهي من آثار ابتسامة السعادة البلهاء التي لطخته خلال النوم..
بيد أنني، ولعادة قديمة لا أستطيع الفكاك منها.. شرعت خلال الفطور في اختبار قدرتي على تذكر بعض التفاصيل، فاكتشفت، ويا لدهشتي، أن أغلبها ما زال طرياً في عقلي وبأنني أستطيع أن أسردها كلها وكأنها أمام عيني، فقررت أن أستغل الأمر (وأنا استغلالي بطبعي) لأكتب شيئا قد يسلي القراء ويدخل عليهم بعض السرور والضحك ولو كان ذلك كما قلت على حساب المغامرة بأن يظنوا الظنون بسلامة عقليّ:
بدأ الحلم بالمشهد التالي:
قاعة عظيمة الكبر والفخامة تنم عن تصميم معماري غاية في الذوق (قيل لي لاحقا أنه من أعمال زها حديد). الستائر والجدران والكراسي والأرضيات، بل وحتى العطر الغامض الذي يملأ الأجواء.. كلها تحف فنية رائعة. القاعة طبعا مكتظة بالحضور، وكنت أرى في الصفوف الأولى السادة الرؤساء الثلاث وأعضاء الحكومة والبرلمان وعددا لا يحد من كبار الضيوف الأجانب.
ورأيت كل أولئك الرؤساء يقومون (على حيلهم) عند دخول وزير الثقافة، ذلك الرجل الأشيب الوقور الذي طالما رفد الثقافة والفن بالمئات من أعماله. وسمعت احدهم يقول له: لقد أدهشني معرضك الأخير. ثم رأيت آخر وهو يطلب من وكيل الوزير بتواضع أن يوقع له نسخة من كتابه الأخير!
- آها.. قلت لنفسي.. أخيرا صار عندنا مسؤولين مثقفين!
ورأيت جواد سليم ومحمد غني حكمت وفؤاد سالم وسليم البصري وجعفر على ويوسف العاني وعلي جواد الطاهر وعناد غزوان وعشرات ممن كنت أحسبهم من الأموات، جالسين في الصف الأول متقدمين على الوزراء والنواب، ورأيت نوري الراوي يتقدم على عكازه بصعوبة فيهب رئيس البرلمان ليمسك بيده ويحلف عليه ليجلس في مقعده هو!
انتقالة فجائية: أسمع أحدهم يقول إن اليوم عطلة رسمية. إنه يوم الثقافة!
في الخارج ثمة مئات من الآلاف يصطفون في الشوارع التي تؤدي الى مطار بغداد الدولي (الذي غيروا اسمه الى مطار عبد الجبار عبد الله) بانتظار جثامين كوكبة من عظماء مثقفينا وعلمائنا وفنانينا الراحلين لإعادة دفنها في أرض الوطن.
بعد الظهر تبدأ مراسيم دفنهم في حديقة العظماء التي تفتتح اليوم (ولا داع لأن أصف لكم عظمتها وجلالها وما أنفق عليها) على أنني أذكر بأن من تقاليد دخولها خلع النعال والاحذية وحمل وردة واحدة على الأقل!
انتقالة أخرى: منظر للشوارع النظيفة التي تصدح فيها الموسيقى. نعم، في كل حديقة عامة فرقة موسيقية تابعة لذلك الحي السكني. وثمة زحام شديد وطابور طويل على افتتاح معرض فني. أما دور السينما فلا تعد ولا تحصى وكلها اليوم بالمجان وكذلك المسارح .
البوسترات الفنية في كل مكان، لكن العجب العجاب أن الأطفال كانوا يدخلون الجوامع ويخرجون حاملين حكايات أندرسن ومغامرات علاء الدين وألف ليلة وليلة ولكي يزداد المشهد بهجة تبدأ السماء الرحيمة بإرسال رذاذ خفيف منعش لا يكاد يصل الأرض أو يبلل الراقصين والراقصات.
في لحظة ما يسود صمت هائل جليل حين ينزل حرس الشرف تابوت الجواهري الى الأرض. كان الكل يبكي بصمت وخشوع. (وكنت كعادتي أبكي في الحقيقة وأنا نائم).
ورفعت رأسي الى السماء وأنا أشكر إلهي وعيناي غارقتان بالدموع لأنني أعيش في هذه البلاد. كانت دموعا ساخنة، أكثر سخونة في الحقيقة من أن أحتملها فجف حلقي وصحت بأعلى صوتي طالبا كأسا آخر من شراب رحيق الورد المداف بالعسل الذي كانوا يوزعونه في الشوارع. صرخت وصرخت لكن أحدا لم يهب لنجدتي.. إلا زوجتي، فقد ايقظتني من نومي وبسملت على رأسي وناولتني كوبا من الماء وهي تقول:
- كم مرة قلت لك لا تثقّل في العشاء!؟