رسائل المشترى

مختار سعد شحاته
2019 / 7 / 17

الرسالة الثالثة:

العزيز الغالي؛ المشترى...
كيف أنت أيها الوسيم؟ بالأمس خُسف القمر، بينما بقيت أنت في نفس ألقك المعتاد أيها الجميل، فدُم في خير، وبعد؛
وصلتني رسالتك التي جاءت كمفتاح باب للوصل بيننا فُتح، وكعادتي السابقة حفظتها وأرسلتها إلى جوار أختها الأولى. أنت تعرف أين.
بالأمس ودون أن تنتبه كنتُ أراقب نظرتك نحو الكون، واللحظة التي غاب فيها نور القمر عن السماء، لمحت نور قلبك أيها المشترى، كان صافيا وشفافا جدا إلى الدرجة التي جعلتني أرى الأحلام التي تتزاحم في قلبك. ما أجملك أيها المشتري صاحب الأحلام.
أخبرتك أنني أتشابه معك في هذا، وأثق أنك لن تنكر على حبة رمل مثلي أن تحلم، مثلما يحلم كل الأحياء. الحقيقة أني تعلمت ذلك، وتدربت عليه كثيرًا كلما كانت جميلتك التي تجلس هنا كل مساء تناجيك، نعم تعلمت منها كيف يُبنى الحلم، وكيف يمكن أن يصير عالما موازيًا يفوق واقعنا المصمت هنا فوق سطح البيت القريب من النيل.
عزيزي المشترى؛
أنوي أن أناديك بصفة جديدة، سمعت الجميلة تكررها حين كانت تفض خاتم رسائل إليكترونية أرسلها أحدهم إليها، وشجعني على ذلك، حين استمعت معها إلى واحدة من تلك الرسائل التي تشي بأن مرسلها غارق في لجين خالص من السعادة. أتعرف، الصوت فاضح يا مشترايّ العزيز، فصوت هذا المُرسل دال بلا ذرة شك على الوقوع في المحبة الخالصة. ياااه، لو تسمعه مثلما سمعناه أنا والجميلة! مظاهرة من الفرح، حبور يدوم كأنه أبدي. أإلى هذا الحد يفعل هذا الشعور بالناس؟! تهدج صوته، ارتعاشة الحروف حين تخرح، الثقة في القلب حين يدفعها نحو فمه ينطقها، الشفاه حين تُفتح عنها، اللسان حين يُرَطبُ بقولها، الكون من حوله كله كأنك تراه في صوته وقد تحول إلى لون وردي شفاف لا تسمع فيها إلا همسه؛ (أحبك).
أيها المشترى العظيم؛
هل لمثلي أن يُحب؟ هل لي نصيب أن يقول لي أحد الموحودات تلك الكلمة السحرية؛ التي تنساب كهدير الموج غير المُغالب، فتجتاح عالمك بقوة وتدفعه، ثم تأخذه وتغيب هناك، في عالم قطني خالص، لا خوف فيه ولا دموع. هل جربت ذلك من قبل يا عزيزي؟ هل قاله لك مخلوق من قبل؟ من يعطي هذه الكلمة كل هذه القوة؟ ما الذي يمنحه سحرها للعالم حين يصير إلى هذا الحبور؟
أتعرف أيها الغالي جدًا، والقريب جدًا مني، أنني للحظة شعرت أن هذا المرسل يهيم حول الجميلة ابنتك، مثل طيف شفاف، حتى أن ابنة المشترى ويا للعجب، مدت يدها تلمس هذا الطيف، بل أجزم لك أنها احتضنته، وأطبقت عليه خوف التفلت، كما لو كان ماءً ينساب ويغيب. أهكذا تفعل تلك الكلمة العحيبة، وتفعل تعويذتها القديمة في الناس؟ أظنك رأيتها يا عزيزي، ورأيت الطيف الحائم على الدوام حولنا هنا فوق السطح. هل رأيته حقا يا عزيزي؟
أخبرني أيها المشترى الحقيقة، من أين يأتي سحر الكلمة تلك، وأين يذهب حين يبكي الناس ويحزنون؟! ألها قانون مزدوج يحتم أن يدخل الناس في الجحيم وفي الفردوس مرات ومرات وبينهما يتقلبون؟ أرجوك أخبرني أين يذهب حين ينفض سحر الكلمة وتحل لعنات كلمات أخرى، كالخيانة والكراهية والأنانية والطمع وموت الروح؟!!
لماذا يخاف الناس منها؟ ولماذا يحلمون بها على الدوام؟ لماذا لا تصير تلك الكلمة علاجا لكل الجروح وكل الأسى في العالم؟ هل يصعب نطقها إلى هذه الدرجة؟ هل لا يقدر عليها إلا صادق بحق؟ هل لا يقولها الناس إلا بعد التورط في نعيمها وجنتها؟ تحدث إليّ أرجوك، فصوت المرسل في الرسائل ضعيف وواهن، لكنه غير مهزوم ولا منكسر، فيه جسارة فريدة رغم التهدج، وفيه جرأة رغم الخوف، وفيه وفيه وفيه، عشرات التناقضات، لكنها ولحظة نطقها تساوت وتعادلت كل تناقضاته، فما السرّ في مادة الكلمة تلك؟ وما دام لها هذا السحر البديع، كيف لا تتسع الدنيا لها، وكيف لا تمنح مثلي أنا حبة الرمل، لحظة مثلها؟!أضاقت بي واتسعت للعاملين والموجودات؟! وماذا إن قلتها لأحدهم؟ أو قالها لي؟ أيكون بمثل هذا السمت الذي لون الصوت الذي تسمعه ابنة المشترى كل مساء، حين أتعلق بخنصر الكف اليمنى كلما منّت علينا بنعمة الحضور؟
أيها المشترى؛
أريد أن أحب، أريد أن أُحَب، فهل هذا كثير؟
دم في محبة الأكوان يا عزيزي.
قبلة.
حبة رمل فوق سطح البيت القريب من النيل.
ساو باولو، البرازيل
16 يوليو 2019.