و للمعزة ، الأحفاد أوفر حظاً من الأولاد .

يوسف حمك
2019 / 7 / 16

في تربية الأولاد ، أحالنا خريف العمر إلى التقاعد .
فيض العواطف المتراكم يسيل صوب الأحفاد ، هرباً من شبح العزلة ، أو شح العمل . للعيش أياماً ذهبيةً مع أولاد أولادنا .

بلقائهم ننسى الهموم و الكدر ، و بحضورهم تغيب الكهولة .
و من سحر قهقهتهم ترحل الشيخوخة ، و باللعب و التلاعب معهم تنعم النفس بترف الراحة ، و الصدر يمتلئ انشراحاً و استئناساً . و باب المزاج المنغلق ينفتح على مصراعيه على الفور للاستجمام و الاسترخاء .

العاطفة نحو الحفيد من نوعٍ فريدٍ . إنها مفعمةٌ بدلالٍ وفيرٍ .
و التعلق به أشد من أبويه حين الصغر .
طفولةٌ حميميةٌ لاهيةٌ من طرازٍ خاصٍ . و لها متعةٌ غزيرةٌ و نكهةٌ عذبةٌ .
و طالما أن الأنثى الصغيرة أكثر غضارةً و نعومةً من الطفل الذكر - حتى صغار الحيوان - فالحب يغدق على الحفيدة الصغيرة من كل صوبٍ ، أما الحنان فيغزوها من كل جانبٍ !!!

أعذب لفظٍ تتفوه به صغيرتي حينما تناديني : ( بابو ) عندها يأسرني إحساسٌ لذيذٌ ، يشع بريقه على روحي سحراً ، يحلقني في الفضاء عالياً بلا أجنحةٍ !!!!
ما لم نكن نفعله لأولادنا ، أو كنا نبخل عليهم ، فقد نفعله الآن لأحفادنا .
دلالةٌ و غنجٌ ، و سلاسةٌ في التعامل و لينٌ و لطفٌ مبالغٌ ...
و ما كنا نفجره في وجه أبنائنا ضرباً أو توبيخاً صارماً أو تأنيباً عنيفاً ، يجعلنا الآن نمتص غضبنا تجاه الأحفاد ، و نتمالك حين الغيظ .
مقولة : (( ما أغلى من الولد غير ولد الولد )) أثبت صحتها الكثيرون من الأجداد و مثلهم الجدات .
غير أن الجَدَّ الأمريكيَّ / هوبارد هول / البالغ من العمر " 64" عاماً قد غالى في تطبيقها حينما أطلق الرصاص على صدر ولده مارك " 41 " عاماً بولاية آلاباما الأمريكية ، لقيامه بالضرب على ابنته " 12 " عاماً ، و اصراره على اصطحابها معه من منزل الجد إلى منزله ، فأرداه قتيلاً ، لانقاذ حفيدته !!!!!

ملاذٌ آمنٌ - نحن الأجداد و الجدات - للأحفاد و حضنٌ دافئٌ لهم ، كما حنانٌ غفيرٌ و عطفٌ خصيبٌ .
سرعان ما نترك الدنيا ، و نرحل .
لكن ذكرانا يبقى منحوتاً في مخيلة الأحفاد ، و صدى تفاصيل حُنوِّنا يشغل حيزاً واسعاً في وجدانهم .
ومن نبضات قلوبهم يتدفق حنينٌ شغوفٌ للحظاتٍ جميلةٍ عايشوها معنا . و آهاتهم على فراقنا ستظل شوكةً في خاصرة زمنٍ غادرٍ ، بمد يد المنون لاختطاف أجدادهم .
في ذات السياق تأكيدٌ من فيروز بأغنيتها الشهيرة : ( يا ستي يا ستي ، اشتقتلك يا ستي ... صوتك جاي من الكروم من التفاح ... صوتك حامل شمس ...) عرفاناً بحنان الجدة و عاطفتها الدافقة تجاه أولاد أولادها .

مثلما لأمهات الأحفاد - أقصد الكنة و الكنائن - شوكةٌ مغروسةٌ في الحلق ، و احتقانٌ في صدور الأجداد و الجدات ، من تلقينهن لأولادهن معلوماتٍ ملفقةً على شيطنة أهل زوجها ، و توجيه التهم الباطلة إليهم ، بغية تلطيخ سمعتهم بكل الشائنات .
في حين أنها تقدم شهادة حسن السلوك و السيرة لأهلها أمام الأولاد . وعلى أنهم كِرامٌ بَرَرَةٌ ، و ملائكةٌ أطهارٌ !!!
كل ذنوب الكنائن يمكن تمريرها ، و الصفح عن خطاياهن ، إلا ذاك المكر الذي يهدف استقصاء الأجداد و عموم أهل الزوج من الصدور الصغيرة ، كما انتزاعهم من القلوب البريئة !!!
و من هذا المنطلق - و بذات الجانب - يبقى الأحفاد ضحايا مكيدة الأمهات و مكرهنَّ !!!