اهل الصحافة و مسار السياسة في كوردستان

عماد علي
2019 / 7 / 16

المعلوم ان الصحافة و العملية الصحفية بشكل عام و بكل ما تحويه و الملم بها و دورهما و المنحنيات التي مرّ بها منذ قرن و نيف تقريبا في كوردستان يشير الى انها لازالت في بداية امرها و لم يثمر عنها ناتجاما يمكن ان ياخذ دوره الحقيقي و تاثيره المباشر و موقعه الخاص لدفع حياة الناس نحو الافضل كما هي مهام الصحافة الحقيقية بعيدا عن المصالح التي يمكن ان يستغلها الجهات العديدة سلبا و تنحدر هي بما تواجه نحو احداث الاضرار الكبيرة التي تفرز ما يبعدها عن مسارها الحقيقي.
هناك اختلافات كبيرة بين منشا و مسيرة و مهام و كيفية عمل الصحافة في كوردستان مع اي منطقة اخرى يمكن مقارنتها بها، فان كانت الارض محتلة بشكل و اخر كما كانت عليه و لازالت اكثريتها تحت نير الظلم و الغدر بعيدا عن حقوقها و ما يجب ان تكون عليه، فان صحافتها هي اول من يتاثر بظروفها العامة، و عليه فان الصحافة الثورية طالت مدتها و لازالت تعمل و لم تصل لحد اليوم الى الواقع الذي يمكن ان ندعي بان الصحافة تقوم بمهامها الاصيل و تؤدي دورها المناط بها، وهي قد انبثقت بشكلها الموجود في كوردستان و اتخذت صورتها و جوهرها الحالي المختلف لاسباب كثيرة و في مقمدتها السياسية و الاقتصادية و الثقافية العامة للناس ومن ثم توجه و خلفية من يعمل في هذا السلك و عقليته ايضا.
ابان الثورة الكوردستانية الطويلة الامد، لم تكن اهمية الصحافة الثورية اقل من دور العسكر و البيشمركَة و ما ضحوه من اجل الاهداف و المصالح العليا، كان لكلمة دورها رغم ان النتاجات كانت نادرة لعدم توفر الامكانيات التي كانت صعبة المنال في هذا المجال في ظروف عاشها المثقفون و اهل الصحافة و الادب في صفوف الثورة في المناطق النائية البعيدة عن المدنية. و لكن رغم ندرتها الا انها كانت اكثر تاثيرا على الناس و فرضت نفسها على اهميتها في توجيه و توعية المتتبعين و اهل السياسة و الثقافة و الادب و كان لها الدور المؤثر حتى على الموجودين في المدن و هم بعيدون عن الثورة، و بالاخص الادبيات الحزبية الايديولوجية و القليلة منها الفلسفية اضافة الى الادبيات الاخرى المتنوعة التي اخذت دور الصحافة في مسار الثورة الكوردستانية.
اما اليوم و نحن احرار في اقليم كوردستان و مضى حوالي ثلاث عقود فلم نلمس تقدم ملموس في مجال الصحافة سواء الحزبية منها كانت او المستقلة المتاثرة بتاريخ الصحافة و مسار الثقافة في كوردستان و ظروفها. كان بالامكان ان يكون لها الدور الاكبر الايجابي في توجيه حتى القادة السياسيين و وضع عراقيل امام طموحاتهم الشخصية المضرة و التخفيف عن كاهل الشعب و محاولة محاربة الفساد بشكل اكبر و اقوى لو كانت هناك صحافة حرة مستقلة مؤثرة منبثقة من رحم الشعب بعيدا عن الاحزاب و الكوادر الصحافية التي نشات من رحم الصحافة الحزبية الايديولوجية. لو تتبعنا اكثر الاوساط الحزبية الظاهرة اليوم في كوردستان و تذكرنا انبثاق الموجود و العامل في هذا القطاع لتبين لدينا عجينة الصحافة المكونة الناشئة من رحم التنظيمات الحزبية بشكل مباشر كان ام غير مباشر. فتاريخ الصحافة الكوردستانية مرتبط بالثورة و متطلباتها و ما بدر منها في هذا المجال و عليها فانها سارت مرتبكة و بانحدارات و احيانا انحرافات كبيرة، فانها و حتى بعد الانتفاضة سيطرت هذا النوع من الصحافة بشكل كامل على الساحة الكوردستانية و لم تظهر ما يمكن ان تكون صحافة شبه مستقلة الا قريبا جدا و كانت ايضا بمبادرة من كوادر لهم خلفيات حزبية فكرية سياسية و لهم ايديلوجيا و فلسفة خاصة مرتبطة بتوجه معين ايضا و ليس من وسط صحافي بحت، فليس هناك اكاديما صحافية مستقلة لحد هذه الساعة و حتى الاقسام و التخصصات الصحافية الاكاديمية او الجامعية مرتبطة بتاريخ الصحافة الثورية واقعيا و لم تصل الى حد القول بانها انبثقت بشكل طبيعي و من وسط صحافي و بعقلية صحفية اكاديمية علمية مستقلة لها مهامها الصحفي البعيد عن الانحياز و الحزبية.
ربما يمكننا ان نقول بان هناك من يطمح الى ان يعمل على ان ينتج صحافة حرة مستقلة تؤدي دورها و مهامها الخاص بها الا ان ظروفه المختلفة لا تدعه ان يسير على السكة الخاصة بهذا العمل و المهام. فاول المعوقات للصحافة الحرة هو الحالة الاقتصادية قبل السياسية المؤثرة، فان النسبة القليلة من القرّاء و انتشار الصحافة الالكترونية و تاثيراتها ارجعت حتى ما كانت عليه الصحافة الى الوراء كثيرا بحيث لم تدع ان تنبثق الصحافة الحقيقية الكوردستانية و هي في بداياتها و ماتت من رحمها قبل الولادة حقا.
كانت هناك محاولات خيرة من قبل الملمين و المهتمين رغم الخبرات الشخصية غير الاكاديمية او العلمية في هذا المسار، الا انهم ادوا دورهم وفق امكانياتهم و بدا ظهور بدايات نشوء الصحافة المستقلة الحرة و من ثم دفنت بالتغييرات الكبيرة التي حصلت نتيجة سيطرة الصحافة الاكترونية و انتشار مواقع المعلومات و دور الصحافة العالمية على كافة بقاع العالم من خلال هذا المجال الالكتروني الغازي للعالم، اضافة الى الدور السلبي للاحزاب و عملهم السياسي في التاثير على الصحافة بشكل يكون لمصلحتهم الضيقة فقط دون النظر الى ما يهم الشعب بشكل عام، فانهم اي الاحزاب ادوا دورا سلبيا كبيرا في هذا المجال و انشئوا صحافة في الظل باسم الصحافة المستقلة و شوّهوا العملية التي كانت بالامكان ان تسير بشكل طبيعي كي تنبثق منها الصحافة الحرة الحقيقية وبولادة طبيعية، الا ان ما نلاحظه انهم قد اجهضوها قبل الولادة. و عليه نلاحظ تخلف الصحافة الكوردستانية و تراجعها اكثر يوما بعد اخر و لا نتوقع بروز الصحافة الحرة المستقلة بعد في كوردستان بعد اليوم، وعليه يجب على المهتمين البحث في ايجاد وسائل و طرق اخرى لاتخاذ دور الصحافة الحرة الحقيقية الايجابية على الحياة العامة للناس من كافة المجالات بعد تعسر ولادة المطلوب.