يوميات عراقي – أبو علي بوجه الدبابات

ملهم الملائكة
2019 / 7 / 16

الدبابات بالنسبة لنا كارثة، سواء جاءت من طرف العدو المهاجم، أم كانت دباباتنا، ففي الحالين هي تسحق خطوط مواصلاتنا السلكية. وهذه كارثة لا يفهمها سوى أبطال المخابرة عبر الحروب.

مضى أسبوع، لم أنم فيه سوى بضع ساعات، بدلتي التي أخذتها من وحدة الميدان الطبية بعد جرحي، التصقت ببدني مثل قطعة جنفاص متصلبة بسبب العرق والوسخ.
وصل بي الإعياء أشده، ثم بُلغنا بأنّ كتيبة دبابات المثنى، ستقوم بهجوم لدعم أفواجنا التي تهاجم العدو من عارضة المهد، وهكذا فإنّ علي أن أنشر مفارز تصليح الخطوط السلكية، على طول محاور الهجوم، وهي تبدأ عادة بنفس المسالك والطرق النيسمية التي نستخدمها لأنّ القاطع جبلي، ثم تنتشر "الحدايد" وهو الاسم الرمزي للدبابات، في حوض سربيل زهاب الخصيب الدامي المشتعل، وهذه طامة أخرى، حيث تنتشر شبكتنا السلكية الواصلة إلى مواقع الأفواج، وأكثرها خطورة موضع الفوج الثاني فوق عارضة المهد الذي تسقط عليه القذائف والرصاص بلا انقطاع، ولا يخلي جرحاه وقتلاه إلا ليلا بسبب شدة الرمي.
كيف سأفعل ذلك؟ جلست على حافة حفرتي "الخندق الشقي"، وفيها كليم (مشمع تفرش به أرضيات الخنادق لحجب رطوبة الأرض عن فراش الجندي)، وفيه حقيبتي السوداء المعبأة بعلب السكائر، والجوارب والألبسة الداخلية، ومنشفتين وبدلة عسكرية ثانية، علاوة على زمزمية ماء، وحقيبة ظهر عسكرية موروثة من تقاليد الجيش البريطاني لا يستعملها أحد قط، و ملعقة وشوكة، وحربة. هذا كل أثاثي في المعركة. واعتدت أن أغفو في حفرتي بضع دقائق بين الكوارث، وبقيت جالساً على الحافة وأنا أدخن محاولا استيعاب الفاجعة المقبلة.
لابد أن أخرج لأشرف على مفارز الخطوط وهي ترفع الأسلاك أمام سُرَف (سلاسل) الدبابات وخاصة في المفارق حيث يشتعل القصف، وإن لم أرافقهم، يتلكأ الجنود. وجود الضابط مع القطعة التي يقودها هو معنوي بنسبة 80 بالمائة، وحقيقي بنسبة 20 بالمائة. الجنود وضباط الصف يتقنون عملهم خيراً من أي ضابط، لكن وجوده المعنوي يشجعهم لتحمل فكرة أننا قد نموت معاً !
وسط هذه التأملات اليائسة جاءني معاوني نائب ضابط "و" وندعوه جميعاً أبو علي احتراماً له ولسنه، فخدمته في الجيش بقدر عمري، وابنه علي تلميذ في الكلية العسكرية ويؤمل أن يتخرج قبل أقل من عام. أدى التحية بوجهه الطيب الممتلئ القريب إلى النفس وقال: ماذا ستفعل يا سيدي بشان انفتاح كتيبة دبابات المثنى، "عساها لا أجت ولا ردت، دبابات الكشرة علينا وعلى أمة محمد"؟!
أضحكني دعاؤه، فقلت له: لا أعرف يا أبو علي، أنا وصلت الى خط النهاية، لا أستطيع أن أحرك ساقي، ولو تركتني لحظة واحدة سأنام، منذ أسبوع أنا بلا نوم.
فقال مدافعا عن موقفه: كلنا بلا نوم يا سيدي، لكن أنت أكثرنا تعباً، دعني أذهب أنا مع الجنود بدلاً عنك، لرفع الشبكة!
وهل تستطيع وأنت بهذا الوزن والعمر، وماذا عن ركبتك التي لا تقوى على حملك لمسافات طويلة؟
ابتسم وهو متألم فعلاً لركبته التي انسحقت بمرور الأيام وبالوزن الثقيل، ثم قال: سأذهب معهم بالدراجة، وهذا يتيح لي أن اتجول حولهم، وأبقى راكبا.
هل تجيد استخدام الدراجة النارية أبو علي؟
ضحك وقال: جا شلون! عشر سنوات أنا معتمد، وأنقل بريد الوحدات بالدراجة.
ولكن تلك دراجة إنكليزية قديمة، وهذه دراجة أم زد ألمانية، هل تعرف قيادتها؟
لا فرق يا سيدي، صدقني لا فرق، اذهب أنت إلى النوم في مكان هادئ واسترح، ونحن سنقوم بالواجب، ولا تقلق، سيكون كل شيء على ما يرام.
ضحكت بيأس وسألته: أين المكان الهادئ مثلا، الركن الهادئ؟
ضحك أبو علي ملأ شدقيه وقال بعين تطاير مكرها: من أين لي بالركن الهادئ الآن في هذا الجحيم؟ (الركن الهادئ اسم حانة شهيرة في شارع سينما الخيام ببغداد، وكان أبو علي من عشاق الخمرة وشاربيها). على كل حال، اختفي من هنا، لا تدع أحداً يراك، وسيظنونك قد خرجت إلى الواجب، أبلغ مقدم اللواء أنك ستقوم بالواجب، واذهب لتنام في مكان ما، وأنا سأجمع المفارز، وأوزعها على الواجبات، وسآخذ سيارة الأسلاك وجهاز اتصال معي.
دار هذا الحوار فيما كانت 3 كتائب مدفعية عراقية تتناوب القصف على مواقع العدو لمنعه من دفع تعزيزات، في المقابل تتساقط قنابل مدفعية العدو بعيدة المدى على أطراف مقرنا بسبب البث اللاسلكي لكتائب المدفعية ومراصدها. وتخيلت نفسي ذاهباً إلى النوم في هذا الحفل المدفعي الصاخب.
ذهبت إلى مقدم اللواء وأبلغته بخطتنا، وأخفيت عنه أني ذاهب للنوم وسأرسل معاوني بدلاً عني. ثم اصطحبت سيارتي وسائقي البصري، وذهبت إلى واحة تبعد خمسة كيلومترات في العمق خلف مقر اللواء المستقر في سفح جبل "سيسر" الشمالي، كانت القذائف تصلها وتعبرها في فترات متباعدة، نظرا لوقوعها في طية أرضية مخفية بين التلال، وهذا يجعلها واحة آمنة بحق.
ترجلنا عند الواحة، وانزلت من السيارة فراش الجندي المخابر الذي ذهب في إجازة طبية بسبب اصابته ب"صدمة المعركة"! مهدت الفراش عند الواحة، واخبرت سائقي أن يدبر حاله في نومة هانئة لبضع ساعات. فتمدد على مقعد السيارة الخلفي ووضع صدرية عتاد بنديقة وسادا تحت رأسه، ونام تاركاً باب السيارة مفتوحاً.
ما إن وضعت رأسي على الوسادة حتى ذهبت في غفوة استمرت لفترة طويلة، وحين صحوت فجأة كانت الشمس قد تدنّت إلى المغيب، ونظرت إلى ساعتي وهالني أنني قد نمت 4 ساعات، وهذا مكسب كبير سيمكنني من العمل باستمرار لبضعة أيام.
عدت إلى مقر اللواء، ففوجئت أن الدبابات تتقدم على الطريق الجبلي الحجري الذي تتساقط عليه القذائف، والضجيج على أشده، واصابتني نوبة يأس قاتلة. ماذا جرى؟
حين وصلت مقري (خندقي وما حوله من خنادق الجنود)، استقبلني بوجه ضاحك نائب الضابط أبو علي بالتحية: اهلا بك، حمد الله على السلامة، كل شئ تمام، لا تقلق!
كيف لا أقلق، والدبابات تتقدم الآن، وسوف تنفتح بعد عبورها المضيق في الوادي؟؟
لا لا لا، هذه دبابة أو دبابتان متأخرتان فقط، كل الدبابات عبرت، ورفعنا الشبكة، وكل شيء تمام التمام.
في هذه اللحظة، قال لي عامل البدالة: سيدي، مقدم اللواء طالبك!
تناولت هاتفا أكلمه، فتفجر الرائد ركن ن يخبرني أنّ الخطوط كلها عاطلة، وأين أنتم وماذا فعلتم وهذه مخالفة عقوبتها الإعدام وأنّه لن يتحمل المسؤولية وسيبلغ أمر اللواء...إلى نهاية السمفونية الغاضبة !
وكان عليّ أن أبدأ من الصفر بإصلاح الخطوط في وسط المعركة، جزاء وفاقاً لي لأني أخذت بنصيحة أبو علي!

*هذه الوقائع، مشاهدات في حرب السنوات الثمان التي أؤكد على تسميتها "قادسية صدام" لأنّها حربه وحده. أنقل اليوميات كما عشتها وعاشها أغلب ذكور العراق المكلفين بالخدمة الإلزامية ضباطاً وجنوداً ومراتب. بعضها شهدته بنفسي، وأخرى رواها لي بأمانة شهود عيان.